fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - New York Times

ترجمة - New York Times

مقالات الكاتب

44 قبراً صغيراً تثير أسئلة حرجة حول سياسة الولايات المتحدة في اليمن

كان الصبية مكدّسين داخل الحافلة، التي كانت تضيق بأجسادهم النحيلة، ثلاثة فتيان يحاولون الجلوس على كل مقعدٍ، فيما يكتظ ممرّ الحافلة بالمتأخرين، تعلو أصواتهم بحماسة وإثارة، وهم يتحدّثون عن الرحلة الميدانية التي كانت مقرّرة في ذلك اليوم. كانت أصواتهم مرتفعة جداً، إلى درجة أن أحدهم اضطر، وهو طويل القامة، إلى بذل جهودٍ كبيرةٍ لجذب انتباههم، من خلال وضع يديه على أذنيه والصراخ بكل ما أوتي من قوة.
بعد ساعات قليلة، لقي معظم الأطفال مصرعهم.

حين توقّفت الحافلة لتناول وجبات خفيفة في قرية ضحيان الفقيرة في شمال اليمن، شنّ تحالف الدول العربية بقيادة السعودية قصفاً جوياً على منطقة قريبة من ذلك الموقع، أدّى إلى تفجير الحافلة، وتحويلها ركاماً، من المعدن الملتوي، وتشتيت حمولتها البشرية، بين جرحى وأجساد تنزف دماً وجثث هامدة، في الشارع، بحسب شهود عيان وأسر الأطفال.

“ساقي معقوفة” صاح أحد الفتيان باكياً، مضرّجاً بالدماء، وهو يتفحّص طرفه المصاب. يقول الطفل في شريط فيديو تم التقاطه في مكان الحادث بعد الغارة الجويّة “لقد قصفتنا طائرة”. وقال مسؤولون صحّيون يمنيون أن 54 شخصاً قتلوا في تلك الغارة، من بينهم 44 طفلاً، فضلاً عن عدد كبيرٍ من الجرحى.

بدأ نزاع اليمن عام 2014 عندما سيطر المتمرّدون الحوثيون، الموالون لإيران، على العاصمة صنعاء، وأجبروا الحكومة القائمة على المنفى. في آذار/ مارس 2015، شكّلت المملكة العربية السعودية – المنافس الرئيسي لإيران على الهيمنة والنفوذ في الشرق الأوسط – ائتلافاً من الدول العربية، وشنّت حملة عسكرية تهدف إلى إعادة الحكومة اليمنية الموالية لها إلى السلطة، لكنها أخفقت في تحقيق هدفها حتى الآن.

كان هجوم 9 آب/ أغسطس مروّعاً بشكل لافت، حتى بالنسبة إلى حربٍ كان الأطفال هم ضحاياها الأساسيون، من خلال معاناتهم الشديدة جراء تعرّضهم لإحدى أسوأ الأزمات الإنسانية التي عرفها العالم، مع تفشّي وباء الكوليرا وانتشار حالة سوء التغذية. وقد خلفتْ الحرب أكثر من عشرة آلاف ضحية، قبل أن تتوقف الأمم المتحدة عن تحديث حصيلة القتلى قبل عامين. وأثارت هذه الهجمة أيضاً أسئلة حول تكتيكات التحالف ودعم الولايات المتحدة للحملة العسكرية.

بعض الأطفال الجرحى الناجين من مجزرة باص المدرسة

يُصرّ القادة العسكريون الأميركيون، نظراً إلى ما خلّفته الغارات الجوية من قتل المدنيين في الأسواق وحفلات الزفاف والجنازات، على أن الولايات المتحدة ليست طرفاً في هذه الحرب. وتقول منظّمات حقوق الإنسان إن الولايات المتحدة لا تستطيع التنصّل من المسؤولية وإنكار دورها، كونها الطرف الذي باع الأسلحة المتنوّعة بمليارات الدولارات إلى الدول المتحالفة معها، وأمد هذا التحالف بمعلومات استخبارية وزوّد قاذفاتها بالوقود جواً.

وكان الكونغرس قد أعرب هو الآخر في الآونة الأخيرة عن قلق متزايد بشأن الحرب الدائرة في اليمن. وتضمّن مشروع قانون الدفاع الذي وقّعه الرئيس ترامب يوم الاثنين قراراً تبنّاه الحزبان ويطالب وزير الخارجية مايك بومبيو، بأخذ تعهّد من المملكة العربية السعودية وحليفتها الوثيقة، الإمارات العربية المتحدة – الدولتين اللّتين تقودان التحالف – باتّخاذ تدابير فعّالة لمنع وقوع وفيّات بين المدنيين. وفي حالة عدم استطاعة السيد بومبيو الحصول على هذا الالتزام، فإن التشريع يحظّر على أميركا تزويد طائرات الحلفاء بالوقود جواً.

وكان بومبيو قد أثار مسألة قصف الحافلة، في مكالمة هاتفية أجراها هذا الأسبوع مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وزير الدفاع في المملكة، في حين، أوفد وزير الدفاع جيم ماتيس جنرالاً بثلاث نجوم إلى الرياض، العاصمة السعودية، للضغط على السعوديين للتحقيق في تفجير الحافلة.

“ترواحت أعمار الأطفال على متن الحافلة المستهدفة بين 6 إلى 16 سنة، وكان معظمهم من ضحيان، وهي قرية فقيرة في محافظة صعدة”

في أعقاب هذا الهجوم، ذهب أعضاء من الكونغرس إلى أبعد من ذلك، من خلال دعوتهم الجيش إلى توضيح دوره في الغارات الجويّة على اليمن والتحقيق في ما إذا كان دعم تلك الهجمات يمكن أن يعرّض الأفراد العسكريين الأميركيين لخطر قانوني، بما في ذلك الملاحقة القضائية في جرائم الحرب.

لكن في الوقت نفسه، مارس المقاول “رايثيون” (Raytheon) المختص في مجال الدفاع، الضغط على المشرّعين ووزارة الخارجية للسماح له ببيع 60000 قطعة من الذخائر الدقيقة التوجيه إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في صفقات تقدّر قيمتها بمليارات الدولارات.

يقول التحالف الذي تقوده السعودية إنه يعمل على تجنّب وقوع إصابات بين المدنيين ويتّهم أعداءه، الحوثيين، باستخدام المدنيين دروعاً بشرية.
وفي اليوم الذي شنّت فيه الطائرات والقاذفات تلك الغارة الجويّة، صرّح المتحدّث باسم التحالف، العقيد تركي المالكي، بأن قوّات التحالف قصفت هدفاً عسكرياً مشروعاً، بعد أن تسبب صاروخٌ حوثي في مقتل شخصٍ واحدٍ وإصابة 11 في جنوب المملكة العربية السعودية، بالقرب من الحدود مع اليمن.

صرّح العقيد مالكي لشبكة العربية المملوكة للسعودية بأن “جميع العناصر الموجودة في الحافلة مستهدفة”، مشيراً إلى أن الحافلة كانت تنقل “ناشطين ومخطّطين”. في اليوم التالي، قال التحالف إنه تمّت إحالة ملف القصف للتحقيق الداخلي بعد أن أفادت التقارير بأن “الحافلة تعرّضت لأضرار جانبية”.

وتشكّك جماعات حقوق الإنسان، من احتمال توصّل تقارير الائتلاف في أي تحقيق، إلى نتيجة، يُحمّل فيها التحالف الخطأ لنفسه في عملية القصف.

قال لاري لويس، مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية زار المملكة العربية السعودية 5 مرّات في 2015 و2016 لمساعدة القوّات الجوية السعودية في تحسين إجراءات الاستهداف والتحقيقات، إن “السعوديين لا يتعلّمون”، مضيفاً: “إنهم يرتكبون الأخطاء ذاتها التي ارتكبوها طوال الوقت. ونحن لا نضغط عليهم، بل إننا نتركهم يواصلون أخطاءهم من دون مساءلة”.

سمحت زيارة إلى موقع الهجوم ومقابلات مع الشهود ومراجعة مقاطع فيديو لذلك اليوم، برسم صورة للتكلفة البشرية لعملية القصف الجوي.
تراوحت أعمار الأطفال على متن الحافلة المستهدفة بين 6 إلى 16 سنة، وكان معظمهم من ضحيان، وهي قرية فقيرة في محافظة صعدة على طول الحدود مع المملكة العربية السعودية، وموطن الحوثيين، وقد تعرّض لقصف كثيف من قبل قوّات التحالف. من جانبهم، استخدم الحوثيون المنطقة لشن هجمات على الحدود السعودية وإطلاق الصواريخ على المملكة.

كانت مجموعة الأطفال على متن الحافلة، جزءاً من برنامج صيفي ديني نظّمه الحوثيون، وكانت الرحلة الميدانية ليستمتع الأطفال بفسحة من الاسترخاء.

“كثيراً ما تم العثور على بقايا الأسلحة أميركية الصنع ضمن أنقاض الغارات الجويّة في اليمن”

عندما ركبوا الحافلة في ذلك الصباح، قام أحد الأطفال، وهو أسامة الحمران، بتصوير زملائه بهاتفه الخليوي، وهم يتزاحمون في مقاعدهم، كان كثر منهم يرتدون سترات رياضية فوق العباءات اليمنية التقليدية، وهم يرتدون هذه كملابس احتفاء بمناسبة خاصة، ثم يظهرهم شريط الفيديو في محطّتهم التالية، عند نصب تذكاري ومقبرة تسمّى “حديقة الشهداء” في قرية مجاورة.

في مستودع كبير مزيّن بصور لرجال قتلوا في الحرب، قام أحد منظّمي الرحلة بتلقين الأطفال مجموعة من الأدعية والهتافات، وكانت لافتة بجوار الباب تحمل شعار الحوثيين “الله أكبر؛ الموت لأميركا؛ الموت لإسرائيل؛ اللعنة على اليهود؛ النصر للإسلام”. أخذ بعض الأطفال يضحكون عندما صوّرهم أسامة، بينما وضع بعضهم أياديهم على عدسة كاميرته.

ثم انطلقوا يركضون باتّجاه المقبرة المجاورة، حيث نما العشب بين صفوف المقابر التي تحمل شواهد صخرية بيضاء أو علامات بلاستيكية تحمل صور المتوفّى. “أنا أصوّركم!” راح يصرخ أسامة، أثناء سيره بين القبور. وقف صبيان آخران بجوار نافورة، فناداهما أسامة قائلا “تعالا إلى هنا لأتمكن من التقاط صورتكما”، وهنا ينتهي شريط الفيديو.

كان من المفترض أن تواصل الحافلة مسيرتها إلى مدينة صعدة، عاصمة المحافظة، لزيارة مسجد تاريخي، لكن لم يسعفها الحظ لتكمل مشوارها.
توقفت المجموعة على قارعة الطريق لشراء العصير والوجبات الخفيفة عندما سقطت القنبلة.

يقول علي عبد الله حملة، وهو صاحب مخبز محلي، إنه سمع الانفجار ورأى سحابة ضخمة تتصاعد من الموقع قبل أن يرى شاباً مضرّجاً بالدماء، يسحب نفسه بعيداً من مكان الانفجار. اقترب علي فرأى جثث 7 أطفال متناثرة.

يقول السيد حملة “في بعض الحالات، لم يتم العثور إلا على الأجزاء العليا من جثث الأطفال”. وقد عُثر على جثة مشوّهة لأحد الأطفال على سطح مبنى، من شدة قوة الانفجار.

تُظهر مقاطع الفيديو التي تم التقاطها في أعقاب الحادث، صوراً للحافلة المحطمة مع جثث اثنين من الصبية ملقاة على الأرض، إضافة إلى أطفال آخرين، مرميّون على الأرض في مكان قريب، بعضهم يجهد نفسه في محاولة للتحرك، بينما تتبعثر جثث أخرى متناثرة الأحشاء، بعد أن اختلطت بقاياها في الشارع مع النفايات نتيجة الانفجار.

قال علي: “لقد كانت المرّة الأولى في حياتي التي أشاهد فيها مثل هذه المجزرة المرعبة”.

كان من بين القتلى أسامة، الصبي الذي صوّر زملاءه، وتم العثور على لقطات الفيديو التي التقطها بهاتفه بعد التفجير، وفق رواية يحيى الشامي، العامل في محطّة تلفزيون المسيرة التابعة للحوثيين، التي بثّت صور الواقعة. وأكّدت أسر الأطفال أن رحلة الحافلة كانت في إطار برنامج اليوم وكان أطفالهم في الفيديو الذي تم التقاطه من قبل أسامة.

وبعد بضعة أيام، أظهر مسؤولو الأمن المحلّيون لصحيفة “نيويورك تايمز” زعنفة معدنية قالوا إنها كانت ملصقة بالقنبلة وعثر عليها في مكان قريب، وكان مكتوب عليها أنها صنع شركة “جنرال دايناميكس”، وتم إرفاقها بقنبلة تزن 500 باوند كنظام توجيه، ولم تتمكّن الصحيفة من تأكيد أن الزعنفة كانت فعلاً جزءاً من القنبلة المستخدمة في عملية القصف.

لكن كثيراً ما تم العثور على بقايا الأسلحة أميركية الصنع ضمن أنقاض الغارات الجويّة في اليمن.

يقول مسؤولو إدارة ترامب إنهم لا يملكون السيطرة على القنابل التي تشتريها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من مقاولين دفاعيين أميركيين أو غربيين آخرين. ويقول مسؤولو البنتاغون إنهم عرضوا مراراً وتكراراً تقديم المساعدة للبلدين بشأن وضع قوائم تتضمّن مواقع “عدم القصف”، لكنهم لا يشاركون في اختيار الأهداف ولا يعرفون مهمّات الطائرات الحربية التابعة للتحالف التي تقوم الولايات المتحدة بتزويدها بالوقود جواً .

في مستشفى قريب، حاول عبد الرحمن العجري مواساة ابنه حسن البالغ من العمر 11 سنة، الذي كان يئن من شدّة الألم بسبب كسر ساقه. وكان حسن ضمن الأطفال على متن الحافلة، واستشاط والده غاضباً من تصريح التحالف الذي زعم أن الحافلة كانت تحمل متآمرين عسكريين.

يقول العجري بنبر ساخرة، “هذا هو العقل المدبّر، مع رفاقه. كيف يمكنهم تخطيط أي شيء؟ إنهم أطفال ولا يملكون من الأسلحة سوى الأقلام والدفاتر والكتب”، ولم يتردّد في تحديد الجهة التي تتحمّل المسؤولية ويقع عليها اللوم، أميركا رأس الشر، وكذلك النظام السعودي ومرتزقة النظام السعودي”.

المقال مترجم عن موقع صحيفة Nytimes.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً:
صناعة الفرد الآمر الناهي في اليمن لم تكتمل بعد: عبدربه منصور هادي نموذجاً
“لا مكان للحقائق في حربنا”: صحافي يمني يحكي عن أحوال المهنة
الحوثيون طردوا من تبقى من يهود اليمن وباشروا باقتلاع البهائيين
“العتمة”… يمنيون في سجون الحوثي والحكومة الشرعية

إقرأ أيضاً