fbpx

الجوع لا الوباء يفتك بـ 8 ملايين عراقي

يواجه العراق أزمة اقتصادية أُخرى بانخفاض أسعار النفط، الذي يُشكل قُرابة 93 في المئة من موارد العراق، ما يُثير تساؤلاتٍ عن مدى صمود العراق في وجه وباء "كورونا" في ظل هذه الأزمة.

يقفُ أبو آيات بسيارته المُخصصة للأجرة، أمام مستشفى الشيخ زايد في ساحة الأندلس في العاصمة بغداد، يحاولُ اقتناص الزبائن لإيصالهم إلى بيوتهم خلال فترة حظر التجوال، المُستمرة في العراق منذ 17 آذار/ مارس وحتى اللحظة. حاول البقاء بالمنزل والالتزام بالحجر لكن شح المال دفعه للخروج. 

يقول لـ”درج”: “بعد أسبوعٍ من قرار حظر التجوال، قررت الخروج للعمل في سيارتي التاكسي، أنا اعمل في هذه المهنة منذ أكثر من 10 سنوات، وهي باب رزقي الوحيد”.

أبو آيات (55 سنة)، يسكُن في منطقة الأمين، أحد الأحياء الشعبية، وهو أبٌ لثلاث فتياتٍ متزوجات، يمضين فترة حظر التجوال في منزل والدهن، يقول “بناتي الثلاث حوامل، وأنا أساعدُ أزواجهن في تلبية احتياجاتهن، بقائي في المنزل من دون عمل سيجبرني على مدّ يدي للآخرين وطلب العون”.

وعلى رغم إجراءاتٍ أمنيةٍ مشددة فُرضت على كل مواطن عراقي يُخالف قرار حظر التجوال، كدفعِ غرامة مالية، أو حجز مركبته أكثر من خمسة أيام، إلا أن أبا آيات استطاع  أن يكسر هذه القاعدة. ويؤكد “في بادئ الأمر كُنت أتحجج لعناصر الأمن بأنني مريض وعلي زيارة المستشفى، وقد تشاجرت مع بعض العناصر، لكنني صارحتهم في ما بعد بأنني إذا ما بقيت على هذا الحال سأضطر إلى الاستجداء لأعيش، وأن الحل الوحيد هو خروجي لطلب الرزق، وها أنا أحصل على 5 آلاف دينار في اليوم أو 10 آلاف، ما يُكفي لتوفير قوت يومٍ واحد”.

الفقر يبلغ مستويات هائلة

أكثر من مليوني عائلة عراقية تحت خطّ الفقر، هذا ما أعلنت عنه وزارة التخطيط العراقية، ويؤكد المتحدث باسم الوزارة عبد الزهرة الهنداوي أن “قُرابة 8 ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر، والأسر العراقية تصرفُ قُرابة الـ60 في المئة من مدخولها لتوفير الطعام والشراب، وتوفير الطاقة والوقود، لذلك تحتاج الوزارة الى مخصصاتٍ بمقدار 300 مليار دينار عراقي، منحة طارئة لسدّ حاجة الأسر الفقيرة”. 

ويشير الهنداوي إلى أن “هذه المنحة تشمل غير الموظفين، والذين لا يملكون منحة من وزارة العمل والشؤون، فضلاً عن أصحاب الأجور اليومية كعمال مساطر البناء، وسائقي الأجرة، وأصحاب بسطات البيع، وكل من يتوقف قوت يومه على عمل بسيط يومي”.

حتى اللحظة، لم تكُن منحة وزارة التخطيط عملية أو تطبيقية، يذكر الهنداوي أن “الوزارة بعد 3 أسابيع من فرض حظر التجوال في العراق بسبب جائحة كورونا قررت وبمتابعة الوزير، ورئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبد المهدي وضع استراتيجية لتخصيص منح مالية للعائلات الفقيرة، وهذه المنح تحتاج إلى نحو الشهر لتوزيعها وفق آلية ستضعها الوزارة”.

لم تضع الحكومة العراقية منذ عام 2003 وحتى اليوم مخطط طوارئ أو أزمات، ويبدو أنها ترتجي اليوم تكافلاً بين المواطنين. يقول عضو اللجنة المالية النيابية عبدالهادي السعداوي: “من واجب كل مواطن ميسور المبادرة في قضية التكافل الاجتماعي لمساعدة العائلات الفقيرة لتجاوز هذا الأزمة”، مؤكداً أن “الحكومة قادرة على تدعيم ملف الفقراء لمواجهة فايروس كورونا من خلال الرعاية الاجتماعية أو البطاقة التموينية، على رغم التحديات الاقتصادية القائمة”.

وبالتزامن مع أزمة “كورونا”، يواجه العراق أزمة اقتصادية أُخرى بانخفاض أسعار النفط، الذي يُشكل قُرابة 93 في المئة من موارد العراق، ما يُثير تساؤلاتٍ عن مدى صمود العراق في وجه وباء “كورونا” في ظل هذه الأزمة، وكيف سيبحث عن مصادر تمويل أخرى، بينما تخشى الحكومة العراقية احتمال توقف عمل شركات النفط الأجنبية ومغادرتها العراق لحين ارتفاع أسعار النفط من جديد.

إغلاقُ 400 شركة سياحة

أغلقت معظم الشركات التجارية والمحال أبوابها، بالتزامن مع انتشار الوباء، وفرض حظر التجوال، ما أدى إلى تسريح الكثير من موظفي القطاع الخاص، لا سيما في مجال السياحة والسفر، الذي يُعدّ الأكثر تضرراً بسبب “كورونا”. يقول أحمد سعود صاحب إحدى شركات السياحة والسفر إن “أكثر من 400 شركة سياحة وسفر تُغلق في شارع السعدون (لأنه موقع ممتاز للسياحة والسفر في العراق) ما أدى إلى خسائر كبيرة”.

قُرابة 8 ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر.

تكبدت شركة أحمد حتى الآن 18 ألف دولار خسائرَ، خلال أقل من شهر، يقول أحمد “بالنسبة إلي لم أستطع منح العاملين في شركتي رواتب هذا الشهر، وهم يقدّرون حجم خسائري، وقمت بتسريح 4 منهم”. وأشار إلى أن “راتب العامل في شركة السياحة والسفر يتراوح بين 600 و1000 دولار، بحسب ساعات عمله، وفي كل شركة هناك بين 5 و6 عاملين على الأقل، وهنا بإمكانكِ تخيل كم عائلة توقفت أرزاقها حتى اللحظة”.

يضيف أحمد: “الوباء لم يضر العائلات الفقيرة وحسب، بل رفع نسبة البطالة، فالكثير من موظفي القطاع الخاص هم من الأسر متوسطة العيش، وبعضهم يعيش في بيوت مستأجرة، وهؤلاء يعتمدون على الراتب الشهري الممنوح لهم، فضلاً عنّا نحن أصحاب الشركات والمشاريع، بهذا نحن في طور انهيار اقتصادي كبير، وارتفاعٍ في نسبتي البطالة والفقر”.

فرقٌ تطوعية

توقفت منحةُ الرعاية الاجتماعية عن نادية (45 سنة) منذ أكثر من ثلاثة أشهر، كانت تحصل عليها عن ابنها أمير، الذي كان منخرطاً في صفوف الحشد الشعبي، وسقط خلال حروب تحرير الموصل وهو في الـ17 من عمره. نادية الأرملة تسكُن في بيتٍ هزيل في حي المعلمين/ الرئاسة. تقول لـ”درج”، “إيجار بيتي 400 ألف دينار عراقي، كُنت أحصل على منحة 300 ألف دينار من وزارة العمل والشؤون عن ابني الشهيد، وهي منحة خصصت لشهداء تحرير الموصل، إلا أنها توقفت لأسبابٍ مجهولة، والآن أعيش على الصدقات التي يتبرع بها الجيران وأهل الخير”.

ثلاثةُ أطفال آخرون لنادية، فضلاً عن أمير، تقول: “أحد أبنائي يعاني من مشكلة عقلية، وهو في حاجة لرعاية خاصة، ولدي طفلة تبلغ من العمر عامين، أما ابني أحمد البالغ 13 سنة، فهو يُعيلنا، ويعمل في جباية أجرة الحافلات التي تنقل الركاب بين المناطق، مقابل أجر يومي قدره 10 آلاف دينار عراقي، يكاد لا يكفي لسدّ حاجتنا اليومية لكنه أفضل من لا شيء”.

بعد فرض حظر التجوال بسبب الوباء، توقف أحمد الابن المتوسط لنادية عن عمله، فلجأت إلى الفرق المتطوعة لسدّ قوت يومها.

وزارة العمل والشؤون لم تُصرح حتى الآن بإجراءاتها التي اتخذتها تجاه العائلات الفقيرة في ظل أزمة الوباء، إلا أنها وبحسب بيانٍ لها “افتتحت موقعها لتسجيل بيانات العائلات الفقيرة لتخصيص مُنحٍ لم تعلن عن تفاصيلها بعد”.

وشرعت وزارة التجارة بمنح المواطنين (الحصة التموينية) الشهرية، والتي لا تتضمن سوى الأرز والزيت والسكر، وأكدت الوزارة بحسب محمد حنون المتحدث الرسمي عنها “سنقوم بتوزيع الحصة التموينية التي تشمل المواد الغذائية للمواطنين خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، من خلال وكلائنا بحسب كل منطقة في بغداد والمحافظات”.

بينما تعمل الفرق الطوعية التي يُشكلها بعض الشباب من أبناء بغداد والمحافظات، على جمع الأموال وتوفير سلات غذائية تتضمن الكثير من المواد التي تحتاجها الأسرة على مدى شهر كامل، ويتم توزيعها على العائلات الفقيرة. يقول مصطفى الشاعر، أحد مُنظمي الفرق التطوعية “قمنا بتوزيع أكثر من 600 سلة غذائية حتى الآن على الأسر الفقيرة والمحتاجة في ظل هذه الأزمة، نحن لدينا بيانات خاصة بالأسر الفقيرة الموجودة في  بغداد، ووفقاً لذلك استطعنا تلبية حاجة هذا العدد من الأسر، كما أننا مستمرون بعملنا هذا حتى تجاوز هذه الأزمة”.

خابت آمال المواطنين العراقيين بالاعتماد على حكومتهم لتوفير أبسط حقوقهم، بخاصة خلال أزمة عالمية كهذه، ما جعلهم يلجأون إلى حلولٍ بديلة كالتكافل في ما بينهم.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
اشتباك العالم الإسلامي مع حرية التعبير طويل وشائك.ويبدو أن الحملة التي تتشكلُ حالياً تحت شعار “إلا رسول الله” هي إضافةٌ أخرى للاشتباك غير الضروري بين الإسلام وحرية التعبير.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني