fbpx

ما بين المجاعة والوباء: لبنان قنبلة موقوتة

مهد الضعف المتوقع من حكومة حسان دياب الطريق أمام الأحزاب السياسية الطائفية لتستعيد أساليبها القديمة وتضطلع بدور الدولة، مستغلة الخوف البشري في مثل هذه الأوقات لتوجيه رسالة واضحة: ليس لديكم أحد سوانا.

بينما كان لبنان ينزلق في أزمته الاقتصادية والسياسية التي طال توقعها عشية 17 أكتوبر/تشرين الأول عام 2019، كان النموذج الطائفي في البلاد واقتصاده الريعي يلتقطان أنفاسهما الأخيرة. 

لا يعني هذا بالطبع أن لبنان في سبيله إلى تأسيس جمهوريته الثالثة، بل يعني أن النظام الذي عرفه اللبنانيون واِعتادوا عليه على مدى عقود، قد دخل في عملية تحول طويلة وصعبة. 

الأكيد، هو أن حركة الاحتجاج الشعبية التي امتدت في جميع أنحاء البلاد متجاوزةً الانقسامات الطائفية في ذلك الوقت، حققت ما لا يمكن تصوره؛ وطعنت في شرعية أمراء الحرب الطائفيين، الذين حكموا البلاد لعقود من الزمان. وأصبحت السردية السائدة واضحة: أوصل تحالف أمراء الحرب الطائفيين اللبنانيين مع المصارف البلاد نحو حافة الهاوية. ومع إقدام المواطنين اللبنانيين على المشاركة في الحياة العامة، والبدء في الإتحاد والتخطيط، ظناً منهم أنه لا يُمكن إنقاذ هذا المنظومة الفاسدة إلا بمعجزة، كان للقدر خطة مختلفة. تجسدت تلك المعجزة في هيئة فايروس، يُعتَقَد أن مصدره أحد “الأسواق الرطبة” في مدينة ووهان الصينية، جاء طارقاً أبواب العالم. بدت المفارقة العجيبة في جميع هذه الأشياء واضحة للغاية: ففي حين سعى العالم بأسره جاهداً للتعامل مع تفشي فيروس كورونا المستجد، انتهزت القِلة الحاكمة في لبنان تلك الفرصة للنهوض من جديد.

عندما تشكلت حكومة رئيس الوزراء حسان دياب في يناير/كانون الثاني الماضي، زعم البعض أنها حكومة تخالف التقليد المعتاد لتشكيل الحكومات المتبع بعد عام 2005، والذي يكفل تمثيل كافة الجماعات السياسية الطائفية تحت مسمى حكومات “الوحدة الوطنية”. فقد تألفت حكومة حسان دياب في معظمها ممن يطلق عليهم الوزراء “التكنوقراط”، الأمر الذي يعطي انطباعاً واهياً بأن مثل هذه الحكومة يُمكن أن تؤدي عملها بسرعة أكبر وأن تتجنب الكثير من الخلافات المعتادة الناجمة عن نظام “المحاصصة الطائفية”. على الرغم من دعم حزب الله وحلفاؤه لها -المعسكر المهيمن على السياسة اللبنانية في الوقت الراهن- فقد منحت الحكومة “غير المُسيّسة” النخبة الطائفية الحاكمة ذريعة للتخلي عن المسؤولية، مع العلم بأن الأوقات المقبلة ستشهد الكثير من الاضطراب. وكان الأساس المنطقي وراء ذلك واضحاً: ففي حين تصاعدت الضغوط الشعبية والإحباط العام بوتيرة مُطّردة، فضلاً عن تداعي الاقتصاد، فقد كان من المُقدر أن يُلقى باللوم على تلك الحكومة غير المُسيّسة بسبب التدابير التي لا تحظى بتأييد شعبي والتي تقول إنها اضطرت إلى تطبيقها. وفي الوقت نفسه، تحاول الجماعات الطائفية تعزيز شعبيتها التي تعرضت في وقت سابق لضربة موجعة. ومع تضاؤل موارد الدولة التي يُمكنها الاعتماد عليها، منح تفشي مرض كوفيد -19 بصيص أمل للجماعات الطائفية.

استجابة الحكومة

أعلن لبنان رسمياً عن ظهور أول حالة إصابة بمرض كوفيد -19 الذي يسببه فيروس كورونا المستجد في 21 فبراير/شباط وفقاً لما صرحت به وزارة الصحة العامة، وفي 5 أبريل/نيسان أعلنت البلاد عن جود 527 حالة إصابة و18 حالة وفاة. ورغم أن هذه الأعداد في لبنان تبدو معقولة مقارنةً بدول مثل إيطاليا وإيران، تجدر الإشارة إلى أن العدد الإجمالي للأشخاص الذين خضِعوا للاختبار يبلغ نحو 9,411 من أصل 6,8 مليون نسمة -بما في ذلك اللاجئين- وفقاً لبيانات الأمم المتحدة (لم يتم إجراء أي تعداد رسمي للسكان في لبنان منذ عام 1932 بسبب التوازن الحساس بين الطوائف الدينية في البلاد). ولكن هل ينعكس العدد الأقل نسبياً من حالات الإصابة بمرض كوفيد-19 والوفيات المرتبطة به بشكل إيجابي على حكومة دياب؟

قد يُمثل هذا الوباء حقاً حلاً مؤقتاً قصير الأجل للنخبة الطائفية الحاكمة، لا سيما وأن التصدي له لا يتطلب منهم سوى تقديم الحدّ الأدنى فقط بينما يناضل اللبنانيون من أجل البقا

الإجابة هي كلا. فقد كانت استجابة حكومة دياب بطيئة نسبياً، ومليئة بالثغرات، وغير مراعية لمحدودي الدخل، فضلاً عن أنها واجهت الكثير من العقبات بفعل الضغوط السياسية. علاوةً عن ذلك، في الوقت الذي كانت فيه أغلب الحكومات في مختلف أنحاء العالم منهمكة تماماً في التصدي لتفشي مرض كوفيد-19، انشغلت حكومة دياب بتقسيم جهودها إلى نصفين: الأول تمثل في الجهود الرامية للتصدي إلى الوباء، أما النصف الآخر فقد ركز على تقييد حركة الاحتجاجات الشعبية ومحاولة محو أي شرعية كانت قد انتزعتها لنفسها. ومن هذا المنطلق، أسدت الحكومة للنخبة الطائفية الحاكمة صنيعاً غالياً وحققت أهدافها.

في بادئ الأمر، جاءت استجابة دياب المُعتادة في 29 فبراير/شباط في صورة تعليق الدراسة في المدارس والجامعات، وتبع ذلك إغلاق الحانات والمطاعم والأسواق والأماكن العامة في 11 مارس/آذار، بالإضافة إلى تعليق الرحلات الجوية مع 11 دولة يتفشى فيها الفيروس بشدة، بما في ذلك إيران ومصر والعراق وسوريا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة والصين وكوريا الجنوبية. وفي 15 مارس/آذار أعلنت الحكومة أخيراً حالة “التعبئة العامة”، حين بلغ عدد ضحايا مرض كوفيد -19 في البلاد إلى 100 حالة. فقد فرضت حالة “التعبئة العامة”، كما وصفها الرئيس ميشال عون، في تلاعب بالألفاظ، بأنها “حالة الطوارئ الصحية”، إغلاق كافة المؤسسات التعليمية، وإلغاء المناسبات العامة والدينية، وإغلاق نقاط العبور الحدودية البرية والبحرية، وإغلاق مطار رفيق الحريري الدولي في 18 مارس/آذار. 

ورغم ذلك فقد أدى الارتفاع الكبير في عدد حالات الإصابات بالفيروس (67 حالة في يوم واحد) في 21 مارس/آذار إلى إثارة المزيد من الهلع في مختلف أنحاء البلاد، وفرض المزيد من الضغوط على التدابير الضعيفة التي اتخذها دياب، مما اضطره إلى مطالبة قوات الأمن باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لإبقاء الناس في منازلهم.

أثار عزوف دياب عن تطبيق تدابير صارمة جدلاً كبيراً داخل البلاد، ما أدى إلى تفاقم حالة عدم الثقة بين المواطنين والدولة، والكشف عن ضعف رئيس الوزراء وإظهار النفوذ الكبير الذي يتمتع به حزب الله وحلفائه في حكومته. في الواقع، كان السبب الرئيسي وراء تخبط دياب في البداية قبل أن يعلق الرحلات الجوية من البلدان المنتشر فيها العدوى بشدة (لا سيما إيران وإيطاليا) هو معارضة حزب الله، الذي هرع إلى إعادة أعضاءه من طهران (سواء كانوا رجال دين أو طلاب أو رجال أعمال أو أفراد عسكريين)، ذلك القرار. 

إضافة إلى ذلك، وخلافاً لأغلب دول العالم التي تتصدى لهذا الوباء، لم تستطع حكومة دياب إعلان حالة الطوارئ لأن حزب الله وفريق الرئيس كانوا يعارضون منح قائد الجيش اللبناني، جوزيف عون، صلاحيات أوسع. إذ إن مثل هذا القرار من شأنه أن يعطي الجيش اللبناني الممول والمسلح والمُدرب من قبل أميركا سلطة أكبر على الدولة، مثلما ينص قانون الطوارئ، وهو أمر يرفضه حزب الله ويعتبره ميشال عون تهديداً.

يرى البعض أن الجيش اللبناني اضطلع بدورٍ إيجابي خلال الاحتجاجات التي اندلعت في الأشهر القليلة الماضية، فقد فصل في مرات كثيرة بين المحتجين وقوات الأمن التي كانت تقمعهم بوحشية. ولّد هذا بدوره ضغائن بين الرئيس وقائد الجيش اللبناني. 

تعتمد الأحزاب الطائفية بشدة على أيّة أموال متروكة داخل المجالس البلدية التي تقع في منطقة نفوذهم. صحيح أن الدولة هي من تمول هذه البلديات، لكن ممثليها يدينون بالولاء في الغالب لهذه الأحزاب.

ويمثل الجيش المؤسسة الوحيدة التابعة للدولة التي تتمتع بدعمٍ واسع في مختلف المناطق ويتماثل الكثير من المسيحيين مع المؤسسة لأن منصب القائد الأعلى يشغله مسيحي ماروني، وفقاً لنظام المحاصصة الطائفية.

استمرار الأعمال مثلما هو معتاد

بينما تؤثر تداعيات الوباء على اقتصادات الدول حول العالم، من المتوقع أن يُعجل كوفيد-19 بانهيار الاقتصاد اللبناني، وهو ما قد يسفر عن مجاعة محتملة ومزيد من الاضطرابات الاجتماعية غير المسبوقة من حيث حجمها وشدتها. في الواقع وخلال موجة الاحتجاجات التي عصفت بالبلاد قبل فايروس كورونا، حذر البنك الدولي من أن نسبة الفقر قد تصل إلى 50% مع ارتفاع حاد في معدلات البطالة المرتفعة أصلاً، خصوصاً في صفوف الشباب. وبالفعل تضررت الطبقات المتوسطة والفقيرة، فضلاً عن أن ضوابط رأس المال غير القانونية تمنع المواطنين اللبنانيين من سحب ودائعهم المصرفية.

وبينما تخطط الحكومات من مختلف الأطياف السياسية حالياً لزيادة الإنفاق العام والقروض وتخصيص مبالغ طائلة لهما من أجل دعم مجتمعاتها، تجلى عدم اكتراث حكومة دياب بالمواطنين الذين يعانون بالفعل عندما توقعت نجاح إجراءاتها المتعلقة بالإغلاق التام في ظل غياب أيّة رؤية اقتصادية لذاك الإغلاق أو أيّة صياغة لإجراءات الإنفاق المالي الحكومي.

بعد أسبوعين من إقرار الحكومة حالة “التعبئة العامة” بدأت مقاطع فيديو لمواطنين منكوبين في الانتشار على منصات التواصل الاجتماعي، فقد أصبح معيلو الأسر أكثر هشاشة وخرج المتظاهرون إلى الشوارع للتنديد بالأوضاع الاقتصادية المتردية الصارخة. تدخلت الحكومة معلنة أنها ستقدم حزمة مساعدات تبلغ قيمتها 5 ملايين دولار، بواقع 400 ألف ليرة لبنانية (حوالي 150 دولار بسعر الصرف في السوق السوداء) تدفع لمرة واحدة للأشخاص المحتاجين، دون الإفصاح عن مزيد من التفاصيل. 

في الوقت ذاته، وضع البنك الدولي برنامج مساعدات مالية بقيمة 450 مليون دولار لدعم الطبقات الفقيرة. وبينما كان تفشي وباء كورونا إيذاناً بعودة “الحكومة الضخمة” في جميع أنحاء العالم، فتحت الحكومة اللبنانية حسابات مصرفية ودعت المغتربين إلى التبرع بالمال. في الوقت الذي تُغرّم فيه شرطة دياب المواطنين المعوزين في حال خرقهم حظر التجول.

حددت الحكومة أيضاً أسعار الوقود في محطات البنزين لتبقى على ما كانت عليه قبل حرب أسعار النفط بين السعودية وروسيا  التي أدت لانهيار سعر برميل النفط، ليكون الوقود اللبناني من الأغلى في العالم، وسوف ترفع قريباً أسعار الكهرباء في بلد يدفع جميع مواطنيه فاتورتي كهرباء: واحدة لمؤسسة كهرباء لبنان والأخرى لأصحاب المولدات الخاصة في منطقتهم. إضافة إلى ذلك، قررت الحكومة، التي تواجه ضائقة مالية خانقة، المضي قدماً في تنفيذ مشروع سدّ بسري الممول من قبل البنك الدولي، متغاضيةً عن الكارثة البيئية التي سيتسبب فيها، ومتجاهلةً  مقاومة الجماعات التابعة لحركة الاحتجاج الشعبية التي أوقفت في البداية عمل المقاولين هناك. وبهذا يُضيف لبنان، أحد الدول الثلاثة الأكثر مديونية في العالم، 625 مليون دولار أخرى إلى قائمة ديونه. 

في مثل هذه الأوقات العصيبة، قررت حكومة دياب التصدي للاعتصام الرمزي الذي نظمه محتجون لبنانيون منذ الأيام الأولى لاندلاع حركة الاحتجاج الشعبية. فقد أعطت قوات الأمن أمراً بإزالة الخيام المنصوبة في ساحتي الشهداء ورياض الصلح وسط بيروت، مركز تجمع المتظاهرين ذات يوم.

كانت تلك الساحات ترمز إلى النضال ضد الطبقة الحاكمة في لبنان وكان المتظاهرون يخططون للعودة إليها  بمجرد القضاء على الوباء. أُحرقت الخيام ومُزقت، بينما اعتقل عدد من النشطاء الذين كانوا لا يزالون متواجدين هناك.

في الوقت ذاته، واصلت الأجهزة الأمنية استجواب النشطاء والصحفيين الذين انتقدوا سياسات الحكومة وتفشي الفساد حتى يوم 6 مارس/آذار 2020، بدعوى القدح والذم، اللذان يعدان جرائم جنائية في لبنان. ومن المتوقع أن يتضاعف قمع قوات الأمن مع تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية خلال الأيام المقبلة.

الأحزاب السياسية

مهد الضعف المتوقع من حكومة دياب الطريق أمام الأحزاب السياسية الطائفية لتستعيد أساليبها القديمة وتضطلع بدور الدولة، مستغلة الخوف البشري في مثل هذه الأوقات لتوجيه رسالة واضحة: ليس لديكم أحد سوانا. وفي مشهد مسرحي يذكرنا بأيام الحرب الأهلية، ارتدى أعضاء بعض الأحزاب السياسية الطائفية بدلات طبية، وجابوا شوارع معاقلهم الطائفية في شاحنات ترفرف عليها أعلامهم الحزبية تحت ذريعة تعقيم الأحياء. ووزعت سلال غذائية مطبوع عليها شعارات الأحزاب، بينما عرض البعض إجراء اختبارات مجانية. 

حتى اللحظة، العنصر الوحيد الوحيد الغائب عن المشهد هو بنادق الكلاشنكوف. 

بالإضافة إلى ذلك، تعتمد الأحزاب الطائفية بشدة على أيّة أموال متروكة داخل المجالس البلدية التي تقع في منطقة نفوذهم. صحيح أن الدولة هي من تمول هذه البلديات، لكن ممثليها يدينون بالولاء في الغالب لهذه الأحزاب. ويفسح هذا الوباء -الذي يعد عاصفة مثالية- المجال أمام النخب الطائفية الحاكمة لإحياء شرعيتها وإنعاش شبكات المحسوبية الخاصة بها.

وبعد سنوات من الإهمال ونقص التمويل والتعيين حسب المحسوبية وليس الكفاءة، يواجه قطاع الرعاية الصحية في الدولة خطر الانهيار في حال تفشي الوباء. وإلى الآن، لم تجهز سوى 10 مستشفيات فقط، من أصل 33 مستشفى حكومي في جميع أرجاء البلاد، للتعامل مع الحالات المصابة بمرض كوفيد-19، وفقاً لوزارة الصحة العامة، بالإضافة أيضاً إلى 4 مستشفيات خاصة.

وقد مولت الأحزاب وجهزت 84 مركزاً للحجر الصحي على الأقل في مناطق نفوذهم (تتألف من ملكيات خاصة). 

كانت تلك الساحات ترمز إلى النضال ضد الطبقة الحاكمة في لبنان وكان المتظاهرون يخططون للعودة إليها  بمجرد القضاء على الوباء. أُحرقت الخيام ومُزقت، بينما اعتقل عدد من النشطاء الذين كانوا لا يزالون متواجدين هناك.

يُعد القطاع الخاص القطاع الصحي الموثوق به في لبنان، لهذا يعتمد كثير من اللبنانيين على الأحزاب السياسية لتوفير الرعاية الصحية بسبب غلاء سعرها، إما هذا أو الاستفادة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي القائم على المحاصصة والمقدم من وزارة الصحة العامة. لكن بعض الممارسات مثل إغلاق المناطق الخاضعة لسيطرة الأحزاب وإجراء “فحوصات لدرجات الحرارة” وإقامة “نقاط تفتيش” عند المداخل، هي ما يثير المخاوف بالفعل.

في بعض الأحيان، يُطلب من “الأجانب”، وهم المواطنون الذين لا يقيمون في تلك المناطق، الابتعاد. ففي ذلك البلد المُبتلى بالطائفية الذي لم يبرأ من صدمة الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً، ولم يشهد مصالحة وطنية مقترنة بإجراء عملية العدالة الانتقالية، فإن الوباء يغذي الغرائز الحمائية الطائفية القائمة منذ أمد بعيد.

على الرغم من تورط كافة الأحزاب في مثل هذه الممارسات، يبدو أن تنظيم “حزب الله” يضطلع بدور الصدارة مقارنةً بكافة الأحزاب مجتمعة. فقد مكنته الموارد المتاحة له من حشد فريق يتألف من أكثر من 24 ألف عامل صحي و70 سيارة إسعاف. وصرح الحزب أنه خصص 3.5 مليار ليرة لبنانية لمواجهة الأزمة (ما يعادل 1.75 مليون دولار وفقاً لسعر الصرف في السوق السوداء). ودعا الحزب الذي أتقن لعبة الدعاية العشرات من الصحفيين المحليين والدوليين إلى معقله في الضاحية الجنوبية لبيروت، واصطحبهم في جولة داخل الخيام التي أقامها لأغراض التشخيص والعزل الصحي. 

الحقيقة هي أن “حزب الله” يتحمل أكبر قدر من المسؤولية على الإطلاق، فهو يحظى بعدد كبير من الأتباع، فضلاً عن أنه تباهى بكونه الحزب الأبوي الذي يتولى رعاية الجميع، مُعتمداً على المعونات النقدية الشهرية القادمة من طهران. غير أن شرعية الحزب تعرضت لضربة موجعة، مثله في ذلك مثل كافة الأحزاب الأخرى في لبنان، خلال حركة الاحتجاجات الشعبية وما صاحب ذلك من تزايد أعداد المعارضين الداخليين في صفوف مؤيديه.

قد يُمثل هذا الوباء حقاً حلاً مؤقتاً قصير الأجل للنخبة الطائفية الحاكمة، لا سيما وأن التصدي له لا يتطلب منهم سوى تقديم الحدّ الأدنى فقط بينما يناضل اللبنانيون من أجل البقاء: مجرد فتات من الطعام للبقاء بأمان في المنزل، في حين كانت العلاقة الزبائنية فيما سبق بينهم وبين أتباعهم أكثر تكلفةً. وفي ظل تضاؤل الموارد فإن حكومة دياب والأحزاب الطائفية لن يتمكنوا من تلبية الاحتياجات المتزايدة للشعب سواء على المدى المتوسط أو البعيد. وبالفعل، ثمة نوع مختلف من المتظاهرين، مقارنة بما شهدناه من قبل، على وشك الخروج إلى الشوارع وهم يرددون صرخات الجوع.

فإذا تعين على لبنان الاختيار ما بين مطرقة المجاعة وسندان الوباء، سيصبح البلد قنبلة موقوتة.

هذا المقال مترجم عن ispionline.it ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني