fbpx

المساعدات الروسية لإيطاليا: عملاء “كي جي بي” أكثر من الأطباء

يحتدم السجال بين حكومتي إيطاليا وروسيا كما كشفت الميديا الايطالية بسبب فضيحة وجود عدد كبير من الجواسيس في صفوف الطاقم الطبي الذي ارسلته روسيا للعون ...

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الآتي من صفوف جهاز الاستخبارات الروسية (كي جي بي)، دأب خلال السنوات الأخيرة على استخدام الوسائل المتاحة لشق الوحدة الأوروبية، وتأليب الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ضد بعضها بعضاً، مستخدماً لتحقيق هذا الهدف مجموعة من الأساليب، أكثرها وضوحاً دعمه الصارخ ومتنوع الأشكال لأحزاب النازية الجديدة والقوى والتيارات القومية المتشددة والشعبوية. لم يفوت زعيم الكرملين أي فرصة ممكنة لاستغلال أي ثغرة أو تأخر في اتخاذ القرارات السياسات الأوروبية عند الازمات، ساعياً إلى ترويج الأخبار الزائفة من خلال آلاف البوتات والترولات على الانترنت التي يمولها الكرملين في جميع دول الاتحاد. هذه المراكز نشطت بشكل فاق التصور مع انتشار فايروس “كورونا”، وإخفاق القيادة الأوروبية في بروكسيل وحتى في الولايات المتحدة في التعامل مع انتشاره السريع بجدية في المرحلة الأولى، منذ خروجه عن الحدود الصينية. الحلقة الأضعف في تعاطي قادة المفوضية الأوروبية كانت إيطاليا التي تحولت إلى بؤرة مركزية للجائحة، وهو ما التقطه بوتين ليدخل على خط تصعيد الشقاق الإيطالي الأوروبي متآلفاً مع عدوته السابقة وحليفته الراهنة الصين، بخاصة بعد تردد بروكسيل الغريب في تقديم المساعدة الطارئة، والذي اعتذرت عنه لاحقاً رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين شخصياً لرئيس حكومة إيطاليا جوسيبي كونتي الذي دعا إلى “عدم ارتكاب أخطاء فادحة في عملية مكافحة الفايروس، وإلا فإن الاتحاد قد يفقد سبب وجوده”. 

شحنات مساعدات روسية الى ايطاليا

بوتين تحين هذه الفرصة عندما احتدم السجال بين روما وبروكسيل، وقام على الفور بما لم يفعله الأوروبي في الأيام الأولى، وهو إرسال مساعدات طبية إلى إيطاليا في تنسيق واضح مع منافسته وحليفته الصين التي قامت بذلك هي الأخرى في لعبة دعائية مزدوجة لا لكسب قلوب الإيطاليين وعقولهم وحسب، بل اجتذاب الأوروبيين جميعاً في وقت كانوا مصابين بالذعر والهلع من امتداد الوباء، ومستائين من فشل حكوماتهم في إنقاذ أرواح المئات، بل الآلاف من الموت في إيطاليا وإسبانيا وغيرهما من الدول الأعضاء. بوتين الذي تغرق بلاده في أوحال الفايروس حتى رأسها لحد اضطراره إلى إغلاق الدولة بالكامل لأكثر من شهر لوقف المسلخة البشرية الفايروسية التي يتكتم على حقائقها على خلاف أوروبا وأميركا، اسرع إلى تقديم النجدة لإيطاليا التي تدير حكومتها أحزاب شعبوية معروفة بنزعاتها المناهضة للوحدة الأوروبية لتكون مركز الهجوم الدعائي، لأنه يعي جيداً أن أحد مراكز القيادة الأطلسية المركزية يقع في هذه الدولة المحورية في الحلف. 

طائرة النقل العسكرية الروسية (IL76) المحملة كما ذكرت الميديا الروسية الرسمية بالأجهزة الطبية والطواقم العسكرية الطبية وصلت ترفرف فوقها الأعلام الروسية مع عبارة “من روسيا مع الحب”، بعد أقل من أسبوعين على المساعدات الصينية الطبية، وهدفهما الرئيسي كان الوصول إلى المنطقة الشمالية (بلومباردي) المنكوبة بالجائحة. 

استقبال الفاتحين بالأغاني الروسية

الآن وبعدما استقبل الإيطاليون بالتصفيق والأغاني الروسية الشهيرة من الشرفات، الشاحنات العسكرية الروسية التي رفرت عليها أعلام الفيدرالية البوتينية وهي في طريقها إلى برغامو وميلانو وغيرهما من مدن الشمال المنكوبة بالفايروس، يحتدم السجال بين حكومتي إيطاليا وروسيا كما كشفت الميديا الايطالية بسبب فضيحة وجود عدد كبير من الجواسيس في صفوف الطاقم الطبي في غالبيتهم من الاستخبارات الروسية “كي جي بي”. ووفقاً لما ذكره الموقع الإلكتروني الايطالي Formiche، نقلاً عن مصادر رسمية، “إن عدد الجواسيس الذين يرافقون المساعدات كبير للغاية ويفوق بالعشرات عدد الأطباء والممرضين، وبشكل يثير الشبهات والشكوك، لا سيما أن بعضهم اختفى ووجد لاحقاً في مناطق قريبة من قواعد الحلف الأطلسي في البلاد”. 

وكانت صحيفة “لا ستامبا”، La Stampa الإيطالية العريقة نقلت عن مصادر حكومية رفضت الإفصاح عن هويتها “أن 80 في المئة من المساعدة الروسية غير مفيدة ولا يمكن أن تستخدم في علاج المصابين بمرض كورونا”. ولفتت الانتباه إلى أن “موسكو أرسلت عدداً من العسكريين يفوق عدد الأطباء”. ووفقاً لما ذكره القائد السابق للقوات البريطانية الخاصة بالحرب البيولوجية والكيمياوية والإشعاعات النووية (CBRN)، وقائد فرقة الانتشار السريع السابق في الأطلسي هاميش دي بريتين – غوردان للصحيفة نفسها فإن “من بين 104 من الأطباء والممرضين هناك عدد كبير من جواسيس جهاز الأمن الفيدرالي الروسي”. وقال إن “طواقم الجواسيس المرافق للأطباء يسعى إلى جمع ما يمكن من المعلومات عن القوات المسلحة الإيطالية، وتشكيل شبكة استخبارية تعمل لمصلحة روسيا داخل هذه القوات”. في السياق، نشرت الصحيفة صورة من موقع وزارة الدفاع الروسية يظهر فيها نائب قائد القوات الروسية الخاصة بالحروب البيولوجية والكيمياوية والنووية الذي يتولى الطاقم الجنرال سيرغي كيكوت، يقف أمام وزارة الدفاع الإيطالية في العاصمة روما وهو يؤشر باصبعه إلى خارطة إيطاليا، معتبرة ذلك نموذجاً كلاسيكياً لما سمته “إيكونوغرافيا عسكرية”. 

أثارت مقالات “لاستامبا” سجالات واسعة في الأوساط البحثية والأكاديمية الإيطالية، وبرأي مدير مكتب المعهد الألماني الذي مقره في روما (Germani Institute for Social Sciences and Strategis Stidies) سيرجيو جيرماني، “إن المساعدة الروسية لإيطاليا نصف إنسانية، ونصف استخبارية”. وأضاف: “موسكو تستغل الجائحة لنشر المشاعر المعادية لأوروبا الموحدة، وترويج أفكار مناهضة للاتحاد الأوروبي، وكذلك ترسيخ انطباع لدى الرأي العام ليس الايطالي وحده، بل الأوروبي عموماً بأن المفوضية الأوروبية في طريقها إلى الانهيار والتفكك، بهدف تحقيق مكاسب دعائية، ولتجميع معلومات استخبارية من قلب الحلف الأطلسي”. 

عدد الجواسيس الذين يرافقون المساعدات كبير للغاية ويفوق بالعشرات عدد الأطباء والممرضين، وبشكل يثير الشبهات والشكوك

ولم تكن الميديا الإيطالية وحدها من أثار موضوع الجواسيس الروس، بل الكثير من السياسيين الإيطاليين، وفي مقدمهم القيادي في الحزب اللبيرالي (AZIONE) والقائد السابق للقوات المسلحة الجنرال فينتشينتسو كامبوريني الذي قال: “لا شك في أن المساعدة الروسية (الطبية) لها هدف استراتيجي وسياسي، فضلاً عن الدعائي والترويج الإعلامي لروسيا”. وقال النائب عن “الحزب الديموقراطي”، وعضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الاإطالي ليا كوارتابيلي: “إن إيطاليا تشعر بالامتنان للمساعدات، إلا أن من الخطأ أن تعتقد موسكو بأن هذا الامتنان سيقود إلى تغيير في سياسة البلاد الخارجية”. 

تهديد روسي مبطن ورد إيطالي موحد

 ردت موسكو على اتهامات الصحيفة الإيطالية بغضب وحدة، ونشرت السفارة الروسية في روما على حسابها في “تويتر” تصريح المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية الجنرال ايغور كوناشينكوف الذي اتهم فيه “لا ستامبا” بأنها تستخدم حرية الصحافة لترويج معلومات ملفقة وأخبار كاذبة ورخيصة معادية لروسيا من زمن الحرب الباردة”، بهدف تشويه ما سماه “المهمة النبيلة” التي حاولت أن تقوم بها روسيا لمساعدة الشعب الإيطالي في وقت المحنة”. وبحسب كلماته التي اقتبس خلالها المثل القائل “من حفر بئراً لأخيه وقع فيها”، فإن “الصحيفة يجب أن تعي ما تفعل قبل أن تتهجم على دولة مثل روسيا”. 

الميديا الإيطالية سارعت وبشكل جماعي وموحد إلى إصدار بيان يندد بتصريح المسؤول العسكري الروسي، وعدته تهديداً مباشراً لحياة كاتب المقالة في “لاستامبا”، وهجوماً سافراً على حرية التعبير والرأي الحر، وفقاً لما ذكرته وكالة “رويترز”. هذا اضطر حكومة كونتي إلى تحويل أنظارها لفترة قصيرة من مكافحة المرض، وأصدرت بياناً مشتركاً باسم وزارتي الخارجية والدفاع في الثالث من نيسان/ أبريل 2020، انتقدت فيه تصرف روسيا على لسان متحدثها العسكري وقال البيان: “على رغم أننا نثمن المساعدة الروسية، ولكن لا يمكننا أن نصمت أو نتجاهل ما ورد في كلام المسؤول الروسي من عبارات غير لائقة وتهديدات مبطنة”، مشدداً على “أن حرية التعبير وحق توجيه الانتقادات الموضوعية والمستندة إلى الحقائق المثبتة بالأدلة والبراهين، تعتبر من المبادئ الأساسية لمنظومة القيم الديموقراطية في بلادنا”. وأضاف: “في الفترة الراهنة من حالة الطوارئ القصوى التي يعيشها العالم بأجمعه، تبرز بالمقدمة أهمية دور الصحافة الحرة في تقصي الحقائق وتحليل الأحداث والوقائع وتنوير الرأي العام أكثر من أي وقت مضى على الاطلاق”. 

روسيا لم تتأخر في الرد مجدداً، ولكنها بدلاً من مواجهة الحكومة اختارت توجيه السهام إلى “لا ستامبا”، التي وصفتها المتحدثة باسم الخارسية الروسية ماريا زاخاروفا بأنها “صحيفة لطالما تميزت بنشر الأخبار الزائفة والمعلومات الملفقة ضد المساعدات الإنسانية الروسية”. إلا أن الصحيفة الإيطالية أعربت عن استغرابها ودهشتها من قلق الكرملين من المقالات التي نشرتها الصحيفة عن مساعداتها الطبية، مشددة على “أن هذه المقالات أثارت أسئلة وردت على لسان مواطنين إيطاليين ومسؤولين معنيين، عن أسباب وجود عملاء وجواسيس من جهاز المخابرات الفيدرالي الروسي تحت غطاء الطاقم الطبي على رغم أن صحيفتنا لم تستخف بالمساعدة التي قدمتها روسيا في هذا الوقت العصيب”. 

ربما يكون من المفيد العودة بالذاكرة إلى المكالمة الهاتفية التي حصلت بين بوتين وبونتي الذي وافق خلالها على قبول المعونة الطبية الروسية لفهم دوافع المبادرة البوتينية التي رافقتها حملة إعلامية واسعة النطاق في الميديا الروسية، تمحور جوهرها في أن روسيا تسرع في تقديم العون للإيطاليين، فيما تفشل المفوضية الأوروبية وتتلكأ وحتى تمتنع عن مساعدة الحلفاء في الناتو”. 

وقدمت وسائل الاعلام الروسية لائحة طويلة قالت إنها تمثل المعونة الروسية التي هي وفقاُ لما ذكرته تتضمن 600 جهاز للتنفس الاصطناعي، و326 ألف قناع طبي، وتجهيزات حماية من عدوى الفايروس للأطباء. إلا أن مصدرين عسكريين إيطاليين أعادا التأكيد في تصريحات خاصة للصحيفة نفسها أن “الجزء الأكبر من المعونة الروسية (80 في المئة) لا له فائدة في مواجهة المرض”. 

ايطاليا رائدة في التصدي للحرب البيولوجية والكيمياوية

تعد إيطاليا بحسب مقال مشترك نشرته “لاستامبا” وموقع “Goda Story” واحدة من أكثر الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي تقدماً في ما تمتلكه من قدرات وتجهيزات وتقنيات متطورة للغاية في مجال الدفاع والحماية من الاشعاعات النووية، والتاثيرت الناجمة عن الحروب الكيمياوية والبيولوجية”. وطرحتا السؤال التالي: “إذا كانت مثل هذه التجهيزات ضرورية عند انتشار الفيروس في بيرغامو، فلماذا لم تستخدمها إذاً قبل أكثر من شهر المؤسسات الإيطالية المعنية، ولماذا لم تستخدم الأجهزة والتجهيزات الإيطالية المتوفرة بكثرة”. وتضمن المقال رأي المتحدث السابق باسم وزارة الدفاع الإيطالية الذي قال “إن الجيش الإيطالي يمتلك التجهيزات الأفضل في هذه المجالات من بين جميع الدول الحليفة في الناتو”. ووفقاً للنائب السابق للأمين العام للحلف الأطلسي روز غوتمولر “فإن روسيا والصين تستخدمان جائحة كورونا لاستعراض القوة الناعمة”. وعلق الباحث جيرميني قائلاً: “المكاسب التي تريد روسيا والصين تحقيقها واضحة بالنسبة إلي، ولكن الأمر غير الواضح هو كيف سمحت حكومة إيطاليا بحدوث ذلك؟”. 

تتألف الكتيبة العسكرية الروسية الخاصة بالحماية من الأسلحة البيولوجية والكيماوية والنووية التي وصلت مع الطاقم الطبيمن 600 عسكري، ويقودها الجنرال سيرغي كيكوت المعروف في الأوساط العسكرية بأنه من أكثر المدافعين عن الموقف الروسي الرافض للتقارير التي تشير إلى أن نظام الرئيس بشار الأسد استخدم السلاح الكيماوي في مدينة دوما عام 2018، كما وعرف بتوجيهه اتهامات من دون أي أدلة لفرقة القبعات البيض، بفبركة تسجيل الفيديو الذي يصور هجمات النظام الكيماوية. ووفقاً للجنرال بريتن- غوردان، “إن ما يبعث على القلق أن هذا الجنرال الروسي الذي كذب وافترى في دوما، هو من يتولى العملية الروسية الحالية في إيطاليا، فيما تمتلك البلاد فرقة في حوزتها التقنيات الأفضل في العالم وفي الأطلسي، إضافة إلى المتخصصين الاكثر معرفة وتجربة في هذا المجال في الحلف الأطلسي”. يكاد يوجد إجماع بين الاختصاصيين في الحرب الكيماوية والبيولوجية في إيطاليا والناتو بحسب ما ذكرته “لاستامبا”، على أن “الروس يريدون استخدام وجودهم في إيطاليا كفرصة لتجربة تجهيزات روسية جديدة، وجمع المعلومات الاستخبارية”. وتساءلوا “لماذا الآن بالتحديد يتم إرسال هذا العدد من جواسيس جهاز الأمن الفيدرالي الروسي إلى إيطاليا؟”. وأجابوا: “لأنهم يريدون استغلال هذا الحدث المروع وانشغال الدولة ومؤسساتها في التصدي لانتشار المرض وانعكاساته الاقتصادية والاجتماعية والصحية لمعرفة ما يمكن من المعلومات عن القوات المسلحة الإيطالية”. 

حتى كتابة هذا المادة الصحافية، ترفض القيادة المركزية للحلف الاطلسي الإجابة على الأسئلة التي طرحتها “لاستامبا” وGoda Story، إلا أن الجنرال الإيطالي ماركو برتوليني حذر في حديث مع الصحيفتين من “أخطار وتهديدات على الأمن القومي الإيطالي والأطلسي ناجمة عن وجود هذه البعثة الروسية في البلاد”. وأضاف: “لا ينبغي أن نتجاهل حقيقة أن منطقة حوض البحر الابيض المتوسط هي الآن ساحة حرب لفرض الهيمنة من سوريا إلى ليبيا”. روسيا وفق كل المعطيات والمعلومات الدقيقة تسعى إلى تحويل الأزمة الصحية في إيطاليا وأوروبا عموماً إلى ورقة سياسية – عسكرية ضد الأوروبي والأطلسي والغرب عموماً، وهو “ما يجب ألا نسمح بحصوله على الإطلاق” بحسب تعبير الجنرال برتوليني. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني