fbpx

أبطال “كورونا” الحقيقيون

أطباء، صحافيون، مدوّنون، عساكر... خطأهم الوحيد أنهم، مارسوا مهنتهم بشرف وحافظوا على أخلاقياتها فكشفوا خلال عملهم الطبيعي أسراراً وحقائق عن الفايروس، عن منشأه وكيفية انتشاره ووجّهوا أصابع الاتهام إلى السلطات وحمّلوها الفشل في إدارة الأزمة.

من هم هؤلاء الأشخاص الذين كسروا قيود الأنظمة وتحولوا إلى أيقونات وأبطال في بلادهم؟

 آي فن: رئيسة قسم الطوارئ في المستشفى المركزي في مدينة ووهان الصينية.

 تعتبر الدكتورة آي فن أول شخص أطلق الإنذار الفعلي للخطر الآتي مع فايروس “كورونا”. في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2019، اكتشفت تقريراً في المختبر البيرلوجي التابع لمستشفى ووهان المركزي يتعلّق بتحليل عيّنات لمريض دخل المستشفى في 16 من الشهر نفسه. بحسب التقرير الذي وقع تحت يد فن، فإنّ الفايروس الذي تم تشخيصه لدى المريض ينتمي إلى الفايروسات المرتبطة بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (SARS-CoV) وأنّ الالتهاب الرئوي اللانمطي ناتج عن معدٍ وإنّ الأمر لا لبس فيه.

 حذّرت آي فن مجموعة من الأطباء في المستشفى، من بينهم طبيب العيون لي وينليانغ، عبر تطبيق WeChat من تلك الحالة وأرسلت عبر التطبيق نفسه صورةً لقسم الأمراض الوبائية، لتطلعه على خطورة الوضع لكنّها سرعان ما تلقت دعوةً من “المسؤول التأديبي في المركز” ليطلب منها “عدم بث الإشاعات وإثارة الهلع”. في 1 كانون الثاني/ يناير طلبت إدارة المستشفى من فن عدم التصريح بأي كلمة والهدوء. انتظرت الصين بعدها ثلاثة أسابيع حتى تعلن انتشار الوباء وإمكان انتقال العدوى بين البشر.

 تعتبر الدكتورة آي فن أول شخص أطلق الإنذار الفعلي للخطر الآتي مع فايروس “كورونا”.

في 10 آذار/ مارس، أثناء زيارة مفاجئة للرئيس الصين شي جين بينغ، قامت مجلة Ren Wu (الناس) التابعة للجهاز الإعلامي الرسمي للحزب الشيوعي الصيني بنشر مقابلة مع الدكتورة آي فن التي سارع الجهاز الحزبي لحذفها عن الإنترنت ومصادرة الأعداد الورقية، لكنّ الناشطين الصينيين عملوا على ترجمتها ونقلها بلغات مشفّرة يصعب اكتشافها بأدوات الرقابة الكلاسيكية. استخدم الناشطون البرايل واعتمدوا على الهيروغليفية وكتبوا بالصينية من اليمين إلى اليسار على عكس الاستخدام الطبيعي، لكنّ أكثر ما ساعدهم هي شيفرة مورس (Morse Code) التي ترسل معلومات تلغرافية من خلال استعمال تتابعات قياسية من عناصر طويلة وقصيرة تعبر عن الحروف والأرقام والعلامات والحروف الخاصة الموجودة في الرسالة. هكذا نجح الناشطون الصينيون في كسر بروباغندا السلطة ونشروا المقابلة التي فعل “الحزب الشيوعي الصيني” المستحيل لطمسها وكمّ صوت فن التي كانت تقوم بعملها بشكل مهنيّ مستمدّة حركيتها من قسم أبقراط وأخلاقيات مهنة الطبيب. 

بعد ذلك بـ10 أيام، نشر برنامج “60 دقيقة الأسترالي” خبراً يؤكد انقطاع الاتصال بالدكتورة فن واختفاءها كليّاً في مستشفى ووهان المركزي.

لي وينليانغ: طبيب العيون في مستشفى ووهان المركزي.

 في 30 كانون الأول 2019، قام طبيب العيون في مستشفى ووهان لي وينليانغ بنشر صورة التقرير الذي أرسلته له الطبيبة آي فن على مجموعة تضم قدامى طلاب كلية الطب في المدينة. في اليوم التالي، تمّ استدعاء وينليانغ مع 7 أطباء آخرين بتهمة “نشر الشائعات وزعزعة النظام العام”. خلال التحقيق رفض وينليانغ توقيع تعهّد ينصّ على عدم تسريب أخبار متعلقة بالمستشفى وروّاده والأطقم العاملة فيه لكنّه تلقى اتصالاً بعد يومين من مكتب الأمن العام في القضاء المحلي على خلفية كتابته تعليقات “مغرضة” على وسائل التواصل الاجتماعي. في حسابه على تطبيقSina Weibo، نشر الطبيب الشاب التهديد الذي وقّعه في ٣ كانون الثاني

في 10 كانون الثاني، لم يكن وينليانغ يعلم خلال فحص دوري لمريضة مصابة بالغلوكوما أنّها تحمل فايروس “كورونا”. بعدها بثلاثة أسابيع، في 1 شباط/ فبراير، تم تشخيصه كمصاب بالوباء وتم نقله بعد 48 ساعة إلى غرفة الإنعاش ليفارق بعدها الحياة في 6 شباط في خبر بثّه التلفزيون الصيني CCTV وGlobal Times. ومن مهازل القدر – والنظام الصيني – أنّ المحكمة الشعبية العليا في البلاد استدركت نفسها في نهاية كانون الثاني، وقالت في بيان نشرته إن الاستماع إلى وينليانع وآخرين كان ضرورياً وإنّه كان دفع بالتعجيل في ارتداء الكمامات وأخذ الحيطة.

سيرجي ساتسوك: رئيس تحرير صحيفة Ejednevnik

في 25 آذار، قامت الشرطة البيلاروسية بإلقاء القبض على الصحافي سيرجي ساتسوك وعلّلت ذلك بـ”استدعاء على خلفية تهم فساد سابقة”. الكل يعلم في تلك البلاد التي امتنعت حتى اللحظة عن إعلان أي إجراءات احترازية لمواجهة جائحة “كورونا”، أنّ تهمة الفساد بحق ساتسوك ليست سوى مجرد نكتة سمجة. فالرجل الذي يشرف على صحيفة تعنى بالتحقيقات الاستقصائية لا سيّما تلك التي تطاول قطاع الصحّة كان دخل في معركة طويلة مع الرئيس ألكسندر لوكاشنكو الذي يحكم روسيا البيضاء منذ نحو ربع قرن، شكّك بشكل مباشر في 22 آذار بالبيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة حول عدم وجود أي حالة وبائية في روسيا البيضاء.

منظمة “مراسلون بلا حدود” حذّرت من تبعات هذا التوقيف وتهديد السلطات المحلية بسجن ساتسوك لمدة تترواح بين 7 و10 سنوات وذكّرت المنظمة بالعمل الجبّار الذي قام به الرجل في آب/ أغسطس 2019، عندما فضح صفقة الأدوية في بلاده ما جعل القضاء يتحرّك لملاحقة موظفين كبار في وزارة الصحة.

مراسلون وصحافيون شجعان في قارة أفريقيا

 في جمهورية الكونغو الديموقراطية، تعرّض مراسل تلفزيون الفجيري (alfajiri) توتالي غلودي لملاحقة من الشرطة المحلية أثناء تغطيته سير الحجر المنزلي في أعالي كاتانغا جنوب البلاد، على رغم إبرازه بطاقته الصحافية وتصريح العمل من التلفزيون. ملاحقة الشرطة كلّفت الرجل كسراً في قدمه ورضوضاً في الوجه واليدين. 

الأمر نفسه حصل مع مراسل “راديو أوغندا” جوليوس أوكنجي، إذ تعرّض لضرب مبرح أثناء تغطيته عملية إقفال بار في العاصمة الأوغندية. الحال نفسها في كينيا مع مراسل NTV، الذي لاحقته دورية من الشرطة بتهمة خرق الحظر وقامت بضربه ومنعه من التصوير. 

أما في مصر، فيحاول نظام السيسي أن يبرهن بشتى الطرائق أنّ الوضع “تحت السيطرة” وهو لذلك يعمل على كمّ كل الأصوات الإعلامية التي تفتح نافذة لإطلاع الشعب المصري والعالم حول تقدّم الحالة الوبائية ومدى جهوزية القطاع الصحي على مواجهة الأزمة.

من بين الأسماء التي استدعتها مباحث أمن الدولة المصرية في منتصف آذار المارضي يبرز اسم كل من روث ميكايلسون، مراسلة “الغارديان” في القاهرة منذ سنة 2014، ودكلان والش، مراسل “نيويورك تايمز”، والسبب في ذلك أنّ المذكورين قاما بنشر تقرير لأخصائيين في الأمراض في جامعة تورنتو، يتناول الوضع الصحي في مصر ويؤكد أنّ عدد الحالات أكبر بكثير من الحالات التي يصرّح عنها النظام. بعد ساعات قليلة على التحقيق طلبت مصر من ميكايلسون مغادرة القاهرة والعودة إلى بلادها وهو ما نشرته في تغريدة على حسابها في تويتر.

 آنا لاليش: في صربيا معركة الحقيقة

 في الأول من نيسان/ أبريل قام 6 عناصر من الشرطة الصربية بمداهمة منزل الصحافية آنا لاليش التي تعمل في موقع Nova.rs الإلكتروني وصادروا حاسوبها وهاتفها المحمول. استتبعت تلك العملية بتحقيق على دفعتين تلاه إطلاق سراحها مع تحويلها عند المدعي العام للنظر في قضيتها. 

قبل توقيفها بـ24 ساعة، نشرت لاليش تقريرا من قلب مشفى نوڤي ساد شمال صربيا، تحدّثت فيه عن سوء التجهيزات الصحية وعن وضع كارثي ومحتوم تواجهه الممرضات. ذكرت لاليش في التقرير أنّ الممرضات رفضنَ الدخول إلى غرف المرضى بسبب عدم وجود وسائل الوقاية الضرورية كالكمامات والمعقّمات وأضافت أنّ بعض الأطباء لا يمتلكون الحق في الحصول على أكثر من كمامة في اليوم الواحد.

وفي اليوم التالي لتوقيف لاليش، أصدرت الحكومة الصربية مرسوماً ينصّ على رقابة المعلومات المتعلقة بالكورونا.

تانيانا بايس: الكلمة العليا للروسكومنادزور؟

في مدينة ماغادان الروسية، اشتعلت الحرب بين صحافيي الـGovodit Magadan، (صحيفة الإقليم) والهيئة الروسية للرقابة على الاتصالات والتكنولوجيا والمعلومات (Roskomnadzor)، بعد دفع الهيئة بالصحافية تاتيانا بايس إلى حذف مقال يتحدث عن حالة وفاة في المدينة نتيجة الإصابة بـ”كورونا”. قالت الهيئة إنّ الخبر كاذب ومحض افتراءات من الصحيفة المحلية، فيما تؤكد بايس أنّ الشخص المتوفي كان يعاني من متلازمة تنفسية حادة منذ أيام وأنّ وفاته تعود حتما لإصابته بالكورونا. وقالت بايس على موقع الصحيفة “إنّ ما تقوم به الهيئة منافٍ للمادة 29 من الدستور الروسي التي تسمح بحرية التعبير ونقل المعلومات من دون أي قيود ورقابة”.

الكابتن بريت كروزييه: واجبي أن أحمي مواطني بلدي

 على وقع هتافات cap-tain Cro-zier، خرج بريت كروزييه على متن سفينة حربية ومنها إلى سيارة كانت تنتظره بعد جدل طويل صاحب الإنذار الذي أطلقه قبطان حاملة الطائرات النووية يو اس اس ثيودور روزفيلت. القصة بدأت خلال إشكال في فيتنام في 30 آذار الماضي، عندما وجّه كروزييه نداء استغاثة للبنتاغون طالبه فيها بالتحرك لإنقاذ 4000 بحار مهددين بفايروس “كورونا”. وهي رسالة لم تلقَ آذاناً صاغية في الإدارة الأميركية التي اعتبرت أنّ كروزييه ليس مخوّلاً القيام بذلك.

وكان وكيل البنتاغون لسلاح البحرية توماس مودلي صرح بأن مضمون رسالة بعث بها الكابتن بريت كروزييه للبنتاغون حيال إصابة طاقمه بفايروس “كورونا”، “هو خرق للقواعد المسلكية والأنظمة المعمول بها، وأنه يعود بالتالي إلى قيادة سلاح البحرية صلاحية معاقبته”. وهو ما حصل بالفعل إذ تمّت إقالة كروزييه من منصبه على رأس قاعدة غوام البحرية في المحيط الهادئ مع الإبقاء على رتبته لتبدأ عملية إجلاء البحارة ومعالجتهم.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني