fbpx

العراق: تفشي الفقر و”كورونا” يحوّل الحياة إلى جحيم

للعراق خصوصيته واختلافاته الدائمة، فهو على رغم ثرواته النفطية والمائية الهائلة، إلا أنَّ 22.5 في المئة من سكانه يعيشون تحت مستوى خط الفقر، والبطالة بلغت 22.6 في المئة بين الشباب، والوضع الراهن يحوّل حياة العائلات الفقيرة إلى جحيم لا يُطاق.

الوباء يجتاح المدن المقدسة

كان ذلك أواخر شباط/ فبراير 2020، عندما أعلنت السلطات العراقية تسجيل أول إصابة مؤكدة بفايروس “كورونا” في البلاد، وهو شاب إيراني جاء إلى مدينة النجف للزيارة والدراسة الدينية، ثم توالت أخبار التفشي، وأخذ الفايروس ينتشر طولاً وعرضاً في البلاد الموبوءة بالفساد والصراعات الطائفية.

حينها قالت دائرة صحة محافظة النجف، جنوب العراق، إن نتائج الفحوص المخبرية أظهرت إصابة المواطن الإيراني سهيل أميري بالفايروس، وذكرت وقتها أنه ممن دخلوا إلى العراق قبل قرار خلية الأزمة الوزارية بمنع دخول المواطنين الإيرانيين، إذ كان الفايروس تفشى بطريقة مرعبة حينها في إيران وتحديداً في مدينة قم المقدسة عن الشيعة.

بعدها توالت أخبار الإصابة بالفايروس في العراق، واللافت أنها كانت لمواطنين عراقيين عائدين من إيران، وظلت الحدود البرية والجوية بين البلدين مفتوحة للعائدين والذاهبين، ولم تغلق بشكل كامل أو صارمٍ على رغم أن إيران تعد واحدة من بؤر تفشي الفايروس، إذ تجاوزت حصيلة المصابين فيها حاجز الستين ألف إصابة.

حتى وقت كتابة هذا التقرير، بلغت حصيلة ضحايا الفايروس في العراق وبحسب وزارة الصحة 1122 إصابة مؤكدة، فيما بلغ عدد الوفيات 65، وحالات الشفاء 373، لكن هنالك من يشكك بهذه الأرقام ويتهم السلطات العراقية بالتكتم على الأرقام الحقيقية، والتلاعب بأرقام الواقع الوبائي في البلاد لأسباب غير معروفة.

تشكيك بأرقام وزارة الصحة 

من المشككين بأرقام وزارة الصحة كانت وكالة “رويترز” للأنباء التي نشرت تقريراً نقلت فيه عن ثلاثة أطباء من المشاركين بشكل وثيق في عملية إجراء الاختبارات لرصد الإصابات بفايروس “كورونا” ومسؤول في وزارة الصحة العراقية ومسؤول سياسي كبير قولهم إن عدد حالات الإصابة المؤكدة بكوفيد-19 يفوق بآلاف الرقم المعلن في وزارة الصحة.

الأطباء الثلاثة الذين تحدثوا لـ”رويترز” طلبوا إخفاء هوياتهم (لأن السلطات العراقية أمرت الطواقم الطبية بالامتناع عن الحديث لوسائل الإعلام) قالوا إن عدد الحالات المؤكدة، استناداً إلى نقاشات مع زملائهم الذين يتلقون نتائج التحاليل اليومية، يتراوح بين ثلاثة آلاف وتسعة آلاف في عموم البلاد.

وقال الأطباء الثلاثة إن مسؤولين من الأمن الوطني يحضرون اجتماعات وزارة الصحة ويحثون السلطات على عدم كشف الأعداد الكبيرة للمصابين إذ يقولون إن ذلك قد يتسبب في اضطرابات عامة وتكالب على الإمدادات الطبية، ما سيصعب السيطرة على انتشار المرض.

بحسب أحد الأطباء الثلاثة، فإن عدد الوفيات أيضاً أعلى -على الأرجح- من الرقم المعلن رسمياً، وأضاف الطبيب إن يوم السبت وحده والمصادف 28 آذار/ مارس 2020، دُفن 50 شخصاً توفوا بالمرض بينما كان العدد الإجمالي الذي أعلنته وزارة الصحة 42 حالة وفاة منذ تفشي الفايروس في البلاد.

مسؤول آخر في وزارة الصحة، يعمل أيضاً على إجراء الاختبارات لكوفيد-19، قال لـ”رويترز” إن أكثر من ألفي حالة مؤكدة سُجلت في مناطق شرق بغداد وحدها، من دون احتساب الأعداد في المناطق والمحافظات الأخرى.

الصحافة تدفع الثمن

وزارة الصحة العراقية لم تتأخر بالرد على “رويترز”، وقالت في بيان إنَّ “بعض الوكالات الخبرية والصحف تناقلت تشكيكاً بأعداد الإصابات والوفيات التي تعلنها السلطات الصحية في العراق وادعت أن أطباء أكدوا وجود آلاف الإصابات والوفيات من دون أن تذكر دليلاً واحداً على ادعائها”.

وذكرت في بيانها أن “أعداد الإصابات والوفيات تعلن بعد تأكيدها وتدقيقها من قبل دائرة الصحة العامة في مركز الوزارة ودوائر الصحة في بغداد والمحافظات وتعلن بشكل شفاف وعبر الموقف اليومي منذ بداية الأزمة”، مضيفةً أنَّ “نشر مثل هذه الأخبار وفي هذا الوقت الحرج سيؤدي إلى تقليل الالتزام بحظر التجوال، ما يعني زيادة احتمال الإصابة وانتشار الوباء، لذلك تحمل وزارة الصحة والبيئة الوكالات والصحف المعنية المسؤولية القانونية الناتجة عن نشر معلومات خاطئة تهدد الأمن الصحي للبلد وستتخذ الوزارة الإجراءات القانونية الرادعة لحماية المواطنين من التشويش المتعمد”.

الإجراءات اتخذتها سريعاً هيئة الإعلام والاتصالات العراقية (مؤسسة حكومية)، عندما قررت إيقاف ترخيص عمل وكالة “رويترز” في البلاد لمدة ثلاثة أشهر، وفرضت عليها غرامة مالية بقيمة 25 مليون دينار عراقي (21 ألف دولار)، بحجة مخالفة لوائح قواعد البث الإعلامي، وأضافت الهيئة -في بيان يعج بالأخطاء اللغوية- أنَّ “تعاطي رويترز بهذه الطريقة مع الوضع العراقي يهدد الأمن المجتمعي ويعرقل الجهود الحكومية الكبيرة في مكافحة انتشار الفيروس، ويعطي صورة سلبية عن خلية الأزمة”.

https://lh3.googleusercontent.com/WnDElGsHW0X3latPK9OeKdseQnHD2Z9wfk3M6AO14RGmHkwt4uT9Ep7e1q-itboK-N8M3iRneyBzSHaDfS6EsLAE7lb9d7j11b-pU_2pjUhwNLBcdC-6kQ0GvdS2O8ixJMQHwsA

العراق الفقير

ميدانياً، تفرض السلطات العراقية حظراً للتجوال في عموم البلاد، للسيطرة على تفشي الفايروس، ومثل بقية الدول المصابة بالوباء توقفت الحياة أو كادت في جميع المدن العراقية، لكن؛ للعراق خصوصيته، واختلافاته الدائمة، فهو وعلى رغم ثرواته النفطية والمائية الهائلة إلا أنَّ 22.5 في المئة من سكانه يعيشون تحت مستوى خط الفقر، والبطالة بلغت نسبتها 22.6 في المئة بين الشباب، بحسب ما كشفه المتحدث باسم وزارة التخطيط العراقية عبد الزهرة الهنداوي.

الفقر والبطالة هما نتيجتان حتميتان للفساد المستشري في البلاد منذ عام 2033، إذ يُصنف العراق في المرتبة 162 من أصل 180 دولة في العالم على مؤشر الفساد العالمي، بحسب “منظمة الشفافية الدولية” لعام 2019. وبسبب هذا كله، اندلعت تظاهرات حاشدة في 25-10-2019 تحولت إلى اعتصامات مفتوحة لغاية الآن ضد الطبقة السياسية الفاسدة.

من أكثر المحافظات العراقية فقراً، محافظة المثنى جنوب البلاد، حيث 53 في المئة من السكان يعيشون تحت مستوى خط الفقر، ويخرج المعتصمون من خيامهم لجمع التبرعات والسلال الغذائية وإيصالها للعائلات الفقيرة والمتعففة في مدينة السماوة (مركز المحافظة) والقرى والنواحي التابعة لها.

https://lh3.googleusercontent.com/piU7kbDshcG8ls7hQB-9_Uid0K7PFhHqHnRD7Pga6Pl1y5SoH2f4F0AglI1EOzykwCN1cGIVPOnGO308N3aCCB5Jr8h-YeASUyUKci-0RpoojjYzFQZZPlBbxWyszc2xakfbArE
لافتة في أحد دكاكين البقالة في العراق لتجهيز العائلات الفقيرة بالخضار مجاناً.

تواصلنا مع مجموعة من الطلبة المعتصمين أمام بوابة جامعة المثنى، ممن يجمعون تلك التبرعات لمساعدة الفقراء، ويقومون بتوزيع السلال الغذائية على العائلات المتعففة والفقيرة، التي لا يستطيع أربابها توفير القوت اليومي بسبب حظر التجوال.

يقول الطلبة إنهم جمعوا مبلغاً من المال واشتروا به مواد غذائية وخرجوا بها إلى المناطق النائية البعيدة، حيث تسكن تلك العائلات الفقيرة: “إحدى جولاتنا كانت إلى ناحية السوير البعيدة، هنالك حيث عشيرة آل غانم، ومن خلال توزيع المواد الغذائية مررنا بعائلة فيها أربعة أبناء من ذوي الاحتياجات الخاصة، وكانت تلك العائلة فقيرة جداً، لا نعرف كيف كانوا يتدبرون أمر معيشتهم في ظل هذه الأوضاع وهذا الحظر”.

ويضيف الطلبة أنهم استأذنوا العائلة من أجل توثيق حالتها في الفيديو وإطلاق مناشدة للمنظمات الإنسانية ووسائل الإعلام لمساعدتهم والوصول إليهم، “واستطعنا الحصول على الفيديو الذي تظهر فيه العائلة بوضع مزر، وتسكن في بيت لا تتوفر فيه أي مقومات للعيش”.

هذه العائلة وغيرها من العائلات الفقيرة في محافظة المثنى وبقية مناطق العراق، بحاجة ماسة جداً إلى الدعم وتوفير القوت اليومي، فضلاً عن توفير المستلزمات الطبية اللازمة من أجل الوقاية، وبحسب ما أكدت لنا مجموعة الطلبة فإن الحكومة ودوائرها المجتمعية والصحية لم تصل إلى المناطق التي يسكنها الفقراء منذ سنوات طويلة.

الحرب ما زالت هناك

في محافظة نينوى، التي يعيش 37 في المئة من سكانها تحت مستوى خط الفقر، وتحديداً في مدينة الموصل، التي لا تزال آثار الدمار الكبير واضحةً في أحيائها جراء معارك استعادتها من تنظيم “داعش” (2016 -2017) تعيش عائلة محمود ناجي المكونة من 6 أشخاص أوضاعاً لا تقل سوءاً عن العائلات الفقيرة الأخرى في العراق.

ناجي يعمل حمالاً في أسواق الموصل مقابل أجر يومي، نزح وعائلته خلال المعارك من منزلهم في الموصل القديمة إلى أحد المخيمات، وعادوا إليه في النصف الأخير من عام 2018 بعد رحلة نزوح صعبة، وجد ناجي بيته مسروقاً ومحروقاً، فاستدان مبلغاً من المال لإعادة ترميمه.

يقول ناجي الذي رفض توثيق قصته مع عائلته بالصور: “عندما عدنا من النزوح ورممت البيت وسكنا فيه مجدداً، عدت للعمل حمالاً في السوق، وكنت أعمل لساعات إضافية وفي أيام العطل لأوفر حياة أفضل لعائلتي وكذلك أدفع مصاريف المدرسة للأولاد، وأسدّد الدين الذي عليَّ بالأقساط، واليوم الذي لا أخرج فيه للعمل يؤثر في وضعنا المعيشي، خصوصاً أنَّ زوجتي مصابة بالسرطان ونحن بحاجة إلى مبالغ كبيرة من المال لتوفير العلاج لها”.

“بسبب فايروس كورونا وتعطل الأعمال وفرض حظر التجوال اضطررت للجلوس في البيت”، يقول ناجي، ويضيف: “بدأت المؤن تنفد، حتى فرغ بيتنا تماماً من أي شيء يؤكل، كان لديَّ بعض المال وأنفقته لشراء خضروات لأبيعها مشياً على الأقدام في أزقة الموصل القديمة”.

https://lh4.googleusercontent.com/Czjvh1gVhrwP_q1Oe2m_mCmFNummEEf9bDxE-BBFMkIqlSyhnr7gx9ezR1q3WBWCOWJTJlyZd9kC5n1jvqcQGbPbnlkur_dtuXLkiG6S0hTcngYViQGB4xHFkMk231-fy_o9ewQ
طفلة عراقية في أحد البيوت الفقيرة

يشبه ناجي الوضع المعيشي الحالي بالوضع الذي كان عليه عندما كان تنظيم “داعش” يسيطر على المدينة: “لم يساعدني أحد ولا أدري ماذا أفعل، خلال هذا الشهر استطعت الحصول على صندوق معونات كانت توزعها إحدى المنظمات الإنسانية خلال تجوالي لبيع الخضروات في الموصل، الحكومة لم توزع شيئاً ولم تفكر بأوضاع الفقراء والمرضى، بالنسبة إلي الموت بـ”كورونا” أفضل من الموت جوعاً، لم نأكل اللحم منذ شهر تقريباً، وحتى مفردات البطاقة التموينية لا تُصرف كما كانت سابقاً، ووزعوا أخيراً مواد غذائية فاسدة لا تصلح للاستهلاك البشري”.

يقول ناجي إن ظاهرة السرقة بدأت تنشط في الموصل، ويعتقد أن هذا بسبب الإهمال والتغاضي عن حاجات الفقراء والمتعففين، ما يدفع البعض إلى القيام بسلوكيات منافية للأخلاق والقيم. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني