fbpx

الكشف عن فضيحة اللاجئين الأوروبية الكبرى

وصَفَ مسؤول رفيع المستوى في الاتحاد الأوروبي، قريب من السياسات الليبيّة، استراتيجيّة الاتحاد في البحر الأبيض المتوسّط بأنها "قنبلة سياسيّة موقوتة".

عندما خيم الليل في 26 آذار/ مارس 2019، مضى قاربان في طريقهما شمالاً في البحر الأبيض المتوسط. كان القاربان المطاطيان واهيين، وكان من شبه المستحيل لركابهما أن يصلوا إلى أوروبا من دون مساعدة. اقتربت من ناحية الشمال طائرةٌ ذات مراوح مزدوجة من القوة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي. ومن ناحية الجنوب، كان أفراد خفر السواحل التابعون لليبيا، البلد الذي فروا منه للتو، آتين إليهم.

وصلت الطائرة أولاً، ولكن لم يكن هناك إنقاذ من جانب أوروبا. وبدلاً من ذلك، بعث طاقم الرحلة، المُعرَّفة برمز نداء “نورس 75” (Seagull 75)، رسالة إلى الليبيين تخبرهم عن المكان الذي يمكنهم أن يعثروا فيه على القاربين. لكن القوة الاعتراضية المحتملة الآتية من ليبيا كانت في حاجة إلى أكثر من مجرد إحداثياتهما. قال حارس من خفر السواحل: “حسناً سيدي، راداري ليس جيداً، إنه ليس جيداً، إذا بقِيتَ (فوق القارب) سألحَق بك”، وذلك بحسب تسجيلات لا سلكية ذات تردد عال جداً التقطتها سفينة قريبة.

حلقت طائرة الرحلة “نورس 75” (Seagull 75) في السماء. وكان الطاقم الجوي جزءاً من “العملية صوفيا”، وهي بعثة بحرية تابعة للاتحاد الأوروبي تنفّذ دوريات في منطقة جنوب وسط البحر الأبيض المتوسط منذ 2015. بعد المشاركة في آلاف عمليات الإنقاذ في السنوات الأربع الأولى، سحبت “العملية صوفيا” سفنها البحرية بدءاً من آذار 2019، وتركت الطائرات فقط في منقطة الإنقاذ. فصارت تُعرف بـ”البعثة البحرية الخالية من أي سفن”.

أخبر طاقم الرحلة “نورس 75” (Seagull 75) الليبيين: “يتبقى لنا نحو 5 دقائق لنصل إلى المحطة. سنطير أعلى المركب، أو القارب المطاطي، وسنضيء أضواء الهبوط”. كانت الطائرة التابعة للعملية صوفيا وزورق خفر السواحل الليبي يبحثان عن بعضهما في الظلام. قال طاقم الطائرة: “ليس لدينا مصدر رؤية لكم، استمروا في ترقب أي ضوء”. طلب الليبيون مزيداً من المعلومات، فردَّ الطاقم الجوي: “استعدوا، إنني أُحدّث موقعكم. استعدوا”.

وبعد دقيقة، رد طاقم طائرة “العملية صوفيا”، قائلاً: “انعطفوا يساراً 10 درجات. إنه يبعد منكم نحو ثلاثة أميال بحرية”. كان الوقود ينفد من الطائرة، وكان طاقمها على وشك العودة إلى القاعدة. فقال الطاقم الجوي: “خفر السواحل الليبي، سنتواصل معكم من مقر قيادة القوة، حوِّل”، في إشارة إلى القاعدة التكتيكية التي تدار منها “صوفيا”.

لم يكن الارتباك الذي حدث في البحر تلك الليلة حادثاً منفرداً، لكنه توضيح للجهود المضنية التي بذلتها أوروبا لضمان عدم وصول المهاجرين إلى القارة. ومع أن مستوى العنف المشهود على الحدود اليونانية مع تركيا صدَمَ الكثير من الأوروبيين، لم يبدأ التقاعس الأوروبي عن الوفاء بحقوق اللاجئين فقط. إذ إن قرار اليونان بغلق حدودها ورفض النظر في طلبات اللجوء ليس إلا التصعيد الأوضح للاعتداء على الحق في طلب الحماية.

أُرسيت أسس هذا في وسط البحر الأبيض المتوسط، حيث أنشأ الاتحاد الأوروبي وإيطاليا قوةً تعمل بالوكالة، كي تفعل ما لا يمكنهم فعله بأنفسهم، من دون انتهاك صريح للقوانين الدولية: اعتراض المهاجرين غير المرغوبين وإعادتهم إلى ليبيا.

اعتمدت الاستراتيجية على مواصلة إنكار المسؤولية عن عمليات خفر السواحل الليبي. لكن التواطؤ الذي انكشف في التسجيلات الصوتية تدعمه خطابات سابقة غير منشورة بين مسؤولين رفيعي المستوى من الاتحاد الأوروبي، وأكدت عليه مصادر داخلية، واتضح في رسائل إلكترونية من خفر السواحل الليبي – وجميعها حصلت عليها صحيفة “الغارديان” البريطانية. ومع وضع ذلك في الحسبان، يهدِّد هذا الدليلُ بالكشف عن مؤامرة في البحر الأبيض المتوسط تنتهك القانون الدولي باسم مراقبة الهجرة.

يمثّل البحر الأبيض المتوسط المسرحَ الذي تشهد فيه التوترات بين أفكار أوروبا عن حقوق الإنسان صراعاً، مع قلق ساسة القارة بشأن الهجرة الإفريقية. حتى عام 2009، كانت ليبيا بلد عودة “آمِناً”؛ لأن بلاداً مثل إيطاليا قالت ذلك. كانت السفن الإيطالية تعترض المهاجرين وتقنعهم بالصعود على متن قواربها مع وعود بالمرور إلى إيطاليا، ثم تقيدهم بالأصفاد وتبحر بهم متجهة إلى طرابلس.

انقسم صنّاع القرار في بروكسيل إلى مجموعة من الصقور أرادوا إسنادَ أمر التحكّم في الهجرة نحو أوروبا إلى ليبيا، مع تقليص عدد حالات اجتياز المتوسّط بأي ثمن

أعادت إيطاليا في سفنها حوالى 900 شخص إلى ليبيا. وكان من بين هؤلاء العائدين 11 من الإريتريين والصوماليين الذين تقدموا بشكاوى إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. قال الحكم الصادر عن المحكمة في 2012 إن إيطاليا كانت مذنبة بارتكاب الإعادة القسرية، وإنها انتهكت حقَّ هؤلاء الأشخاص في طلب اللجوء وحقَّ عدم إعادتهم إلى مرفأ غير آمن. وفي إطار رفض الحجج الإيطالية، أشار أحد القضاة إلى أن “اللاجئين لهم حق في التمتع بالحقوق”.

يعني هذا الحكم – الذي سُمي بـ”حكم قضية هيرسي”، وهي واحدة من الصوماليات اللاتي أُعِدْن إلى ليبيا – أن أي عملية إعادة قسرية، حتى إذا نُفذت من طريق قوى تعمل بالوكالة، ستكون عرضة لتدقيق القانوني الدولي إذا أمكن إثبات أن دولة أوروبية تراقب هذه العمليات وتوجهها. كان على أوروبا العثور على حلفاء في ليبيا يكونون قادرين على اعتراض المهاجرين في أعالي البحار من دون توجيهٍ صريح من الأوروبيين.

بدأ مشروع إنشاء قوة تعمل بالوكالة في صيف 2017. في ذلك التوقيت، لم يكن لدى ليبيا – التي كانت في خضَمِّ حرب أهلية – خفرُ سواحل مركزي، ولم تكن قادرة على إدارة عمليات البحث والإنقاذ في منطقتها. ومنذ البداية، كان هذا مشروعاً مشتركاً بين روما وبروكسيل: توفر إيطاليا السفن، ويدرب الاتحاد الأوروبي أطقم خفر السواحل الجديد ويدفع لهم المال، وكان أفرادها يُجنَّدون غالباً من بين صفوف الميليشيات والمهرِّبين.

ولتعزيز مشروعية خفر السواحل الجديد، تعيَّن الاستقرار على ورقة عمل مع المنظمة البحرية الدولية (IMO) تقرّ بأن ليبيا حينها تدير منطقة البحث والإنقاذ الخاصة بها. أظهرت لاحقاً وثائقُ المحكمةِ المتعلّقةُ بقضيةٍ ما في مدينة قطانية بجزيرة صقلية، أن أحد أول الأرقام الهاتفية المدرجة لدى خفر السواحل كان رقماً إيطالياً.

لكن أموال أوروبا ومواردها المادية لم تكن كافية لتأسيس قوة اعتراض ناجحة. كافح رجال الميليشيات والمهرِّبون السابقون، الذي صاروا حينئذ يرتدون الزي الرسمي لخفر السواحل، لتقليل عمليات العبور. وبحسب وثائق داخلية مسرَّبة تابعة لعملية صوفيا في 2018، بعد استغراق أكثر من عام في التدريب والدعم المالي، ظلَّ خفر السواحل الليبي عاجزاً عن السيطرة على منطقة البحث والإنقاذ المكلَّف بها. ولإيقاف مزيد من عمليات العبور إلى أوروبا، احتاجوا إلى مزيد من المساعدة.

بدءاً من عام 2017، شرع الاتحاد الأوروبي في بسط نطاق رحلات الاستطلاع الجوية فوق المنطقة. وبعد عامين، تضاعف تقريباً حجم البعثة الجوية للاتحاد الأوروبي، من طريق الرحلات التي تضطلع بها الوكالة الأوروبية لمراقبة وحماية الحدود الخارجية (فرونتيكس) التابعة للاتحاد الأوروبي. بموجب قانون البحار، كان طيّاروها ملزَمين بالتواصل مع أيّ سفينة في وضع أفضل لمساعدة أي قوارب تواجه الخطر. ولكن لما كان الليبيون يشرعون في تأكيد وجودهم في البحر الأبيض المتوسط، بدأت الرحلات الجوية الأوروبية ومنسِّقوها إعطاء الأفضلية للسفن التي كانت ستَصحب مَن تنقذهم إلى الجنوب، على رغم الحقيقة التي تقول إن المحاكم الأوروبية ووكالات اللاجئين والهجرة التابعة للأمم المتحدة اتّفقَت جميعها على أنّ ليبيا ليست بلداً آمناً.

تَظهر في الأفق الآن تبعاتٌ قانونية محتملة. إذ هناك أربع مذكرات مرفوعة إلى المحاكم الدولية واثنتان في النظام الإيطالي تتهم إيطاليا أو الاتحاد الأوروبي أو كليهما بتمويل خفر السواحل الليبي وتوجيهه.

قال إيتامار مان، وهو محام إسرائيلي يقود الجهود القضائية ضد الاتحاد الأوروبي وإيطاليا: “تجاوزت إيطاليا حكمَ قضية هيرسي بصَرحٍ مصطنعٍ من القوة الليبية، لكن أي حكم صادر عن أي محكمة دولية سيوضّح أنهم غير قادرين على استخدام هذا الأمر من أجل التملّص من المسؤولية”.

كانت أحدث هذه الجهود شكوى مرفوعةٌ إلى “محكمة المدققين الأوروبية” ECA، وهي جهة الرقابة المالية في الاتحاد الأوروبي. تتهم الشكوى الاتحادَ الأوروبي بانتهاك قوانينه الخاصة، من طريق إرسال 90 مليون يورو، كانت مخصصة لتخفيف حدّة الفقر، وتحويلها إلى خفر السواحل الليبي بدلاً من ذلك.

يزعم مان أنه بينما ينفذ الليبيون عملياتِ الاعتراض، يمسك الاتحاد الأوروبي في الخلفية خيوطَ هذه العمليات ويحرِّكها. ويضيف: “يستخدم الاتحاد الأوروبي إيطاليا بنفس الطريقة التي تستخدم بها إيطاليا ليبيا: من أجل التملّص من المسؤولية. والمتهمة الرئيسية هي بروكسيل”.

عندما غادرت الرحلة “نورس 75” (Seagull 75) ساحةَ الإنقاذ في آذار 2019، بعث خفرُ السواحل الليبي برسالة إلى “العملية صوفيا” ليؤكّد الإحداثيات. قال خفر السواحل: “ثلاثة أربعة صفر ثلاثة شمالاً، صفر واحد أربعة ثلاثة واحد”. ردَّ طاقم الرحلة “نورس 75” (Seagull 75): “ذلك صحيح”. كان الليبيون في أعقاب قاربَي المهاجرين عند أقصى الحدود الشمالية لمنطقة البحث والإنقاذ الليبية.

ظلّ زورقُ خفر السواحل غيرَ قادر على العثور على القارب المطاطي الأول. أما القارب الثاني، فكانت في أعقابه طائرة أخرى تابعة للعملية صوفيا، وهي طائرة إسبانية تحمل رحلتها الجوية رمزَ النداء Cotos، ولكن الوقود كان ينفد منها. وكان يتضح بصورةٍ متزايدة حينها أن قارباً واحداً فقط هو الذي قد يتم إنقاذه في تلك الليلة.

بعد دقائق، أجرَت مروحية أوروبية أخرى اتصالاً لا سلكياً. جاء الرد الليبي سريعاً ومشوَّشاً، فردَّ طاقم المروحية: “خفر السواحل الليبي، خفر السواحل الليبي، هل يمكنكم من فضلكم التحدث ببطء؟ هل ترون القارب المطاطي؟”.

وجد الليبيّون أوّلَ قاربٍ مطّاطيّ وأعادوا جميعَ من كانوا على متنه إلى ليبيا. أمّا رحلة الطيران الإسبانيّة فتعقّبت قاربَ المهاجِرين الثاني إلى أن نفد وقوده وانحرف عن مساره. لاحقاً سيواصل مسؤولو الاتحاد الأوروبي تأكيد أنّ مَن كانوا على متن القارب الثاني قد أُنقِذوا بواسطة ناقلة نفطيّة خاصّة. غير أنّ الكثير من الشهود ممّن كانوا على متن الناقلة يقولون إنّ هذا لم يحدث، ما يعزّز هذه الروايةَ تسجيلاتُ ذات تردّد عالٍ جدّاً في تلك الليلة.

ليست مناطق البحث والإنقاذ لدى المنظّمة البحريّة الدوليّة مصمَّمة لاستبعاد أيّ من رجال الإنقاذ المحتمَلين. إلّا أنّ عمليّات الإنقاذ تحمل في طيّاتها مسؤوليّة قانونيّة للنزول في منطقة آمِنة. بعد عام 2012، مع فقدان ليبيا صفة الميناء الآمِن، ومع ارتفاعِ الكلفة السياسيّة لإنقاذ المهاجِرين، كان على القادة الأوروبيّين إيجادُ طريقة أخرى للسيطرة على البحر الأبيض المتوسّط.

مع مطلع عام 2019، كان المسؤولون في مقرّ الاتحاد الأوروبي في بروكسيل وفي فرونتيكس على وعيٍ بأنّ حجم انخراطِهم مع الليبيّين يشكل مخاطرة، نظراً إلى أنه يجعلِهم مسؤولين قانونيّاً عن مصير المهاجِرين الذين تتم إعادتُهم. قبل شهر من حادث الرحلة “نورس 75” (Seagull 75)، كتَبَ فابريسا ليجيري، مدير فرونتيكس، إلى باراسكيفي ميخو، أعلى مسؤولة عن الهجرة في الاتّحاد الأوروبّيّ، شارحاً تفاصيل المشكلة.

كان ممّا كتبه ليجيري “قد يؤدّي التبادل المباشر للمعلومات التشغيليّة مع مركز تنسيق الإنقاذ البحريّ (MRCC) في ليبيا، حول حالات البحث والإنقاذ، إلى تدخّلات من قِبَل خفر السواحل الليبيّ”. مضيفاً: “كما تعلمون، يتم تمويل عمليّة تطوير خفر السواحل الليبيّ من طرف الاتّحاد الأوروبيّ. ومع هذا، قد تواجه المفوضيّة، ومؤسّسات الاتحاد عموماً، أسئلةً ذاتَ طبيعة سياسية، نتيجةَ تبادل المعلومات التشغيليّة المتّصلة بعمليّات البحث والإنقاذ”.

 ونظراً إلى أنه ماهر في توظيف اللغة الرسميّة، بدَا أعلى مسؤول عن الحدود الأوروبّيّة وكأنّه يستفسر من أعلى مسؤولة عن الهجرة في الاتحاد الأوروبيّ إن كانت الوكالة تجاوزت حدودها.

سعى ردّ ميخو، بعد شهرٍ، إلى تأكيد أنّ لا حرَجَ عليهم من الناحية القانونيّة. إلّا أنّها أشارت إلى أنّ “الكثير من عمليّات المشاهَدة الأخيرة للمهاجِرين في مناطق البحث والإنقاذ الليبيّة قد قُدِّمت من قِبَل الأصول الجويّة للعمليّة صوفيا، وأبلِغَت مباشرةً إلى مركز تنسيق الإنقاذ في ليبيا، المسؤول عن منطقته الخاصّة”.

بصيغة أخرى، صار من الواضح أن الأصولَ الجويّة للاتّحاد الأوروبّيّ – التي كلّفت أكثر من 35 مليون يورو عام 2019 لتجهيز طائرات فرونتيكس فقط –صارت عينَ قوّات الاعتراض الليبيّة وأذنها.

في الأحاديث الخاصّة، أبدى مسؤولون في الوكالات الأوروبّيّة الأكثر انخراطاً في الأمر عدمَ ارتياحهم لمستوى التعاون. وصرّح لصحيفة “الغارديان” أحدُ المسؤولين عن حدود الاتّحاد الأوروبّيّ، طلبَ عدم كشف اسمه، أنّه لا فرق “بين إعادة شخص إلى دولة غير آمِنة وبين دفع الأموال لآخرين من أجل القيام بهذه المهمّة”.

 في الفترة ذاتها التي تشكّل فيها خفر السواحل الليبيّ وأُعطي الواجهة الشرعيّة، كانت قوارب الإنقاذ الخاصّة التي تسيِّرها الجمعيّات الخيريّة الأوروبّيّة تواجه حملة متواصلة من التضْييقات مع إغلاق الموانئ والاعتقالات واحتجاز السفن.

وقال تامينو بُوم، رئيس بعثة المنظّمة الألمانيّة غير الحكوميّةSea Watch، إنّ “خفر السواحل الليبيّ لا يستطيع تحديد قوارب المهاجِرين وتعقبها بنفسه؛ وللقِيام بمهمات الاعتراض يحتاجون إلى تغذية دائمة ببيانات المراقبة الجوّيّة. فتقريباً لن تحدث أيّ عمليّات اعتراض بشكلٍ فعّال دون مساعدة من القوّات الجوّيّة للاتّحاد الأوروبّيّ”.

ويسرد بُوم – الذي تُسيِّر منظّمته طائرة مراقبة صغيرة خاصّة في الأجواء التي تسير فيها صوفيا – حالةً إثر أخرى تداولت فيها طائرات الاتّحاد الأوروبّيّ البيانات حول القوارب المنكوبة مع خفر السواحل الليبيّ وإلى سفن خاصّة متوجّهة إلى ليبيا. ويشير إلى أنّ مراكب المنظّمات غير الحكوميّة والسفن الأوروبيّة لم تُستدعَ للإنقاذ بمثل هذه الوتيرة؛ وهو ما يمثّل انتهاكاً محتمَلاً لقانون البحار الدوليّ.

وأضاف بُوم إنّ “الفاعلين الأوروبّيّين ليسوا فقط متواطئين، وإنّما مسؤولين مباشرة عن عمليّات إعادة المهاجِرين إلى ليبيا”.

وقال مبعوث وكالة اللاجئين في الأمم المتّحدة الخاصّ إلى منطقة وسط البحر الأبيض المتوسّط، فنسنت كوشيتيل، إنّ لا أحد في المجتمع الدوليّ يستطيع التظاهُر بعدم فهم طبيعة الوضع الخطر الذي صارت إليه ليبيا.

وأضاف أنّه في ظلّ هذه الظروف “لا ينبغي توظيف أيّ أصول من طرف دولة ثالثة – سواء بحريّة أو جوّيّة أو استخباراتيّة – لتسهيل إعادة المهاجِرين من المياه الدوليّة إلى ليبيا”.

ما زالت حلقة الوصل بين قوى المراقبة الجوّيّة الأوروبّيّة وقوّات الاعتراض الليبيّة في البحر هي مركز تنسيق الإنقاذ في روما. وَفقاً لأستاذتَين ألمانيّتَين في مجال القانون، وهما أنوشة فرحات ونورا ماركارد، يجعل هذا إيطاليا مسؤولة عن تصرّفات غير مشروعة دوليّاً، “أي تلك التي تخالف تعهّداتِها في ظلّ قانون البحار الدوليّ بالتأكّد من أنّ عمليّات الإنقاذ تؤدّي إلى توصيل المهاجِرين إلى أماكن آمنة”.

كان ماريو جيرو نائب وزير الخارجيّة الإيطاليّ مدَّةَ عامَين حين بدأ تطوير استراتيجيّة دعم خفر السواحل الليبيّ. قال جيرو إنّه اعتقد أنّ القادة الإيطاليّين والأوروبّيّن – وخصوصاً وزير الداخليّة الإيطاليّ حينها ماركو مينيتي – كان تركيزهم على إيقاف التدفّق البشريّ من ليبيا لدرجة تقليص النفقات بشكلٍ كبير. وقال جيرو إنّ الاستعداد الإيطاليّ والأوروبّيّ للتعامل مباشرةً مع أعضاء الميليشيات والمهرّبين كان “خطأً، من دون جدال”.

وأضاف: “في ذلك الوقت كان واضحاً جدّاً أنّ الجميع في إيطاليا وفي أوروبّا، يميناً ويساراً، كانوا مهووسين بمسألة المهاجِرين؛ وقد أراد الجميع حلّاً عاجلاً وسريعاً باسم محاولة السيطرة على الرأي العام”.

إلى الآن يتجاهل الاتّحاد الأوروبي وإيطاليا الخطَّ الفاصل بين تمويل خفر السواحل الليبي ودعمه، وبين السيطرة على عمليّاته، ومن ثم المسؤوليّة عنها. وحتّى حين سقط القناع، كما حدث حين بدَا رقمُ الهاتف المخصّص لمركز الإنقاذ الليبيّ الجديد رقماً إيطاليّاً، واصلَ الجميع إنكار المسؤوليّة النهائيّة.

وقال بيتر ستانو، أحد المتحدّثين باسم الدائرة الأوروبّيّة للشؤون الخارجيّة – وهي الجهاز الدبلوماسيّ للاتحاد الأوروبي – إنّ “طاقم موظّفينا ليسوا مغروزين على متن قوارب خفر السواحل الليبيّ، وليس طاقم القوّة البحريّة الأوروبّيّة في المتوسّط EU NAVFOR Med (العمليّة صوفيا)، وهذه القوّة أيضاً ليست مخوَّلة بممارسة أي تحكّم أو سلطات على خفر السواحل الليبيّ ووحدات الأسطول البحريّ الليبيّ أو موظّفيهما”.

وأنكر ستانو أيّ تنسيق مباشر لجهود خفر السواحل الليبيّ، قائلاً إنّ “الأصول الجوّيّة للاتحاد الأوروبي لا تضطلع بأي تنسيق للقوارب الليبيّة خلال عمليّات الإنقاذ. فليس هناك أيّ برنامج للاستطلاع”.

غير أن رسالةً إلكترونيّة وجهها عميد في خفر السواحل الليبي إلى مجموعة مراقبة تطوّعيّة تُدعَى Alarm Phone، في شهر آب/ أغسطس، وحصلت “الغارديان” على نسخةٍ منها، تقول إنّ الأصول الجوّيّة للاتحاد الأوروبي تنقل المعلومات إليهم نقلاً مباشراً. تقول الرسالة: “يُرجَى العلم أن سفينة الدوريات نفذت عمليّتَي بحث وإنقاذ تقريباً، فأنقذت قاربَين مطّاطيّين كانا في خطر شديد (على وشك الغرق)، ويحملان حوالى 30 أو 50 شخصاً على متنهما، شمال غربي طرابلس (على بعد نحو 70 ميلاً بحريّاً)، وكانت بيانات أحدهما على شبكة تبادل الرزَم هي 3350N-01239E والآخر 3348N-01218E، ومرتبطين بشكلٍ متبادَل مع تقارير لاثنين من الأصول الجوّيّة للعمليّة صوفيا هما D0102 وD0105”.

ومع هذا الإنكار، يبدو التقدير أقرب، إذ تفحص مجموعة من الإجراءات القانونيّة الدوليّة جميع جوانب هذا التعاون بدقّة. ويرى محامون أنّ ما يظهر من هذا الفحص هو وجود تخطيط وتآمُر من أجل تجاوُز القانون الدوليّ وإخلاء المسؤوليّة عن إغلاق ممرّات البحر الأبيض المتوسّط تماماً.

ووصَفَ مسؤول رفيع المستوى في الاتحاد الأوروبي، قريب من السياسات الليبيّة في ذلك الوقت، استراتيجيّة الاتحاد في البحر الأبيض المتوسّط بأنها “قنبلة سياسيّة موقوتة”.

وأضاف أنّ “الاتحاد الأوروبّيّ اتّبع مخاطرة كبرى بشأن سمعته؛ فقد وضعنا مصيرنا في أيدي محتالين، واليوم وصلنا إلى عواقب هذه المخاطرة”.

في أواخر 2017، انقسم صنّاع القرار في بروكسيل إلى مجموعة من الصقور أرادوا إسنادَ أمر التحكّم في الهجرة نحو أوروبا إلى ليبيا، مع تقليص عدد حالات اجتياز المتوسّط بأي ثمن، وآخرين ذكروا أنّه ينبغي السماح للعمليّة صوفيا وسفن المنظّمات غير الحكوميّة بالاستمرار في عمليّات الإنقاذ. ولكن غلب رأي الصقور. والآن، بعد أكثر من عامين، تضاءَل حضور سفن الإنقاذ الأوروبيّة في وسط البحر الأبيض المتوسّط إلى أدنى درجة. 

في نهاية العام التالي، ستصبح فرونتيكس – التي بدأت تضطلع بدور أكبر في العمليّات الليبيّة – هي أكبر وكالات الاتّحاد الأوروبّي من ناحية الميزانيّة. 

في شباط/ فبراير الماضي، دعا وزراء الخارجيّة في الاتحاد الأوروبّ إلى تجديد العمليّة صوفيا، ولكنّهم ذكروا أنّ أيّ إشارة إلى أنّها كانت على اتّصال مع قوارب المهاجِرين قد “تؤدّي إلى سحب الأصول البحريّة من المنطقة ذات الصلة”.

ومن المرجَّح أن يكون مصير هؤلاء الساعين إلى الفرار من ليبيا عبر القوارب هو ذاته مصير المهاجرين الذين قبضت عليهم الرحلة “نورس 75” (Seagull 75) في آذار الماضي. فقد اعترض خفر السواحل الليبيّ بنجاح ركّاب أحد القاربَين؛ أمّا ما حدثَ لمَن كانوا على متن القارب الآخر فما يزال محلّ جدل، ولكن حجم الأدلّة يشير إلى أنّهم مفقودون، ويُفترَض أنّهم ماتوا.

هذا المقال مترجم عن theguardian.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني