الحب في زمن “كورونا”… كيف أعاد الوباء تشكيل علاقاتنا الإنسانية؟

"ساهم الوباء في أن ننحي خلافاتنا جانباً، وكان هذا مدهشاً، فأمي متشددة دينياً، لكنها أدركت أن نهاية العالم قد تقترب، وهذه النهاية الوشيكة حطمت سطوة السلطات، التي كانت بمثابة جدران عالية حجبت عني أمي لوقت طويل".

لم يتخيل أ.هــ. الناشط المصري المقيم في أميركا أن يلعب فايروس “كورونا” دور الوسيط البارع بينه وبين والدته، وينهي بشكل سلس قطيعة دامت أكثر من عامين، “تلقيت اتصالاً هاتفياً من والدتي منذ أسبوعين، كانت هذه المكالمة الأولى بعد قطيعة استمرت أكثر من عامين، بعدما قررت والدتي التبرؤ مني لأنني “مثلي”، وناشط في حقوق المثليين، ومعارض للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كانت مكالمتها الأولى قصيرة ومفاجئة، اطمأنت على صحتي، بعد انتشار كورونا في الولايات المتحدة، وطلبت مني الالتزام بوسائل الوقاية كي أنجو من الوباء. وبعدها فوجئت برغبتها في مهاتفتي يومياً للاطمئنان على صحتي، بالطبع وافقت، وطلبت منها في المقابل الالتزام بالبقاء في المنزل. لم تفتح معي أي مواضيع جانبية تخص ميولي الجنسية أو السياسية، فقد ساهم الوباء في أن ننحي خلافاتنا جانباً، وكان هذا مدهشاً، فأمي متشددة دينياً، لكنها أدركت أن نهاية العالم قد تقترب، وهذه النهاية الوشيكة حطمت سطوة السلطات، التي كانت بمثابة جدران عالية حجبت عني أمي لوقت طويل”.

يضيف أ.هـ. “كانت المكالمة الأولى عجيبة وعلى رغم قصرها فقد زلزلتني، حتى أنني أخبرت المقربين مني بهذا الحدث الاستثنائي، على رغم أنني لم أعلم كيف أتعامل معه، وتراودني أسئلة طوال الوقت، هل إن انتهى وباء “كورونا”، ستعود والدتي لحالة القطيعة، وستحاصرني مرة أخرى بمحاكماتها الأخلاقية، أم ستحدث المعجزة وتتقبلني وتتغاضى عن مثليتي وصوتي المعارض وتتقرب من ابنها بلا أحكام”.

يقول: “على الأقل أنا ممتن لفايروس كورونا لأنه حجب مشاعر السخط والإدانة واستبدلها بمشاعر المغفرة والرأفة، حتى ولو لفترة موقتة، لكنها قد تكون فرصة مستقبلية للتقبل والمراجعات”.

ويعتبر أنه “لم يعش مشاعر تضامن مشابهة من قبل منذ فترة ثورة 25 يناير، وغير التضامن فيبدو أن هناك حالة من الإحساس بالذنب عالية تجاه البعض وخطوات واضحة لإعادة إصلاح علاقاتنا الإنسانية”.

الحب والوباء

لم يختلف علماء النفس كثيراً حول ما يحدث للاوعي الإنساني من هزات عنيفة في حالات الخطر، وما يلحق هذه الهزات من مراجعات واضطرابات، قد تساعد على تخفف المرء بنسبة كبيرة من صوت “الإيغو” العالي، والاستسلام لحالة الهبوط الملحوظة في حدة الأحكام الأخلاقية على الآخرين، وهو ما يعطي المرء، بنسبة كبيرة، مساحة للتفكير في العلاقات الإنسانية بشكل ينحاز لفكرة البقاء والاستمرارية ضد الفناء والقطيعة.

لم يتحدث فرويد في كتابه “الحب والحرب والحضارة والموت” عن تأثير الوباء في النفس البشرية بشكل صريح، لكنه تحدث عن تأثير الحروب في النفس البشرية، والوباء يواجه المرء بفكرة الموت الجماعي مثل الحروب، وفي كلا الحالتين تحدث صراعات مشتركة، وتجربة تساعد المرء على التحرر من الأوهام، ولو بشكل موقت.

بصراحة لست متأكدة إن كان السبب في هذه المراجعات أزمة وباء كورونا، لكن تزامنت هذه الرغبة في المراجعة مع فترة العزل الصحي التي أعيشها الآن في بريطانيا، ألغيت قرار حظر زوجي السابق من على فايسبوك وقررت التواصل معه

يرى فرويد أنه أثناء مواجهة الشعور بهزة الموت الجماعي، تحدث تراكمات نفسية جديدة من الشعور بالذنب تجاه الآخرين، واتخاذ الموت أداةً لإعادة التفكير في مسألتي الهدف من الحياة والسعادة المتوهمة، وهو ما قد يساهم في تضخم البعد الروحاني كشعور بدائي، وتلحقه مجموعة من المشاعر البدائية، لتكون بمثابة الحطب في نار الصراع بين غريزتي الموت والحياة في أكثر صورهما وضوحاً.

نجوى أشرف جاءت إلى مصر للزيارة وتركت زوجها في السعودية، كانت تنوي البقاء في مصر لأسبوع واحد لإنجاز بعض الالتزامات وتعاود السفر إلى زوجها، لكنها فوجئت بتعليق رحلات الطيران من مصر بسبب فايروس “كورونا”، وكان قرار تعليق الطيران علامة فارقة على مستوى علاقتها المتوترة بزوجها.

تقول نجوى لـ”درج”: “حياتنا في الغربة ضاغطة، ودائماً ما يصارعني زوجي وأصارعه، وكان قرار الطلاق وشيكاً أكثر من مرة، كنت واثقة أن الحب بيننا انتهى، واستمرار الحياة الزوجية ما هو إلا محاولة ديبلوماسية لإدارة المكاسب المادية في سنوات الغربة، لكن بعد إجباري بسبب فايروس كورونا في مصر على البقاء بعيدة من زوجي لأجل غير مسمى، اكتشفت ما لم أكن قادرة على رؤيته في السنوات السابقة”.

تضيف نجوى: “لم أتخيل أن أبكي بحرقة على زوجي وفراقه الموقت لهذه الدرجة، حتى أن والدتي وإخوتي صدموا من حالتي النفسية التي ازدادت سوءاً بغيابه، وهم يعلمون حجم الخلافات بيننا، لكن فجأة رأيت محاسنه، ورأيت مساوئي، كأن المشهد صار مكتملاً أمام عيني، حين ابتعدت قليلاً، ودخلت في حالة مراجعة متأنية لحياتنا معاً”.

تقول: “لم نعتد في عالمنا العربي على إدارة أزماتنا في العلاقات بشكل هادئ ومحايد، لا نعترف بفكرة “البريك” بين الشريكين، دائما ماً نسفّه المسألة فتحدث تراكمات ويزيد الوضع سوءاً، حتى الانفجار، فإن إعادة البناء لا تأخذ حظها، نبدأ على الخطى الخاطئة ذاتها، بل وبأحقاد مضمرة، وأحياناً نوازع انتقامية، أعتقد أن الإجازة أو الاستراحة التي منحنا إياها فايروس كورونا كانت بمثابة منحة ربانية لعلاقتي بزوجي”.

تعترف نجوى بأنها تحس اليوم بمشاعر غيرة جامحة على زوجها، وتتمنى لو تعاود شركات الطيران رحلاتها بسرعة بين مصر والسعودية، تقول: “غيرانة عليه من زميلته الفلسطينية، وأخشى أن تحاول جذب انتباهه في غيابي، هل الغيرة مؤشر لعودة الحب من غفوته؟ في الأغلب نعم، اليوم أنا أحس بالغيرة بعد سنوات من اتلبّد”.

أماني أكرم، قصتها “ثورية”، هكذا وصفت تأثير “كورونا” فيها، تقول إنها في حالة حب وهذه العلاقة لن يكتب لها الزواج لأسباب كثيرة، وبقدر انجذابها العاطفي لشريكها كانت منجذبة له جنسياً، لكن الخوف من الشعور بالذنب أو الإدانة كان يحول دون أن تخوض التجربة الجنسية مع شريكها”.

الإحساس بالذنب أو الإدانة من المشاعر تحاصرنا بها الأنا السفلى لتمنعنا من خوض التجارب بشجاعة، وغالباً ما يختلط فيها صوت المجتمع ومحاذيره مع مشاعر الخوف الفردي وقلة الثقة بالنفس، لكن أماني تغلبت على هذا الصوت الآن، “أدركت أن فايروس كورونا قاتل، وأشعر بأن إدارة هذا الفايروس في مصر لن تكون مثالية، وقد يحصد الفايروس أرواحاً كثيرة، لا أعلم لماذا شعرت بأنني قد أكون من ضحايا المرض، وأخسر حياتي بسببه. خوفي من فقدان الحياة أسقط مشاعر الخوف الأخرى، كما أسقط مشاعر الإدانة والهلع الأخلاقي، واستسلمت لرغبتي القوية لإقامة علاقة جنسية مع شريكي. ما كان ممتعاً حقاً هو أنني لم أندم على منح نفسي فرصة تجربة الجنس مع من أحب”.

مرام ع. فتحت “البلوك ليست” الخاصة على “فيسبوك”، قالت لـ”درج”: “كان من المرعب أن أتامل أسماء من حظرتهم على فايسبوك لأن مجرد تأمل أسمائهم يذكرني بعلاقتنا التي انتهت على نحو درامي وجارح، كان أكثر اسم أثار شجوني هو زوجي السابق وقد استمرت القطيعة بيننا إلى الآن، أربع سنوات، هو الآن متزوج ولديه ابن، لكن للمرة الأولى شعرت بأنني أرغب في ختام آخر لهذه العلاقة التي انتهت بأذى، لأننا شخصان رائعان ولم تكن تليق بنا هذه النهاية”.

تضيف مرام: “بصراحة لست متأكدة إن كان السبب في هذه المراجعات أزمة وباء كورونا، لكن تزامنت هذه الرغبة في المراجعة مع فترة العزل الصحي التي أعيشها الآن في بريطانيا، ألغيت قرار حظر زوجي السابق من على فايسبوك وقررت التواصل معه، وبالفعل نجحنا في الحديث لمدة 4 ساعات كانت عبارة عن ضحك وبكاء ولوم لكنها انتهت في النهاية كما نريد ونحب، كانت النهاية ساحرة وكلانا راض وسعيد”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
يُوكّد بولسونارو في تصريحاته دائماً أن قدوته في الحكم هو ترامب، فالأخير هو أستاذه الذي يستقي منه فن الجنون السياسي والانحياز للمصلحة لا المواطن. والمخيف حقاً في ذلك، هو أن يتفوّق التلميذ على أستاذه، كما يحصل أحياناً بدافع رغبةٍ لا واعية لدى التلميذ لإثبات الذات.
“درج”
يبدو أن فايروس “كورونا” بات جزءاً من حياة الشعوب، و”الغرافيتي” سيتوثّق ذلك…
علاء رشيدي – كاتب سوري
وكأن الجسد ممنوع من استخلاص هويته عبر تجربته الشخصية بل عليه اللهاث وراء كمال غير حقيقي أصلاً، وغير موجود في الزمن الدنيوي…
وردة بوضاهر – أخصائية نفسية لبنانية
كثيرون يناقشون فكرة أن هذه الجائحة علمتهم درساً في الحياة بأن يقدروا النعم الممنوحة لهم وأن يزدادوا قوة. فهل هذه استجابة ممكنة للصدمة؟
“درج”
دار سجالاً بين الأفراد والحكومات، هل الأولوية للاقتصاد أم للحفاظ على الأرواح؟
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
العمل عن بُعد هو تحدٍ كبير يتطلب إرادة والتزام، وهنا بعض النصائح والإرشادات لتحقيق الإنتاجية المطلوبة أثناء العمل من المنزل.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني