fbpx

لبنان : حكومة ساقطة ولو منحتنا الذهب…

مهما علا صوت التطبيل لن يغطّى على أنين أهلنا المكتوم في فراشهم ليلًا. دولتنا قذرة يحكمها القذرون. حكومتنا ستبقى مهما فعلت وأنجزت مجرّد إفراز رديء من إفرازات النظام السياسي الطائفي في لبنان

في خضمّ حملات التعقيم التي يقوم بها العالم أجمع في سبيل مكافحة وباء كورونا المستجدّ، تجري في لبنان عمليّة تعقيم وتطهير من نوع آخر تمامًا. حيث تعمل الحكومة بجهد وكدّ على تعقيم صورتها وتقديم نفسها بدور المخلّص البطل الذي سيقود الوطن -بالرغم من علّات شعبه – إلى برّ الأمان. 

تقود هذه الحملة طبعًا كلّ القنوات التلفزيونية الرخيصة وضيوفها وأبواقها المأجورة، بالتعاون مع المواقع المخابراتية المدارة من قبل أجهزة الدولة وأحزابها، والتي تنشر إنجازات وهميّةً، وإشادات دولية لا أساس لها من الصحّة لأداء السلطة اللبنانية في مواجهة الأزمة. بالإضافة للحملات المبتذلة التي تقوم بها بعض المنظمات والجمعيات غير الحكومية المختبئة خلف شعارات رتيبة وتدار مباشرة من العائلات الأوليغارشية الحاكمة في لبنان.

حكومتنا ستبقى مهما فعلت وأنجزت مجرّد إفراز رديء من إفرازات النظام السياسي الطائفي في لبنان الذي سبب تعاستنا، وهي لن تنال ثقتنا حتّى ولو منحتنا الذهب. لأنّ الذهب مسروق منّا أساسًا.

يشارك في حملة التطبيل هذه للأسف بعض الناس الذين مالوا إلى الثقة بحكومة كهذه وتصديقها، كردّ فعل نفسي دفاعي بمواجهة الفايروس، الناس في فترات الهلع بحاجة أيّ أمل ولو كان كاذبًا. متناسين كيف تشكّلت هذه الحكومة ولماذا تشكّلت أصلًا، وما هي إنجازاتها التي تحققها في نفس الوقت الذي يتغندر فيه وزير الصحّة بزهو بين الإعلاميين والكاميرات دون كفوف يد ولا كمامة تغطّي فمه وتحميهم منه.

فلنبدأ من إنجاز الحكومة الأخير الذي رفعت له القبعات احترامًا: تأمين عودة بعض المغتربين اللبنانيين والحجر الصحيّ لهم لقاء أسعار تذاكر خياليّة بالدولار، في الوقت الذي تشارك مع المصارف في منعهم من سحب دولاراتهم من حساباتهم المصرفية في لبنان، استغلال وطبقيّة بهذه البساطة والوقاحة.

نستذكر في هذا السياق مقابلة “هادلي غامبل” التي أثلجت قلوب الملايين مع المرشد الأعلى للحكومة الحالية جبران باسيل. سألت المحاورة باسيل يومها “كيف وصلت إلى هنا؟ هل أتيت على متن طيارة خاصة؟” فأجاب باسيل “لقد جئت على حسابي، لم أصرف قرشًا من حساب الخزينة العامة” لكنّه تفاجأ بتتمّة السؤال الخطيرة “هل هذا يعني أنّها أموال الأسرة؟” فأجاب باسيل متلعثمًا لأنّه يعلم تمامًا معنى السؤال “كلّا إنّها هديّة من أصدقاء لي” ما دفع وزيرة الخارجية الهولندية المنسقّة السابقة للأمم المتحدة في لبنان أن تتدخّل قائلة “عندما نكون في الحكومة يُمنع علينا أن يكون لدينا مثل هؤلاء الأصدقاء”. يحقّ لنا أن نسأل ونحن مشتّتون في أصقاع الدنيا اليوم هربًا من بطش هذا العهد وفساده، من هم أصدقاء باسيل وأين هم وهداياهم الثمينة الآن؟

يجب علينا شكر حكومة تدعوا الناس لغسل أيديهم بانتظام وهي تقطع الماء عن بيوتهم، أو ترسلها قذرة محمّلة بالبراز بأحسن الحالات. يجب أن نُجلّ حكومة تدعوا الناس للبقاء في بيوتهم التي تقطع عنها الكهرباء أكثر من نصف نهارهم وليلهم.

ماذا تفعل حكومة “صامدون” بهذا الصدد؟ تقرّر المضي قدمًا في مشروع بناء “سدّ بسري” على الأراضي الزراعية وما يحمله من مخاطر مؤكدّة على الناس والبيئة والآثار وهدر في خزينة الدولة في بلد يعاني أساسًا من انهيار رهيب في اقتصاده بسبب جشع وحقارة حكامه.!

نقفز خطوة أخرى إلى الوراء نحو إنجاز من نوع آخر للحكومة حين أطلقت المحكمة العسكرية سراح العميل الإسرائيلي الشهير عامر فاخوري والذي خطف اللبنانيين وعذّبهم وقتلهم في المعتقل. أتى الإفراج لأن جرائم المذكور وبحسب قرار المحكمة “سقطت بمرور الزمن العشري، وقررت إطلاق سراحه فورًا”. لم تتوقّف المسألة عند هذا الحدّ، بل -وبالعودة للحديث عن الطائرات- أمنّت الحكومة دخولًا آمنًا لطائرة أميركيّة مجهّزة بعيادة وأدوات طبيّة أخذت العميل من السفارة وأمنّت عودته سالمًا منعّمًا وغانمًا مكرّمًا. ثمّ أتت “التكحيلة” الأبشع حين اعتقلت الأجهزة الأمنية مجموعة من الناشطين المتظاهرين أمام أحد المصارف التي تحجز على أموال التبرعات ورزق الناس في بيروت وتتركهم لمصيرهم في مواجهة فايروس عجز العالم أجمع عن مواجهته. 

 إن تحدّثنا بكلّ هذا سنكون “بشعين”، لا بل “أبشع صنف بشري على الكرة الأرضية” بحسب إحدى مراسلات تلفزيون الجديد مثلًا، التي ساوت بيننا وبين الفاسدين الناهبين في الدولة. يا حيف، وألف يا حيف…

يجب علينا شكر حكومة تدعوا الناس لغسل أيديهم بانتظام وهي تقطع الماء عن بيوتهم، أو ترسلها قذرة محمّلة بالبراز بأحسن الحالات. يجب أن نُجلّ حكومة تدعوا الناس للبقاء في بيوتهم التي تقطع عنها الكهرباء أكثر من نصف نهارهم وليلهم. يجب أن ننحني لدولة تنظم الشعر عن كبار السنّ الأكثر عرضة للموت بالوباء اليوم وتحرمهم من ضمان شيخوختهم في الأيام العادية وتحرمهم من أبسط مقومات الأمن الاجتماعي. يجب أن نرفع القبّعة احترامًا لوزير صحّة نال منصبه مكافأة على خطابه الشهير في بعلبك يوم وصف ثورة 17 تشرين بأنّها “حراك أسود، وكان رح ينتهي أسود لولا تدخّل القوى الوطنية والإسلاميّة الحريصة على أمن البلد” في الوقت الذي كانت فيه هذه القوى حريصة على ضرب الناس وتكسير عظامهم وحرق خيمهم وتحطيم منصّات حوارهم على وقع هتاف “شيعة شيعة” و “الثورة على أيري” و”الشعب يريد 7 أيّار جديد”.

هي حكومة ساقطة مهما فعلت، حتّى ولو كان كلام كهذا لا يعجب صغار الكسبة الخائفين على امتيازاتهم. حكومة يساوي عدد أعضائها عدد عيون المتظاهرين والمتظاهرات المفقوءة في الساحات. حكومة هامات وهمية مقابل معارضة وهميّة أتت على هذا الشكل بعدما تيقّن الجميع أنّ حكومة واحدة تضمّهم ستجعل من المعارضة معارضة شعبيّة نظيفة كتلك التي أشعلت ثورة 17 تشرين على وقع هتاف كلّن يعني كلّن دون استثناء. حكومة استدعاء الناشطين والإعلاميين والثوار إلى التحقيق وتعزيز العملاء وتكريمهم. 

مهما علا صوت التطبيل لن يغطّى على أنين أهلنا المكتوم في فراشهم ليلًا. دولتنا قذرة يحكمها القذرون. حكومتنا ستبقى مهما فعلت وأنجزت مجرّد إفراز رديء من إفرازات النظام السياسي الطائفي في لبنان الذي سبب تعاستنا، وهي لن تنال ثقتنا حتّى ولو منحتنا الذهب. لأنّ الذهب مسروق منّا أساسًا.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروى صعب – صحافية لبنانية
أن تكون أجنبياً في لبنان، معاناة ستحملها إلى ما بعد الموت. روان التي ولدت في بيروت منعت من ان تدفن فيها،
صهيب أيوب – صحافي وكاتب لبناني
جنفييف زينج – باحثة قانونية في المركز السوري للعدالة والمساءلة
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني