الحداثة سياسيةٌ أيضاً، وكثرة المجهولات من علامات تداعي “المُتوقَّع”

أنتروبولوجيا هذا المرض والسلوكيات والعلاقات ذات الصلة به وبانتشاره ستُظهر لنا في المستقبل الكثير من الأمور، وهنا بعض من النقاش حولها ...

كتب زكي بيضون ملاحظةً وجيهةً حول مقالي في “درج” عن كورونا بوصفها أصابت واحداً من أبرز تبِعات الحداثة وسِماتها اليوم: القدرة على التوقّع. على أنه لم يناقش مضمونَ المقال نفسه بل ساءل مشروعية ما بدا في الأمثلة المضروبة اعتماداً منّي لجغرافيا حصريّة للحداثة، غربية، وعدم تطرّقي لحالات آسيوية، أسماها “غرباً موازياً”، نجحت بعِرفه بنسبٍ مختلفة في مواجهة الفيروس، متفوّقة في جميع الأحوال على “الغرب الأصلي”، جارحةً “نرجسيّته”.

وإذا كان صحيحاً أن الأمثلة التي قدّمتُها ارتبطت بنماذج أوروبية غربية وبالنموذج الأميركي، فإن الموضوع لم يكن لتقييم أدائها واعتباره منطلقاً حصرياً للكلام عن الحداثة ووهنها، وإنما لبلورة فكرة المقال وما قد يُبنى عليها من أسئلة حول تبدّلات محتملة في بديهيّاتٍ وأنماط عيشٍ وإدارة أحوالٍ مضى ما يقارب القرن على ضبطها إيقاع الحياة في مجتمعات كثيرة في هذا العالم، بدءاً بالغرب، وانطلاقاً منه نحو مناطق عديدةٍ صار يُقال إنها “تغرّبت” الى هذا الحدّ أو ذاك.

وبالعودة الى ما يورده بيضون في نصّه وانطلاقاً منه، أودّ التعليق بملاحظتين. الأولى حول الصين، والثانية حول كوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة وتايوان التي ذكرها جميعها كأمثلة تجسّد الحداثة في نجاحها المرحلي في مواجهة الجائحة.

يصعب الحُكم على الأداء الصيني واعتباره نجاحاً على ما يفعل البعض لأسباب إيديولوجية

في الملاحظة الأولى، يصعب الحُكم على الأداء الصيني واعتباره نجاحاً على ما يفعل البعض لأسباب إيديولوجية (ولا أقصد هنا بيضون الذي أشار الى “إشكالية” الحالة الصينية). وتصعُب أيضاً معرفة الأرقام في بلدٍ عاقَب الأطبّاءَ الذين أطلقوا التحذير من الفيروس، وأكّد رسمياً في مطلع العام الحالي، أي بعد أسابيع من انتشار الفيروس إياه، أنه لا ينتقل بين البشر! كما يصعب الجزم اليوم بقضاء الصين على المرض إذا كانت فحوصاتها تجري بنفس الوحدات المخبرية التي ثبُت أن 80 في المئة مِمّا أُرسل منها الى فرنسا لا يُعوّل على دقّة نتائجه (إلا إن كانت الوحدات المستخدمة داخل الصين لتقصّي الفيروس ومضاداته في الدم من مستوى أرفع). أما الإمكانات التي وضعتها بكين في مواجهة تفشّي الوباء وفرض حظر الحركة والسفر، فلا تشذّ عمّا يمكن لدولة ضخمة الموارد والإمكانات، شديدة السيطرة والتحّكم والقدرة على القمع، وضعُه في سياق “معركتها” مع ما قد يضرب نموّها الاقتصادي وصورتها وخططها في السنوات المقبلة. وكلّ هذا لا ينفي حداثة البنية الاقتصادية والتصنيعية والاستهلاكية الصينية اليوم ولا تطوّر العلوم فيها، المتفوّق في بعض المجالات على أوروبا نفسها. غير أنه يُشير أيضاً الى بقاء الصين خارج المؤدّيات السياسية للحداثة الغربية، القائمة على الحرّيات العامة والخاصة وعلى منظومات قيَم وحقوق ما زالت بكين تتحفّظ عليها وتحاربُها بوصفها “محاولات غزو ثقافي غربي”…

وفي الملاحظة الثانية، ومع الاتفاق مع ما أورده زكي بيضون من أمثلة حول الديمقراطيات الآسيوية المحيطة بالصين التي أبلت بلاءً جيداً في مواجهة المرض والتي يُمكن – على عكس الصين (أو روسيا) – الركون إلى بياناتها وتقاريرها، لأنها تحديداً أقرنت حداثتها الاقتصادية بتعدّدية سياسية وشفافية وتداول سلطة، تفيد الإشارة الى أمرين. الأول، أن النجاح هذا حصل بموازاة تضحيةٍ بحرّيات خاصة وحميميّاتِ حياةٍ أشدّ وطأة على الأفراد من الحجر المنزلي المُعتمد “غربيّاً”. ذلك أن انصياع المُصابين لقرارات السلطات في كوريا الجنوبية مثلاً بإتاحة اللجوء الى هواتفهم النقّالة والى كاميرات المراقبة في الشوارع والأماكن العامة لتتبّع حركتهم ورصد أنشطتهم ولقاءاتهم وبالتالي معرفة النُطُق المحتملة لنقلهم العدوى، لا يمكن لأوروبيّين أو أميركيّين القبول به، ولا يمكن لحكوماتهم أصلاً السعي له من دون تشريعات أو قوانين استثنائية ليس من اليسير إقرارها. الأمر الثاني أن اليابان وسنغافورة أو تايوان مثلاً، لم تبليا بلاءً أفضل نوعياً من البرتغال أو ألمانيا اللتين نجحتا بدورهما (حتى الآن على الأقل) في تقليص الإصابات وبالتالي معدّلات الوفاة لأسباب عدّة، منها تعاملهما المبكّر مع الخطر (ألمانيا) وعدم تراجع النفقات الصحيّة والاجتماعية وسِعة المستشفيات في ظلّ الحكم الاشتراكي الديمقراطي في السنوات الستّ الماضية (البرتغال). 

يبقى في الختام القول إن أنتروبولوجيا هذا المرض أو دراسة السلوكيات والعلاقات ذات الصلة به وبانتشاره ستُظهر لنا في المستقبل الكثير من الأمور. والجزم اليوم في أيٍّ من مسائله الأساسية وتداعياته مجازفةٌ خطيرة، وهذا بالتحديد ما يُعيد الى فكرة المقال المعنيّ إياها: إصابة مبدأ “التوقّع” الذي أتاحته الحداثة إصابةً قد يتأخّر الشفاء من آثارها…


لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني