هواء نقي ومستقبل ملوث

لأعوام، لم تجد التحذيرات من أن البيئة سترد على سلوكيات البشر البشعة بطرق قاسية لا تعرف الرحمة سوى آذان صماء؛ إذ لا يهتم البشر سوى بالمكاسب الاقتصادية الموقتة.

للمرة الأولى، ربما في تاريخ البشرية بأسره، نشهد “حواراً عالمياً” حقيقياً. إذ يبدو العالم متحداً على جبهات متعددة، متآزراً لمواجهة موجات من الذعر والقلق والتشكيك. ومن بين الأسئلة الملحّة التي تخيّم على وعينا الجماعي، مسألة البيئة، فضلاً عن توقعات العلماء الذين أمضوا عقوداً باذلين قصارى جهدهم في محاولة جذب انتباه الجماهير، قبل أن تجتاح أسوأ الحالات المحتملة بنيتنا التحتية، غير المهيأة لمواجهة هذا التحول المفاجئ بوضوح. بيد أنه من المؤسف أن هذا الموضوع كثيراً ما يُتناول على هامش مفاهيم الإغاثة، المرتبطة بالأفكار الرومانسية التي تدور حول كوكب الأرض، الذي يلهث طلباً للهواء للمرة الأولى منذ زمن بعيد. وعلى رغم روعة ذلك، ربما يُشكِّل هذا إهداراً لفرصة سانحة لوضع الحديث عن هذا الفايروس في سياق أكثر أهمية، بوصفه ارتكاساً مميتاً للسلوك العنيف المدمر، الذي تعرضت له البيئة على يد الإنسان منذ عقود.

الصورة الأوسع

أعقبت ذلك جهود موحدة للبحث عن أخبار سارة في بحر من الأحزان، فيما تحاول الرسوم البيانية التي تُظهر انخفاض معدلات تلوث الهواء أن تكون بمثابة نوع من المهدئات. ولا يعني هذا أن هذه الاستنتاجات لا ترتكز على درب من التفاؤل الحقيقي، فقد شهدت الصين، التي تساهم سنوياً بنحو 30 في المئة من الانبعاثات العالمية، انخفاضاً كبيراً في أكسيد النيتروجين (الذي تطلقه محركات المركبات ومحطات الطاقة والمنشآت الصناعية)، فضلاً عن الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري العالمي نتيجة لتباطؤ النشاط الاقتصادي. وسُجلت تأثيرات مشابهة من قبل مؤسسات، على غرار وكالة “ناسا” ووكالة الفضاء الأوروبية في أوروبا والولايات المتحدة. ولكن هذا ليس كافياً للأسف، فضلاً عن أنه لا ينطبق على جميع الدول في مجمل الأمر.

قال سامي كايد، مدير التطوير في “مركز حماية الطبيعة” التابع للجامعة الأميركية في بيروت، لـ”درج”، “شهدت الكثير من المناطق انخفاضاً ملحوظاً في معدلات تلوث الهواء. ولكن في أماكن أخرى مثل لبنان على سبيل المثال، ليس بالقدر الكبير، نظراً لانتشار المولدات الكهربائية في كل مكان، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات تلوث الهواء بدرجة كبيرة، فضلاً عن أنها لا تتوقف بسبب استمرار أزمة فايروس كورونا”.

من الخطير للغاية أن نُرجع سبب هذه الأزمة إلى مجرد تفشي الفايروس، بل هي ناتجة عن مشكلة بنيوية متجذرة في تعمّد القوى العالمية نشر الجهل، بهدف تحقيق أرباح موقتة.

لكن انخفاض معدلات تلوث الهواء منذ بداية ظهور كوفيد-19 غير كافٍ، نظراً لعلاقته المباشرة بمعدّل الوفيات الناجمة عن الإصابة بالفيروس في المقام الأول. فمن المرجح أن تكون الظروف التي يُشتبه في أنها تزيد من احتمال الوفاة بسبب كوفيد-19، بما في ذلك مرض السكري وأمراض الجهاز التنفسي وارتفاع ضغط الدم، ربما تكون ناجمة عن- أو تفاقمت بسبب- العيش في مناطق ذات معدلات تلوث هواء مرتفعة. دراسة أجريت عام 2003 عن ضحايا مرض “السارس”، خلُصت إلى أن احتمالات وفاة المرضى المقيمين في المناطق التي ترتفع فيها معدلات تلوث الهواء، أعلى بنسبة 84 في المئة، مقارنةً بأولئك الذين يعيشون في مناطق ذات معدلات تلوث منخفضة. إضافة إلى أن المناطق التي تتركز فيها عوادم المركبات التي تعمل بوقود الديزل، يتشبع هواؤها بكميات كبيرة من أكسيد النيتروجين، والأوزون الأرضي أي الأوزون الضار الموجود في طبقات الجو القريبة من سطح الأرض، ما يؤدي إلى انخفاض شديد في جودة الهواء في المناطق الحضرية؛ وأشارت التقارير إلى أن ذلك يرتبط بوقوع ما يقرب من 400 ألف حالة وفاة في أوروبا سنوياً.

لم يكن تلوث الهواء القضية البيئية الوحيدة التي كانت موضع تجاهل كبير في الماضي، في سبيل تحقيق عوائد اقتصادية؛ فالآن بات من المعتقد على نطاق واسع، أن نشأة الفايروس المسبب لكوفيد-19 كانت في أحد “الأسواق الرطبة” في مدينة ووهان الصينية، كما يُعتقد أن المضيف الطبيعي للفيروس هو نوع معين من الخفافيش. كما نظم العديد من الناس حملات من أجل إغلاق الأسواق الرطبة في كل مكان، حيث تباع الحيوانات البرية بشكل غير قانوني، سواء كانت ميتة أو حية، مع وصف العلماء تلك المناطق بأنها “أرض خصبة للأمراض”. بيد أن هذه الظاهرة انبثقت باعتبارها جزءاً من مشكلة منهجية أوسع نطاقاً، تتمثل في التدخل البشري في الحياة البرية بصفة عامة، وبالتالي زيادة اختلاطنا بهذه الأنواع، وليس في سياق التجارة غير المشروعة، وحسب.

ناقشت دراسة أجرتها جامعة أوبرن، صدر عنها بحث بعنوان “تأثير التطور المشترك باعتباره العامل المحرك وراء زيادة الانتشار”، مدى ارتباط فقدان الموائل الطبيعية على نطاق واسع، نتيجة التدخل البشري بالأمراض المُعدية الناشئة، بما في ذلك الإيبولا والسارس. فكلما زاد توسع البشر في تطوير الحياة الحضرية على حساب الغابات وغيرها من موائل الحياة البرية، وهي عمليات تنطوي عموماً على حرق هذه المناطق أو تدميرها، كلما شهدت الحياة البرية في تلك المناطق تنوعاً سريعاً.

أوضح كايد ذلك قائلاً، “بمجرد أن تنتهي من تجزئة الغابات لأنك ترغب في توسعة أحد المدن إلى اليمين أو اليسار، تتشكل لديك هذه البقع الصغيرة من الموائل الطبيعية، وما يحدث هو أن النظام البيئي في هذه المناطق يبدو شبيهاً بالجزر الصغيرة إلى حد كبير”. وأضاف، “الكثير من الكائنات الحية تواجه على هذه الجزيرة الآن أنواعاً جديدة من الضغوط، إذ يختلف النظام البيئي الجديد عما اعتادت عليه في موائلها الطبيعية، فقد أصبحت الآن منعزلة للغاية. وربما لا يعيش المفترس ذاته في ذلك النظام البيئي، لذا تتوفر الآن أمام بعض هذه الكائنات مجموعة مختلفة تماماً من القيود والفرص، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى عملية تطور سريعة، لا تؤثر في تلك الكائنات فحسب، بل أيضاً في مسببات الأمراض والفايروسات التي تتخذ من تلك الكائنات عائلاً”.

يعزز هذا بدوره تنوع الميكروبات المسببة للأمراض. ونظراً إلى ازدياد اختلاط البشر بهذه الأنواع بالفعل، نتيجة لتدمير مواطن الحياة البرية بطريقة أو أخرى، ارتفعت احتمالية انتقال الأمراض من الحيوانات إلى التجمعات البشرية. يعود السبب في ذلك إلى اضطرار الحيوانات إلى التأقلم مع مدننا بوصفها موطنها الجديد بعد تدمير موطنها الأصلي، وينطبق ذلك بوجه خاص على الخفافيش. تسلط الدراسة الضوء على مصطلح “تأثير التخفيف”، الذي يشير إلى أثر الحفاظ على الحياة البرية على صحة البشر، وهي فكرة ندركها ونقدرها جميعاً، فحتى الشخص العادي يدرك الآن أن 75 في المئة من الأمراض المعدية منبعها الحياة البرية.

قال كايد لـ”درج”، “كان هذا على الدوام أمراً متوقعاً تُثار التحذيرات بشأنه، أعني فكرة عدم الإمعان في التعدي على المساحات البرية وأنه علينا تبني نموذجاً إنمائياً مختلفاً، وذلك كيلا نتعرض لهذه المخاطر الهائلة المتمثلة في ظهور أوبئة كبرى، لأن فرص حدوث تلك الأوبئة تزداد كلما اقتحمنا مساحات الغابات ومزقنا المواطن الطبيعية للحيوانات”.

وفي سياق الحديث عن تحذيرات العلماء الملحّة التي تُقابَل بالتجاهل، كشفت تقارير جديدة عن تنبؤات بـ”فايروس شبيه بالفايروس المسبب لمرض سارس”، تسبق اجتياح كوفيد-19 للكوكب بنحو 13 سنة. فقد شبه الباحثون في جامعة هونغ كونغ ثقافة تناول الحيوانات البرية المنتشرة في الصين، بـ”القنبلة الموقوتة” التي تنذر بتفشي الفايروسات الشبيهة بـ”سارس”، وقاموا بحصر الاحتمالات في خفاش حدوة الفرس، الذي غالباً ما يكون مستودعاً طبيعياً لعدد كبير من الأمراض الناشئة.

 الطبيعة لا تعرف التمييز… لكن البشر يعرفون

لأعوام، لم تجد التحذيرات من أن البيئة سترد على سلوكيات البشر البشعة بطرق قاسية لا تعرف الرحمة سوى آذان صماء؛ إذ لا يهتم البشر سوى بالمكاسب الاقتصادية الموقتة. ولعل ذلك يوضح جانباً من طبيعة البشر وشعورهم بأنهم أقوياء لا يُقهرون، وقدرتهم على تجاهل المخاطر التي تلوح في الأفق وتهدد الوجود البشري. وقد أيقظت حالة التعطل العالمية الحالية الكثير منا، ممن اعتادوا على أنظمة كانت تبدو راسخة وكأنها حجر لا يتزحزح أبداً. كان ذلك بمثابة إهانة موجهة للبشرية جمعاء، وتذكيراً لنا جميعاً بأن الاستعدادات التي يتخذها البشر – بغض النظر عن مدى رسوخها- تتداعى وتنهار في مواجهة قوى الطبيعة التي تتجاوز قدرتنا على السيطرة.

ويوضح كايد ذلك قائلاً، “نعرف جميعاً ما يعنيه تلوث الهواء، وما يعنيه وجود سحب بنية اللون في سماء المدينة، وندرك جميعاً، أو على الأقل هؤلاء الذين يعيشون في نصف الكرة الجنوبي، ما يعنيه تلوث المياه. لكننا تعاملنا مع ذلك على أنه أمر طبيعي، على رغم أن الكثير من البشر يموتون بسببه. ثم دهمنا كوفيد-19 على حين غرة في صورة تهديد من الخارج، ودفعنا إلى ترك الاقتصاد ينهار، وإلى إعادة النظر في حياتنا اليومية، فجميعنا الآن عالقون داخل منازلنا، أعني أن هذا الفايروس أدى إلى الكثير من التغييرات الصادمة والخطيرة في حياتنا اليومية، لأن التهديد هذه المرة يثير الرعب بحق نظراً لغموضه”.

شهدنا معركة مباشرة بين الفقر و”كورونا”، إذ رفض كثيرون تدابير الحجر الصحي بدافع اليأس المطلق، فما هي الخطورة من فايروس يسبق المجاعة؟

لكن سر قوة كوفيد-19 الكبيرة، يكمن في قدرته العجيبة على كسر الحواجز التي طالما قسمت بين البشر، ويكاد يمثل تغييراً مريحاً لمن عانوا من التهميش مطولاً. وهو تذكير بأن الطبيعة لا تميز بين البشر، وإنما البشر هم من يميزون بين بعضهم بعضاً. في الأسابيع الأولى لانتشار المرض، انقلبت موازين حرية التنقلات رأساً على عقب، والتي تُعد أداة قوية يدركها الكثير من سكان المنطقة العربية. لطالما كانت حرية التنقل في كل أنحاء العالم أمراً مسلماً به بالنسبة إلى أصحاب جوازات السفر المرموقة، الذين لم يتشكّكوا يوماً في قدرة جوازاتهم. لكن بعد أسبوع أو ما شابه من انتشار الوباء، ظهرت عناوين من قبيل “الدول الأفريقية تغلق أبوابها أمام أوروبا، وأميركا”، ربما تُفهم للوهلة الأولى على أنها محاكاة ساخرة. ويمكننا أن نجادل بأن الفايروس يفضّل الأشخاص من جنسيات أو طبقات اجتماعية تمكنهم من السفر والانتقال، لأن أجسامهم أتاحت له إحكام قبضته على العالم بأسره.

مع ذلك، من المهم أن نشير إلى أن العدوى لا تفرق بين الجنس أو الطبقة أو العرق أو النوع، لكن واقع الرعاية الصحية والحقائق الاقتصادية تفعل ذلك. في البداية، سرى إحساس بالراحة لدى من يعيشون تحت وطأة نظم قمعية، نظراً لأن وقائع الاحتلال القاسية التي مارسها ضدهم مضطهدوهم لم تصب الأغنياء وذوي السلطة وحسب، بل ساهمت أيضاً في حمايتهم من الوباء. فقد أصبحت الآن المدن العالمية المزدحمة كثيفة السكان، التي كانت سابقاً مراكز مترفة للتبادل الثقافي والاقتصادي المزدهر، بؤراً ساخنة لتفشي العدوى والوباء. في كل الأحوال، ليس هناك مهرب من الاعتراف بأن عداد الموتى سيرتفع كثيراً إذا تفشى المرض في المناطق الفقيرة، بسبب ضعف أنظمة الرعاية الصحية فيها وهشاشتها. دمشق بأكملها ليس فيها سوى 96 جهازاً تنفسياً اصطناعياً، ولا يحوي قطاع غزة سوى 60 سريراً للعناية المركزة، وتتصاعد حدة الكارثة إذا تحدثنا عن تجمعات اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين. هذا من دون أن نذكر كمّاً هائلاً من المشكلات الصحية التي تواجهها المناطق الفقيرة في العالم، لم يُسلط عليها الضوء لأنها لم تصب الأشخاص المهمين بعد.   

يصرّح كايد لـ”درج”، “نحن نواجه مشاكل بيئية وصحية كبرى أخرى لم تجذب مثل هذا الانتباه. إذ يموت 3.4 مليون شخص كل عام، بسبب الأمراض التي تنتقل عبر المياه. هذه نسبة صغيرة من الضرر الذي تُحدثه جودة المياه المتدنية. ثم لدينا 4.6 مليون شخص يموتون لأسباب ترتبط ارتباطاً مباشراً بتلوث الهواء. ولدينا مئات وآلاف الأشخاص يموتون لأسباب متعلقة بتغير المناخ. النقطة هنا هي أن هذه التهديدات البيئية الكبرى تقتل عدداً كبيراً من الناس، أكثر مما فعل فايروس “كورونا” المستجد حتى الآن، لكن لا أحد يعيرها اهتماماً لأنها مشكلات تصيب الضعفاء ومن لا يملكون السلطة، والمجتمعات المهمشة التي دائماً ما تجد نفسها في طليعة المتضررين من هذه المشكلات”. 

الزخم

بينما نشعر الآن بخجل شديد من العلماء وخبراء البيئة الذين حذروا مطولاً من هذه الأخطار، ما الذي سيحدث تالياً؟ تناول الكثير من التقارير فايروس “كورونا” باعتباره رد فعل بيئياً، وهو رد فعل قد يعتبره أي ناشط بيئي مبرراً من الطبيعة. قد يبدو الأمر قاسياً نظراً لتراكم ضحايا تفشي الفايروس على نحو مأساوي، ومعظمهم من كبار السن، إلى درجة أنه لم يعد بوسعنا سوى أن نتصالح مع فكرة أننا لا نستحق دورنا في توجيه غضب المضطهدين. في كل الأحوال، قد يخرج البعض من هذه التجربة أكثر حذراً واستعداداً لسماع تحذيرات المجتمعات المعرفية، التي تعرضت للتجاهل كثيراً في ما يخص سياسات الحكم ووضع السياسات المالية، لكن البعض يخشى أن يعود العالم إلى عاداته القديمة بمجرد تطوير اللقاح، أو حتى إلى ما هو أسوأ. 

صرح أحمد مراد، المستشار البيئي اللبناني، لـ”درج” قائلاً، “بمجرّد أن ينتهي وباء كورونا، ستعود عجلة الاقتصاد إلى الدوران بأقصى طاقتها. فإن كانت المصانع تنتج مثلاً 50 ألف منتج في اليوم، ستضاعف هذا العدد، وستعمل بكامل طاقتها الإنتاجية”.  

إن لم يتغير شيء بسبب هذا الوباء، ستواجه الإنسانية أوقاتاً أصعب من هذه، وسيغير هذا الأمر شكل الحياة كما نعرفه اليوم إلى الأبد، ولن نكون بعيدين من ديستوبيا مستقبلية تتحقق على أرض الواقع. من الخطير للغاية أن نُرجع سبب هذه الأزمة إلى مجرد تفشي الفايروس، بل هي ناتجة عن مشكلة بنيوية متجذرة في تعمّد القوى العالمية نشر الجهل، بهدف تحقيق أرباح موقتة. لا يتطلب الأمر مجهوداً عقلياً جباراً لإدارك أن صحة تحذيرات العلماء والمتخصصين من تفشي الفايروسات بسبب جشع الإنسان في ما يخص الحياة البرية والمساحات الطبيعية، تعني صدقهم كذلك في التحذيرات التي وجهها آلاف منهم مراراً وتكراراً بخصوص التغير المناخي. 

يقول نديم فرج الله، مدير برنامج التغير المناخي والبيئة في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، “ما أرغب في أن يضعه الناس في اعتبارهم عندما نفكر في مشكلة تغير المناخ، هو أن تداعياتها عالمية وتؤثر على الكوكب بأكمله، وكل ما أنجز حتى الآن لا يُعدّ شيئاً مقارنة بحجم الدمار والخراب الذي يمكن أن تسببه في شتى المجتمعات، من أكثرها ثراءً إلى أشدها فقراً. حالياً، بالنسبة إلى كوفيد-19، ربما يتوافر مصل له خلال فترة قصيرة، في غضون عام أو عام ونصف العام. لكن بالنسبة إلى أزمة المناخ هذه، فليس لدينا حل لها، وبمجرد أن تندلع فعلينا توديع كل شيء، ولا يمكن لأي قدر من المال أن يصحح الأوضاع. مثلاً ارتفعت درجات الحرارة للغاية في العام الماضي في الكويت لدرجة أدت إلى ذوبان الإسفلت، إذاً ما مقدار المال الذي يمكنك دفعه لإخماد ذلك اللهيب؟ أنت عالق في منزلك ولا يمكنك حتى الذهاب إلى عملك، وهذا هو جرس الإنذار الذي يجب أن يوقظ الجميع”.

أصبح نطاق الخسائر المالية التي تسبب بها كوفيد-19 جسيماً، فهو يزحف نحو جميع مستويات الدخل من الأعلى للأدنى، ما أدى إلى انهيار النسيج الاقتصادي وانزلاقه في دوامة مأساوية هوجاء. وشهدنا معركة مباشرة بين الفقر و”كورونا”، إذ رفض كثيرون تدابير الحجر الصحي بدافع اليأس المطلق، فما هي الخطورة من فايروس يسبق المجاعة؟ الموت مفجع في كل الأحوال بغض النظر عن سببه. وبالنظر إلى الأضرار الجسيمة التي ترتبت على تفشي الفايروس، تصاعدت حالة من الإحباط بسبب غياب التدابير الاحترازية المالية. هل يمكن أن يكون هذا كله قد حدث فعلاً بسبب السعي إلى تحقيق ربح عابر؟ وبهذه التكلفة؟

يقول فرج الله، “الشيء الذي يجب علينا فعله بصفتنا أكاديميين، ربما يكون تصميم نموذج للأثر الاقتصادي… يُظهر فعلياً ما ستكون عليه التكلفة، من حيث عدد الوفيات والرفاه الاقتصادي والاجتماعي، لكن الأمر الأساسي بالطبع، هو التكلفة المالية. إذا اطلعنا على ما ستكون عليه تكلفة العيش فحسب، في بيئة متغيرة وفي مناخ متغير مقارنة بالتكلفة التي سوف نتكبدها حالياً لوقف هذا التغيير، عندها سيكون الخيار الأخير هو ما يجب فعله تالياً. يجب أن يدرك الاقتصاديون ذلك”. 

يضيف فرج الله، “إذا بدأنا صوغ هذه المسائل بواقعية، فقد يُحدث هذا أثراً… أجرت وزارة البيئة دراسة حول الانعكاسات الاقتصادية للتغير المناخي، وقالت إن خسائر الاقتصاد اللبناني الفعلية في الناتج المحلي الإجمالي تبلغ تكلفتها نحو ملياري دولار حالياً، بحسب تقديراتها، وستصل إلى 140 مليار دولار بحلول عام 2080”.

حالياً هو الوقت الأمثل للاستفادة من هذا الزخم وتغيير اعتمادنا على النظم الصناعية، علماً أننا لم نعد بحاجة إلى محاكاة مخاطر أسوأ الاحتمالات. ولا ينبغي أن يكون هذا التغيير سريعاً وموجعاً كما تطلب الأمر في حالة كوفيد-19، فبصرف النظر عن آثارها الوخيمة، توفر الأنظمة الحالية القائمة أساسيات المعيشة لكثيرين، قوتهم الذي طالما انتزعوها من أيديهم بالقوة.

يُعقب كايد قائلاً، “فقد كثر حالياً أعمالهم وباتوا ينفقون من مدخراتهم في محاولة للصمود، لكن لا يوجد تلوث في الهواء، أليس هذا صحيحاً؟ لهذا أؤمن حقاً بهذه الأسباب المختلفة التي تدعو إلى تضافر الجهود، التي عليك معالجتها في الوقت ذاته”.

يضيف كايد، “إذاً، توجد سبل لإجراء تحول خلال هذه الفترة الحرجة، على مدار السنوات العشر أو الخمس عشرة المقبلة… والقيام بتغييرات تدريجية في بعض المسائل، مثل تلوث الهواء وتلوث الماء وبقية المشكلات الرئيسية التي يسببها الاقتصاد ويفاقمها في كثير من الحالات، لكن لا ينبغي أن يتم ذلك بالإكراه أو من خلال تلك الأساليب السيئة. ولمحاولة الحفاظ على الأمر أخلاقياً، يجب أن يتحقق ذلك بطريقة لا تسبب الضرر لكثير من الناس، يجب أن يتضمن الأمر هذا التخلي التدريجي عن تلك الممارسات والأوضاع التي تتسبب في هذه الأضرار، بطريقة تضمن بقاء الأفراد في وظائفهم”.

الأمر المؤكد هنا هو أننا أصبحنا ندرك بشكل شامل، نطاق الضرر الذي يمكن أن يلحقه فايروس تنفسي فتاك بالبشرية، إضافة إلى الضرر الذي يمكن أن يلحقه الانتشار الفتاك، بالقدر نفسه، للجهل ونبذ الأوساط المعرفية المعنية بجزء من تدابير الحكم. أصبح المواطن العادي يرى الآن بوضوحٍ تام، أن الأنماط “الترامبية” لأنظمة الحوكمة العالمية لم تكن يوماً ذات تأثير مباشر ومهلك أكثر مما هي عليه اليوم. ولم يعد يمكن تجاهل تلك التحذيرات بتراخٍ، أو تركها عرضة لأهواء من ليس لديهم ما يخسرونه.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

محمد خلف – صحافي عراقي
نجحت إيران ومنذ سنوات في التغلغل في أوروبا من دون أن تثير حساسية أجهزة استخبارات دول الاتحاد. هذا التمدد حصل في إطار استراتيجية القوة الناعمة، التي تهدف إلى تثبيت نفوذها …
سابين سلامة – صحافية لبنانية
عملياً، البحر هو المساحة التي نخزّن فيها نفاياتنا، نصب الباطون فوقها بعد فترة زمنية محددة، ننفذ “مشاريع اقتصادية” في مبانٍ حديثة لكي نبيع شققاً فخمة ذات “مناظر خلابة”، تماماً كما حصل في منطقة الضبية.
ناصر جابي – أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة الجزائر
عرف دور النقابات المستقلة صعوداً واضحاً مع بداية الحراك الشعبي في 2019 الذي غيّر جذرياً في ملامح الساحة السياسية الوطنية، عبر بروز قوى اجتماعية جديدة كالشباب والفئات الوسطى والمرأة.
وهيب معلوف – باحث لبناني في شؤون الهجرة
الدياسبورا اللبنانية بحكم وجودها وعملها في الخارج تملك القدرة لتكون أقل ارتباطاً بالنظام الطائفي في الداخل، فهل تسهم، على عتبة مئوية لبنان، في لعب دوراً “تأسيسياً” جديداً يلاقي تطلعات انتفاضة 17 تشرين أول؟
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كنا نسمع صراخها في الليل والنهار، وكان (والدها) يمنعها من الخروج، والتواصل مع صديقاتها، واقتناء هاتف محمول خاص بها.. حياتها كانت أشبه بالجحيم”.
الياس حلاس – صحافي جزائري
كان الوباء فرصة للسلطة في الجزائر لعزل كل ما اعتقدت أنه خلايا جرثومية يشكل تكاثرها خطراً على المنظومة القمعية، ولم تتوان عن استغلال الحجر الصحي لمواصلة تحييد الأصوات “النشاز”، بتشديد الرقابة…
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني