fbpx

مصر: الأطباء يواجهون كورونا بصدور عارية وبلا وقاية

رفضت إدارة المستشفى إمداد الأطباء بأي من وسائل الوقاية بدعوى نفادها وعدم توريد كميات جديدة، وهو ما تسبب في خلق حالة من السخط والتذمر بين صفوف الأطباء نتيجة إصابة زميلهم.

“بنتعامل مع مئات المرضى المشتبه بإصابتهم بفايروس كورونا المستجد يومياً من دون توافر وسائل الوقاية والحماية الشخصية لأي من الأطباء أو فرق التمريض الموجودة داخل المستشفى، وكأن وزارة الصحة عاوزانا نموت، جميع الأطباء الآن يعيشون بين نارين فحياتنا وحياة عائلاتنا معرضة للخطر بسبب نقص وسائل الحماية وفي الوقت نفسه لا نستطيع أن نترك القسم ونخالف ضميرنا المهني”. هكذا يكشف حاتم سعيد المأساة التي يعيشها آلاف الأطباء الذين يعملون في وزارة الصحة المصرية بسبب عدم توافر وسائل الوقاية الشخصية من كمامات وقفازات ومواد معقمة وغيرها، على رغم تعاملهم المباشر مع مئات الحالات المشتبه في إصابتها بفايروس
“كورونا” يومياً، إضافة إلى النتائج الإيجابية التي تظهر في حالات كثيرة، وهو ما تسبب في إصابة بعض الأطباء والممرضين بالفايروس، وتعريض حياتهم وحياة عائلاتهم والمجتمعات المحيطة بهم للخطر.

ويعيش حوالى 190 ألف طبيب مصري تابعين لوزارة الصحة المصرية في حالة قلق يومية بسبب تهالك النظام الصحي في مصر لقلة الميزانية المخصصة لهذا القطاع الحيوي، التي بلغت 73 مليار جنيه خلال العام المالي 2019/2020، و61 ملياراً خلال العام السابق له، يقتطع منها 35 ملياراً للأجور و19 ملياراً لمصروفات ديوان الوزارة و23 ملياراً لهيئة التأمين الصحي، فيما تعزز الحكومة ميزانيتي وزارتي الدفاع والداخلية.

وفاة وإصابات بين الأطقم الطبية

يكشف سعيد، طبيب في مستشفى المنيرة العام في القاهرة، أن الأطباء يعانون من نقص هائل في أدوات الوقاية الشخصية، ما أدّى إلى إصابة أحد أصدقائه من الأطباء العاملين في المستشفى بفايروس “كورونا” ودخوله إلى الحجر الصحي. ويفيد “درج” بأن المستشفى رفض إمدادهم بأي من وسائل الوقاية مثل الكمامات بدعوى نفادها وعدم توريد كميات جديدة، وهو ما تسبب في خلق حالة من السخط والتذمر بين صفوف الأطباء نتيجة إصابة زميلهم، فيما أرسلت مصر مليون كمامة إلى إيطاليا كمساعدة إنساية عاجلة، في 21 آذار/ مارس الماضي، على رغم حاجة مستشفيات مصر إلى تلك الكمامات.

 نقص الكمامات وأدوات الوقاية نتج عنه وفاة الدكتور أحمد اللواح رئيس قسم التحاليل في كلية الطب في جامعة الأزهر بعد اختلاطه بحالة مصابة، وإصابة أشرف الحلوجي استشاري الباطنة في مستشفى الجزيرة في الجيزة، وإصابة 4 ممرضات في مستشفى دمياط العام، علاوة على طبيب في مستشفى المنيرة في القاهرة. وكشف الطبيب أحمد العربي أن الطاقم الطبي لا يتوفر له سوى قناع جراحي واحد فقط طوال فترة دوامه الذي يمتد 8 ساعات، لا كمامات طبية بديلة، لا كحول، لا قفازات”، مؤكداً أن ذلك يتعارض مع بدهيات السلامة والوقاية من المرض.

وأكد العربي لـ”درج”، أن القناع الجراحي لا يقي الفريق الطبي من الإصابة بفايروس كورونا لأنه غير مخصص لذلك، والكمامة التي يمكنها أن تحمي من استنشاق الفايروسات تسمى “إن 95” ولا توفرها الوزارة للفرق الطبية على الإطلاق لارتفاع ثمنها، مستنكراً استخفاف الوزارة بأرواح الأطباء والممرضين وتعمد تعريضهم للخطر. وقد تحدثت بعض المعلومات عن عزل حوالي 15 شخصاً ما بين أطباء وممرضات وممرضين في المعهد القومي للأمراض.

نقص في البدلات الواقية

يتسبب قصور وزارة الصحة في توفير وسائل الوقاية والحماية الشخصية في تعريض حياة المرضى أيضاً للخطر، إذ إن الكثير من الطواقم الطبية ترفض التعامل المباشر مع الحالات التي تثبت إصابتها بفايروس “كورونا”، بسبب عدم توافر أدوات الوقاية اللازمة، يقول وليد (اسم مستعار) طبيب في مستشفى حميات إمبابة لـ”درج”: “من يتعامل مع الحالات الإيجابية عليه أن يرتدي بدلات واقية وقناعاً يحتوي على مُرشح يقي من الفيروسات لمنع تسرب الفايروس إلى أجساد الفرق الطبية، وهو ما لا يتوافر داخل المستشفيات، لذلك ترفض فرق طبية كثيرة التعامل مع المرضى الذين تثبت إصابتهم بالفايروس، ويتركون داخل غرف معزولة حتى وصول سيارة إسعاف لنقلهم إلى مستشفى العزل”.

نقص كواشف الإصابة بـ”كورونا”

وتدخل فرق طبية في سجال مع المرضى والمترددين بسبب عدم توافر كواشف الإصابة بالفايروس في بعض المستشفيات، يكشف أحمد (اسم مستعار) وهو طبيب في مستشفى أوسيم المركزي أن المستشفى لا يؤمن كواشف الإصابة بفايروس “كورونا” ولا أجهزة قياس درجة الحرارة، لذلك تحدث حالات شد وجذب بين أطباء الاستقبال والمترددين إلى المستشفى.

المستشفيات بيئة مُحفزة لانتشار الفايروس

بالتزامن مع نقص وسائل الحماية الشخصية للفرق الطبية داخل المستشفيات المصرية، يعاني الأطباء من تكدس المرضى في أقسام الاستقبال ممن يعانون من ارتفاع في درجات الحرارة، السعال، صعوبة في التنفس، وهي أعراض تشير إلى احتمال إصابة حاملها بفايروس “كورونا”. وبالتالي يأتون إلى المستشفيات للتأكد من إصابتهم من عدمها، ويطالبون بإجراء تحليل “بي سي آر”، تقول يمنى عماد، طبيبة في مستشفى حميات العباسية، إنهم يستقبلون بين 300 و500 حالة اشتباه إصابة بفايروس “كورونا” يومياً، يتجمعون بعشوائية في غرفة الاستقبال الضيقة، لافتة إلى أن تلك البيئة محفزة لانتقال الفايروس بين الموجودين داخلها بسبب الازدحام الشديد، “فإذا كانت هناك حالة واحدة مصابة بالفايروس فاحتمال إصابة مئات المحيطين شبه مؤكدة”، وفقاً ليمنى.

تضيف يمنى لـ”درج”، أن المستشفى يرفض إجراء التحليل إلا لـ6 حالات فقط يومياً، أي أن المستشفى يرفض إجراء التحليل لأكثرية الحالات ويُحيلها إلى أقسام أخرى أو يطلب منهم الرجوع إلى بيوتهم، بدعوى أنهم لم يخالطوا حالات فعلية. وتشير إلى أن معدل نقل الفايروس بين المرضى والمشتبه في إصابتهم لا يتوقف على أقسام الاستقبال فقط، إذ إن الزحام وعدد المترددين الكبير يحول دون عزل المشتبه في إصابتهم في غرف منفصلة لحين ظهور نتيجة تحليل الـ”بي سي آر” الخاص بهم، وهو ما يزيد من احتمالات نقل الفايروس بين المصابين والآخرين.

الوزارة تقتل المرضى

هناك من توفوا بسبب رفض المستشفيات قبولهم كمُصابين بفايروس “كورونا”، أشهرهم فتاة كانت عائدة من السعودية تدعى ياسمين، وهي ابنة شقيق طبيب شهير يدعى محمد عباس، كشف مسلسل تخاذل المستشفيات ورفض استقبالها كمصابة بـ”كورونا”، وتشخيص حالتها باعتبارها مصابة بالتهاب رئوي خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي عمرو أديب عبر فضائية “إم بي سي صر”. وسأل عن سبب عزل الفتاة في الكفن وطلب المستشفى من العائلة عدم فتح القبر لمدة 60 يوماً، إذا كان سبب وفاتها التهاباً رئوياً. وكشف أن ياسمين عادت من السعودية وبعدها بأسبوع ظهرت عليها الأعراض، وذهبت إلى مستشفى الصدر في العباسية وتم تشخيض مرضها بأنه التهاب رئوي، بقيت في مستشفى خاص وأجري لها تحليلان لـ”كورونا”، وتبيّن أنها مصابة به. عندها اتصلت الأسرة بالخط الساخن لوزارة الصحة المخصص للإبلاغ عن حالات الإصابة بـ”كورونا” من دون جدوى. وأكد أنه أجرى سيلاً من الاتصالات مع عدد كبير جداً من قيادات الوزارة ومسؤولين وأشخاص نافذين في الدولة ولم تستجب وزارة الصحة إلا بعد ساعات طويلة، وتم نقلها إلى مستشفى حميات إمبابة، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة هناك، متهماً وزارة الصحة بالتسبب في وفاتها بسبب تشخيص خاطئ لحالتها وتخاذل المستشفى عن استقبالها وعلاجها.

شروط صارمة لإجراء التحاليل

ترفض وزارة الصحة المصرية إجراء تحاليل “بي سي آر” لأي مريض من المشتبه في إصابتهم بـ”كورونا”، سوى المخالطين حالات سبق التأكد من إصابتها فقط، وذلك وفقاً لمنشور وجهته الوزارة إلى المستشفيات على مستوى الجمهورية، في 21 آذار، يعتبر المريض مشتبهاً في إصابته بـ”كورونا”، فقط حال مخالطته أحد الأشخاص الذين تأكدت إصابتهم أو العائدين من السفر خلال فترة تقل عن أسبوعين، أو العاملين في قطاع السياحة فقط، إضافة إلى اجتماع 3 عناصر هي: إصابة المريض بالحمى أو أعراض الجهاز التنفسي (كحة أو ضيق تنفس)، خصائص أشعة الصدر، وانخفاض الخلايا الليمفاوية وخلايا الدم البيض.

وانتقد أحمد كامل، طبيب في مستشفى بولاق الدكرور العام بروتوكول وزارة الصحة في تشخيص حالات الإصابة بفايروس كورونا، ووصفه بـ”الغباء”، كاشفاً أن مريضاً مصاباً بـ”كورونا”، فقد حياته بسبب رفض الوزارة إجراء التحاليل اللازمة أو تشخيص حالته. يقول كامل: “الحالة وصلتلنا من مستشفى خاص وكانت متدهورة، وشك الطبيب المعالج في إصابته بكورونا وتواصلنا مع الطوارئ في وزارة الصحة التي قررت أن تتصل بمختصين في الحميات وتم إجراء اتصال مباشر بيننا، ورفضوا اعتبار المريض مصاباً بـ”كورونا”، لعدم توافقه مع شروط الوزارة، لأن المريض لم يخالط أياً من الحالات المؤكدة إصابتها بالفايروس”، مشيراً إلى أن الفريق الطبي في المستشفى اتصل بمسؤولين في الوزارة من دون جدوى، قبل أن يستجيب وكيل الوزارة بسبب الضغط والاتصالات المستمرة على إجراء التحاليل وعزل المواطن، واتخذت إجراءات الموافقة على نقله إلى مستشفى العزل يوماً كاملاً، إنما كان المريض لفظ أنفاسه الأخيرة فعلياً.

أرسلت مصر مليون كمامة إلى إيطاليا كمساعدة إنساية عاجلة، في 21 آذار/ مارس الماضي، على رغم حاجة مستشفيات مصر إلى تلك الكمامات.

وانتقد الطبيب تعامل الوزارة مع المرضى والمصابين، لافتاً إلى أن المريض خالط عدداً كبيراً من أفراد الطاقم الطبي من دون أن تجري لهم مسوحات أو تحليلات، للتأكد من خلو الفريق الطبي المخالط للمريض من الفايروس. يقول كامل: “إحنا عايشين في رعب ومش عارفين نكمل حياتنا بسبب خوفنا من الإصابة بالفيروس”، لافتاً إلى أن الحال ينطبق على جميع الأطباء على مستوى الجمهورية. وطالب بإجراء مسح شامل لجميع الأطباء والممرضين بشكل دوري لتحجيم انتشار الفايروس.

19 جنيهاً بدل عدوى للأطباء

يأتي هذا كله فيما تخصص الحكومة المصرية بدل عدوى متدنياً جداً للأطباء تبلغ قيمته 19 جنيهاً (1.2 دولار)، فيما يبلغ بدل عدوى القضاة 3 آلاف جنيه (194 دولاراً)، وتوفر خدمة الرعاية الطبية كاملة لعائلات أفراد الجيش والشرطة.

تهديدات بالاعتقال

وفي ظل التحديات السابقة التي يعيشها الأطباء وفرق التمريض مع الحكومة المصرية، تُمارس ضدهم ضغوط أمنية كبيرة لعدم الإدلاء بأي تصريحات إعلامية أو الكشف عن تفاصيل تخص ما يحدث داخل المستشفيات في ما يتعلق بـ”كورونا”. وهددت إدارات المستشفيات الفرق الطبية بإبلاغ جهاز الأمن الوطني عن أي شخص يدلي بأي معلومات إلى المحيطين به أو وسائل التواصل الاجتماعي عما يحصل داخل المستشفيات خلال الفترة الحالية، وفقاً لما قاله عدد من الأطباء لـ”درج”، وذلك في سبيل خطة الوزارة لإقناع المجتمعين المحلي والدولي بأنها تسيطر على الوباء في بلد يعاني بشدة من رداءة النظام الصحي والكثافة السكانية العالية.

ميزانية الصحة غير دستورية

تخالف ميزانية وزارة الصحة الدستور المصري الذي نص على تخصيص 3 في المئة من الناتج القومي الإجمالي لصالح وزارة الصحة، تتصاعد تدريجاً حتى تتفق مع المعدلات العالمية، غير أن الإنفاق على قطاع الصحة انخفض إلى 1.9 في المئة خلال العام المالي 2019/2020.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
فاطمة بدري – صحافية تونسية
قد تكون هجرة الشباب بشكل فردي أمراً مألوفاً في تونس ودول المغرب العربي القريبة من السواحل الأوروبية، لكن ما طرأ في الآونة الأخيرة هو انخراط عائلات بأكملها ونساء من أعمار مختلفة في الهجرة غير الشرعية بعدما سئموا الحياة بموارد ضئيلة جداً.
عليا ابراهيم – صحافية وكاتبة لبنانية
مايا العمّار- صحافية لبنانية
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني