عن عصر صناعة الرغبة والديكتاتوريات المستنيرة (2): “القطيع الحائِر”

ما فعلهُ بيرنيز حين أقنع نساء الولايات المتحدة بالتدخين بدعوى أنه "يجعلهنّ مستقلّات" سَحَر الشركات الأمريكية التي ازدادت ثروتها وقوّتها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى.

يُعد إدوارد بيرنيز (1891 – 1995) وهو ابن اخت عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد الأبَ المؤسس للبروباغندا أو ما يُسمى بـ “العلاقات العامة”، وقد كان أوّل من أخذ بأفكار خاله عن الإنسان، واستعملها في عمليات تَلاعب واسعة بالجموع.

مع نهاية الحرب العالمية الأولى التي اشتغلَ فيها بيرنيز مُروّجاً صحفيّاً لشعار أن “الولايات المتحدة تحارب لترسيخ الديموقراطية في أنحاء أوروبا”، وحين رأى تَدافُع الحشود حول الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في باريس آنذاك خَطرت له فكرة مفادها: “إن كان بالإمكان استخدام البروباغندا لأغراض الحرب فإنه بالتأكيد يمكن استخدامها لإحلال السلام”؛ بالطبع، عاد إلى نيويورك ليستقرّ بصفته “مستشار علاقات عامة” وليصبح كبار نجوم وصنّاع الترفيه وحتى أصحاب الشركات العملاقة من عملائه. 

إدوارد بيرنيز

علّم بيرنيز المؤسسات الأمريكية للمرة الأولى كيف تكون قادرة على جَعل الناس يرغبون بأشياء ليسوا بحاجة إليها، وذلك عبر ربْط بضائعِهم غَزيرةِ الإنتاج برغباتهم اللاواعية، الأمر الذي تولّدت عنه فيما بعد رؤية سياسية في كيفية السيطرة على الحشود وإدارتها؛ إن ذلك يمثل بداية صناعة “الذات الاستهلاكية” التي تسيطر على عالمنا اليوم، والتي تحاول هذه السلسلة من المقالات المنشورة في درج الإجابة على التساؤلات المتعلقة بها.

ما فعلهُ بيرنيز حين أقنع نساء الولايات المتحدة بالتدخين بدعوى أنه “يجعلهنّ مستقلّات” سَحَر الشركات الأمريكية التي ازدادت ثروتها وقوّتها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى؛ صحيحٌ أن نظام الإنتاج الكثيف الذي اتّبعته تلك الشركات قد ازدهر خلال الحرب، وباتت معه المنتجات تنصبّ كسيول داخل أسواق الولايات المتحدة، إلا أن الشركات كانت تخشى تلك اللحظة التي سيمتلك فيها الناس حدّ الكفاية من السلع، ما سيدفعهم ببساطة للتوقّف عن الشراء.

في ذلك الوقت كانت مَبيعات مُعظم المنتجات تتم بناءً على قواعد الطلب؛ ففي حين كان الأغنياء قد اعتادوا على البضائع الفاخرة منذ زمن طويل، كانت أغلب المنتجات بالنسبة لملايين الأمريكيين من الطبقة العاملة تُسَوَّق لهم على أنّها من الضرورات، كانت تُروَّج المنتجات مثل الأحذية، الأشياء المخصصة للتخزين، وحتى السيارات، بمعايير وظيفية بناءاً على متانتها وقوّة تحمّلها، وكان الهدف من أساليب الدعاية عموماً في ذلك الوقت هو إظهار (المميزات العملية للمنتجات) فقط لا غير.

من أولى إعلانات التدخين

أدركت الشركات ما يجب عليها أن تفعله، ألا وهو تحويل الطريقة التي يُفكر ويرى من خلالها الأمريكيون المنتجات؛ أحد المصرفيين الروّاد في وول ستريت من بنك Lehman Brothers يدعى “بول ميزر”  كتب في 1927 مقالاً لمجلة “Harvard Business Review” قال فيه: “علينا أن نغيّر أمريكا من ثقافة الحاجات إلى الرغبات، يجب أن يُدرَّب الناس على أن يَرغبوا، أن يُريدوا أشياء جديدة حتى قبل أن تَبلى تلك القديمة، علينا تشكيل عقلية جديدة في أمريكا، ومن المفروض أن تُعتِّم رغباتُ الإنسان على حاجاته”.

بالطبع، كان بيرنيز هو ذاك الشخص الوحيد في الولايات المتحدة الذي جاء بنظرية نفسيّة على أنها جزء أساسي من العملية التي ستستطيع الشركات بموجبها جذب الجموع بشكل فعّال، الشخص الوحيد الذي كانت منظومة التجارة الأمريكية مستعدّة  لكي تُنصت إلى ما سيقوله… أرباح شركات التبغ خير دليل على أن بيرنيز هو الرجل المنشود.

في أوائل العشرينات موّلت بنوك نيويورك إنشاء سلسلة من المتاجر الكبرى عبر أمريكا، والتي أصبحت نافذة بيع المنتجات المُصنّعة بكثافة، وكانت وظيفة بيرنيز أن يُنتج من جانبه ذاك النوع الجديد من المستهلكين، وقد بدأ بابتكار الكثير من الطرق لإغراء المستهلكين، والتي لا نزال نألفها حتى يومنا هذا.

أقنع بيرنيز مجموعة عمّاليّة بدوية من الهنود بتناول نوع جديد من الذرة (من أحد عملائه) عن طريق جعل كبير القبيلة يُباركها، واستطاع إقناع الأمريكيين بتناول المزيد من لحم الخنزير المقدد (من أحد عملائه أيضاً) بعد نشر استطلاع شمل 5000 طبيب أكّدوا ضرورة تناول وجبة إفطار غنيّة أكثر من القهوة واللفائف المحلّاة.

طلبَ منه “ويليام راندولف هارست” الترويج لمجلّاته النسائية الجديدة، فجعلها بيرنيز ذات بريق آخّاذ، ورَبَط المقالات، وإعلانات ما يُنتجه عملاؤهُ بـ نجوم السينما المشهورين أمثال “كلارا بوو“، التي كانت أيضاً إحدى عملائه، وذلك حسبما يذكر في كتابه Biography of an Idea: The Founding Principles of Public Relations.

كذلك بدأ بيرنيز أيضاً بإدخال المنتجات في الأفلام، حيث ألبسَ “النجمات” في حفلات افتتاح أفلامهنّ ملابس ومجوهرات من الشركات التي كان يعمل لصالحها، وقد صرّح في كتابه آنف الذكر أنه كان أول من أخبرَ شركات السيارات أن بإمكانها بيع السيارات كرمز للذكورة. 

استأجر بيرنيز محللين نفسيين لإعلان تقارير تقول بأن ” المنتجات ستجعلك أفضل”، وادّعوا بأنها أبحاث ودراسات مستقلة ونزيهة، وأقام عروضاً للأزياء في المتاجر الكبرى، ودَفَع لنجوم الترفيه ليكرروا الرسالة الجديدة والهامة: “إنك لا تشتري الأشياء فقط لحاجتك لها، لكن تشتريها لتُعبّر بها عن حسّك الداخلي للآخرين”.

في العام 1927 كتب صحفي أمريكي مجهول: “ثمة تغيير قد طرأ على ديموقراطيتنا يُدعى (الاستهلاكية)، لم يَعد المواطن الأمريكي بالنسبة لبلده (مواطناً) إنما (مُستهلكاً)”.

بدأ بيرنيز أيضاً بإدخال المنتجات في الأفلام، حيث ألبسَ “النجمات” في حفلات افتتاح أفلامهنّ ملابس ومجوهرات من الشركات التي كان يعمل لصالحها.

ساهمت الموجة النامية من الاستهلاكية بدورها أيضاً في ازدهار سوق الأسهم، روَّجَ بيرنيز لفكرة أن على عامة الناس شراء أسهم، واقتراض أموال من البنوك، والتي بالطبع كان يعمل لصالحها.

يصِف رونالد بيتر ستراوس وهو أحد الموظفين لدى بيرنيز بين (1948 و 1952) أن الأخير كان على دراية فريدة بالكيفية التي  يتفاعل بها الناس مع المنتجات والأفكار، يقول: ” لا أتخيل أنه كان قادراً على شد انتباه حتى 3 أفراد لسماعه، لم يكن بيرنيز لبِقاً، كان إلى حد ما ذو مظهر مضحك أيضاً، لم تكن لديه أبداً مهارة التواصل مع الناس بشكل فردي على الإطلاق، لم يكن يتحدث كثيراً، لم يكن يأخذ الجماعات المكونة من أفراد معدودين على محمل الجد، إنما كان كل ما يشغل باله الجموع التي بالآلاف”.

سريعاً ما اشتهر بيرنيز على أنه الرجل الذي فهم عقل الحشود؛ في عام 1924 اتصل به الرئيس الأمريكي “جون كوليدج”، وهو رجل قليل الكلام، وقد كان أضحوكة، تصوّره الصحافة على أنه رجل ممل، باهت ويفتقر لحسّ الدعابة، فما كان من بيرنيز إلا أن أقنع 40 من نجوم السينما والفنانين المشهورين بزيارة البيت الأبيض لتناول طعام الإفطار مع الرئيس، لتكون تلك المرة الأولى في التاريخ التي تتداخل فيها  “العلاقات العامة” بالسياسة.

إدوارد بيرنيز

يقول بيرنيز عن تلك الحادثة: “صَففتُ أولئك الـفنانين، وكنت أقول: ما اسمك؟ فيقول مثلاً: (آل جولسون)، فأعرفّه للرئيس قائلاً: (سيدي الرئيس، آل جولسون)، وفي اليوم التالي كان الخبر الرئيسي على الصفحة الأولى في صُحف الولايات المتحدة جميعاً: (الرئيس كوليدج يستضيف فنانين في البيت الأبيض)، وعنونت (نيويورك تايمز) مقالها: (بالكاد ضحك الرئيس!)، والكل كان سعيداً”.. بعد أسابيع قليلة تمت إعادة انتخاب كوليدج رئيساً  للولايات المتحدة بمساعدة بيرنيز عام 1924.

لكن في الوقت الذي كان فيه بيرنيز يزداد ثراءاً ونفوذاً في أمريكا، كان خاله وزوج عمّته فرويد يواجه كارثة في فيينا، كأغلب أوروبا كانت فيينا تعاني من كارثة اقتصادية، وتضخم رهيب تسبّبا بإفلاس فرويد من جميع مدّخراته، فكتب لقريبه طالباً منه المساعدة، فتجاوب بيرنيز بالسعي لنشر أعمال فرويد لأول مرة في أمريكا، وهو ما فعله بالضبط، وبدأ بإرسال الدولارات النفيسة لخاله، فاحتفظ بها الأخير بسرّية في حساب ببنك أجنبي، والقصة طويلة يسردها بيرنيز في كتابه Biography of an Idea: The Founding Principles of Public Relations.

في كتابها “Sigmund Freud” تذكر الباحثة الأمريكية كاثرين كرول أن بيرنيز اقترح على فرويد ترويج نفسه في الولايات المتحدة، عرضَ عليه كتابة مقال في “كوزموبوليتان” -المجلة التي يعمل بيرنيز لصالحها- تحت عنوان “المكانة الذهنية للزوجة هي البيت”؛ إلا أن فرويد غضب واهتاج، قال أن فكرة كهذه غير مقبولة، إنها مبتذلة، وعلى كل الأحوال فإنه لا يحب أمريكا.

بعد الحرب العالمية الأولى كان فرويد متشائماً، كان يرى أن الإنسان مخلوقٌ مستحيل، شديد السادية، ونوع سيء، لم يكن يَعتقد أنه من الممكن أن يتحسّن الإنسان، الإنسان ما هو إلا حيوان ضار، لا بل أكثر الحيوانات ضرراً على الإطلاق، إن الإنسان قادر على أن يتلذذ بالقتل والتعذيب، لعل فرويد لم يكن يحب البشر أبداً.

في بداية العشرينات، سافرَ منسحباً في الصيف إلى جبال الألب، وبقيَ لفترة من الوقت في فندق قديم في منطقةBerchtesgaden ، وكان بصدد نشر كتابه “علم نفس الجماهير” الذي تحدَّث فيه عن مدى سهولة إطلاق القوى العدوانية اللاواعية من داخل البشر الذين تَروق لهم الحشود، وعبّر فرويد فيه عن أنه لم يُقدِّر الغرائز العدوانية لدى الإنسان، وأنه قلل من شأنها، وأنها أكثر خطورة بكثير مما كان يظن في البداية.

“ثمة تغيير قد طرأ على ديموقراطيتنا يُدعى (الاستهلاكية)، لم يَعد المواطن الأمريكي بالنسبة لبلده (مواطناً) إنما (مُستهلكاً)”.

كان لـ نَشْر أعمال فرويد في أمريكا تأثير غير طبيعي ولا مسبوق على الصحفيين والمفكرين، في العام 1924 ظهرَ على الصفحة الأولى من غلاف مجلة التايمز 4 مرات، عرَضت عليه صحيفة أمريكية مبلغ 25 ألف دولار لقاء إجراء تحليل نفسي لاثنين من المجرمين سيئي السمعة، وعرضَ عليه أحد أقطاب صناعة السينما مبلغ 100 ألف دولار مقابل استشارة تخص قصة حب هوليوودية، لكنه رفضَ العرضين بدعوى أنهما يسيئان لسمعته كعالِم.

ما أخذ لُبّ الصحفيين والمفكرين وأرعبهم كان تلك الصورة التي رسمها فرويد للقوى الخطِرة الدفينة الكامنة تحت سطح المجتمع الحديث، القوى التي يُمكن تفجيرها بسهولة لتولّد غوغاءاً مسعورة قادرة حتى على تدمير الحكومات، الأمر الذي ظنّوا حدوثه في روسيا حين أُطيح بالقيصر نيقولا الثاني؛ كما أن نظريات فرويد كانت قد بدأت بزعزعة أحد أهم مبادئ الديموقراطية واعتبرتهُ مُخطأً، المبدأ القائل أنه “يمكن الوثوق بقدرة البشر على اتخاذ القرارات على أسس عقلانية”.

في العام 1922 نشرَ الكاتب السياسي الرائد والتر ليبمان كتابه “الرأي العام” قال فيه أنه “إذا كانت القوى غير العقلانية هي من يقود الإنسان، إذاً يجب إعادة النظر في الديموقراطية”، وأنه من المطلوب حينئذٍ وجود نخبة جديدة لتقود ما أسماه بالـ “القطيع الحائر – The Bewildered Herd” عن طريق طرق سايكولوجية تسيطر على المشاعر اللاواعية للجموع.

كان ليبمان، وهو الكاتب السياسي الأكثر تأثيراً ونفوذاً وشهرة في الولايات المتحدة، وهو أيضاً مُبتكر مصطلح “الحرب الباردة”، كان يرى بأن الآلية الأساسية للعقل الجَمعي هي (اللامنطقية)، و (اللاعقلانية)، و (الحيوانية)، كان يؤمن بأن المجرمين ما هم إلا أُناس عاديون، أناس تقودهم بشكل طبيعي النزوة الحيوانيّة-البشريّة، والمحفزات غير الواعية، والغرائزية الكامنة أسفل سطح الحضارة، وأنه من الضروري أن تعمل “بروباغندا حكومية” للحفاظ على آلية عمل الديموقراطية، ويجب أن تُدار هذه البروباغندا من قبل طبقة متخصصة من المثقفين وخبراء الآليات المعرفيّة الذين تتجاوز اهتماماتهم الإطارات المحلّية، وذلك من أجل التغلّب على العيب الأساسي في الديموقراطية، ألا وهو تَعويلُها (أي الديموقراطية) على الإنسان الذي تقوده أصلاً قوى غير عقلانية ولا منطقية… إلخ.

سحرت أفكار ليبمان لبّ وفؤاد إدوارد بيرنيز، فرآها فرصةً لكي يُروج نفسه من خلالها؛ في العشرينات، بدأ الأخير بكتابة سلسلة من الكتب التي جادَلت في كونه قد طوّر التقنيات نفسها التي كان ليبمان ينادي بها أصلاً، وذلك من خلال تحفيز الرغبات الداخلية للناس من جهة، وإخمادها بالمنتج الاستهلاكي من جهة أخرى؛ وأنه قد ابتكر طريقة جديدة لإدارة تلك القوى اللاعقلانية لدى الجموع أسماها “هندسة الموافقة“، ليقوم لاحقاً في العام 1947 بالحديث عنها مفصّلاً في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه.

تقول آن بيرنيز في حديث عن والدها: “كانت الديموقراطية بالنسبة لوالدي مفهوماً رائعاً، لكنه لم يكن يعتقد أبداً أن لدى العامة حُكم موثوق به، لأنه من السهل جداً أن يصوّتوا للشخص الخطأ، أو يريدوا الشيء الخطأ، لذا يجب (إرشادهم) من (أعلى)، إنها بطريقة ما (الاستبدادية المستنيرة)، أن تُحيط عِلماً برغباتِ الناس وتلهُفاتِهم التي لا يُدركونها حتى، أن تَنقُر على أعمق رغباتهم، وأعمق مخاوفهم، وتثيرها، وتستخدم ذلك لغايات خاصة”.

في عام 1928 تولى الحُكم رئيس يتفق مع إدوارد بيرنيز، كان الرئيس “هربرت هوفر” أول سياسي عبّر بوضوح عن فكرة أن (الاستهلاكية) ستُصبح المحرك الرئيسي للحياة الأمريكية؛ بعد انتخابه، صرَّح لمجموعة من رجال التسويق والعلاقات العامة بالقول: “لقد أُوكِلَت إليكم مهمة خلق الرغبة، وها أنتم تعملون على تحويل الناس إلى ماكينات سعادة دائمة الحركة، ماكينات باتت مفتاح التقدم الاقتصادي”.

في ذلك الوقت بدأ التصوّر الجديد عن كيفية تطبيق الديموقراطية الشاملة يوشك على البزوغ، الديموقراطية بقلبها النابض المتمثّل بــ (الذات الاستهلاكية)، والتي لن تجعل الاقتصاد قوياً فحسب، إنما ستجعل من الجماهير سعيدة ومُطيعة، وستخلق بالتالي مجتمعاً مستقرّاً.

“لم تكن لديه أبداً مهارة التواصل مع الناس بشكل فردي على الإطلاق، لم يكن يتحدث كثيراً، لم يكن يأخذ الجماعات المكونة من أفراد معدودين على محمل الجد، إنما كان كل ما يشغل باله الجموع التي بالآلاف”.

إن جوهر فكرة الديموقراطية هو تغيير علاقات القوّة التي حَكمَت العالم لزمن طويل، الديموقراطية هي (القوة للشعب)، أما أفكار والتر ليبمان وإدوارد بيرنيز عن إدارة الجموع فقد كانت قد أخذت فكرة الديموقراطية وحوّلتها لما يشبه مُسكّن، دواء يُعطيه الطبيب للمريض ليشعر بتحسّن دون تغيير للظروف الواقعية. 

لقد كانت أفكار ليبمان وبيرنيز أقرب إلى الحفاظ على علاقات القوة بشكلها القديم، حتى لو كان هذا يعني التدخل في الحياة السايكولوجية  للناس؛ كان بيرنيز يرى أنك إذا استطعت  الاستمرار في إبقاء الذات غير العقلانية مُحَفَّزة ومُستَثَارة فستستطيع جعلها سهلة الانقياد والتوجيه، وأن هذا الأمر ضروري ولابد منه لصالح الشعب والدولة، لأن الإنسان كائن غير عقلاني، ولا تتناسب طبيعته مع الديموقراطية.

أصبح بيرنيز شيئاً فشيئاً أحد أهم شخصيات نخبة رجال الأعمال الرئيسيين التي سيطرت على المجتمع الأمريكي والسياسة في العشرينات، وأصبح ثرياً لأبعد حد أيضاً، عاشَ في جناح بأحد أغلى فنادق نيويورك، أقام فيه الحفلات بصفة دائمة، كان منزله في فندق The Sherry-Netherland حيث الجناح الذي تطل نوافذه على حديقة نيويورك الرئيسية (Central Park)، وقد كان يستخدم ذاك المكان لإقامة سهرات يحضرها عمدة المدينة، النخب الإعلامية فيها، القيادات السياسية، رجال الأعمال، وأهل الفن.

تَذكر ابنته (آن) عنه: “كان يعرف الجميع، كان يعرف العمدة، عرف عضواً في مجلس الشيوخ، كان يتصل بالسياسيين عبر الهاتف، يتحدّث كما لو أنه يمتلك سُلطة عليا، وقد كان صعباً بعض الشيء على المحيطين به، خاصة أنه دائماً مايجعل الآخرين يشعرون بالغباء، من يعملون معه أغبياء، إذا ما فعلَ الناس شيئاً بطريقة غير التي كان سيفعلها بها إذاً هم أغبياء (…) كانت لديه جملة يستعملها مراراً  (لا تكن غبياً)، والجموع  بالنسبة له كانوا أغبياء أيضاً”.

بطريقة مأساوية كانت قوة بيرنيز على شفا الانهيار؛ في نهاية أكتوبر 1929 نَظّم حَدَثاً وطنياً ضخماً للاحتفال بالذكرى السنوية الـ 50 لاختراع المصباح الكهربائي، وقد تمت دعوة الرئيس هوفر، رؤساء الشركات الكبرى، المصرفيون أمثال جون دافيسون روكفيلر تمت دعوتهم جميعاً من قبل بيرنيز للاحتفال بـقوة الأعمال الحرة الأمريكية، لكن بمجرد تجمُّعهم، تَواردت الأخبار التي تفيد بأن الأسهم في سوق الأوراق المالية في نيويورك قد بدأت انهيارها المدوّي.

طوال العشرينات، اقترض المضاربون مليارات الدولارات، كانت البنوك قد روّجت لفكرة أن هذا عصر لا يمكن أن ينهار فيه السوق، وأن الانهيار أمر من الماضي، لكن سرعان ما حدث أكبر انهيار للسوق عرفه التاريخ، حين شعر المستثمرون بالذعر، وبدؤوا عمليات بيعٍ بشكل أعمى وبلا هوادة بطريقة لم يكن بوسع المصرفيين أو السياسيين إيقافها، وفي ذاك اليوم (الـ 29 من أكتوبر عام 1929) انهار السوق.

كان تأثير الانهيار على الاقتصاد الأمريكي كارثيا، توقَّف ملايين العمّال الأمريكيين تحت وطأة الكساد والبطالة عن شراء البضائع التي لا يحتاجونها، ليختفي الازدهار الاقتصادي الذي صمّمه بيرنيز للمستهلكين… وهنا بات يبدو أن زمن قوّته القصير قد انتهى، أو شارف على النهاية.

سيتحدث المقال الثالث عن تبعات الكساد الاقتصادي الكبير، أثرهُ على الولايات المتحدة والديموقراطيات الجديدة في أوروبا آنذاك… البروباغندا النازيّة وعلاقتها بإدوارد بيرنيز، والحرب العالمية الثانية. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

نصري حجاج – سينمائي فلسطيني
لماذا كرهنا صورة المطران كبوتشي التي قدمها المسلسل الرمضاني “حارس القدس” من إنتاج فريق من الناس الذين لا يشبهوننا ولا يشبهون صورة المطران الأيقونية القديمة؟ لا بل يكرهونها كما ثبتت في ضمائر محبيه وأرادوا أن يحطموها لتليق باللحظة الراهنة…
درج
“كل يوم منسمع عن أعداد الإصابات، وعن ناس ماتت من “الكورونا” بس ما كنت اتخيل بحياتي انه معقول يكون بيي واحد من هالارقام.” …
رامي الأمين – صحافي لبناني
الإحتفاء بهاتين المسرحيتين يكشف عمق أزمة الإنتاج الكوميدي التي تعصف بالعالم العربي.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
الرقابة التي تتصاعد وتيرتها، المتمثلة بقصّ مشاهد من الأعمال الدرامية أو منعها بشكل كامل، أو حتى إقصاء ممثلين معارضين عن الشاشات، أنتجت موسماً رمضانياً سورياً ضعيفاً.
نصري حجاج – سينمائي فلسطيني
يحتدم الجدل بشأن شخصية السيدة اليهودية “أم هارون” التي يتناولها مسلسل يعرض في رمضان. هنا محاولة قراءة لصورة اليهود التي قدمها الإنتاج البصري العربي، منذ بدايات الإنتاج السينمائي في بدايات القرن العشرين.
علاء رشيدي – كاتب سوري
“ليس هناك عزلة، إننا على الدوام ممتلئون بالآخرين”.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني