fbpx

“كورونا” والممانعة الدينية : رحلة البحث عن الفردوس المفقود

كان الخطاب الديني الذي لعب على أعناقه عدد من رجال الدين بمثابة خط الدفاع الأول، الذي بدأ ينشط لمواجهة الفايروس المستجد...

لم يكن الجدل المحتدم حول وقف الطقوس الدينية في مصر، بعد تفشي فايروس “كورونا” المستجد، وما رافقه من هجوم محموم ضد من تبنى ذلك الرأي، وحاول ترويجه، سوى لحظة مريرة، اصطدم فيها الوعي الديني البسيط والتقليدي بالعلم وضروراته والمعرفة وشروطها. وهز العدو غير المرئي يقينات البشر الأخلاقية والدينية حول معرفتهم بأجسادهم وهويتها المتخيلة، والتي هي وفق السرديات المثالية عبارة عن صلصال مقدس أو صورة إلهية.

ومن ثم، خضعت الأعراض المرضية في هذا السياق إلى ثقافة علاجية قديمة، فقدت صلاحيتها، بعد اكتشاف الحقائق الطبية والصحية. فلم يعد هيكل الإنسان الخارجي سوى مساحة حيوية يمكن أن تننقل منها العدوى والإصابة بالمرض، أي مرض، من الآخرين، مندون أن تعصمه أو تحميه هوية أخلاقية ودينية، يحتمي داخل إرثها القديم، وذلك منذ اكتشاف الفايروسات والأوبئة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

وعليه، تركزت الحجج في مواجهة وقف الطقوس الدينية، لا سيما المناولة (الإفخارستيا) والقداسات، على أساس إيماني محض، يرى هذه الصلة العضوية مع المقدس، ويقاوم صورته المهتزة بفعل تأثير الأفكار المنتشرة عن عجزه في وقف المرض، فضلاً عن حمايته من الإصابة أو الموت، بينما يحشد داخله عزاءه الوحيد والمتبقي، ويتعلق بمشيئته. 

هذا ما أوضحه وألمح إليه أحد المعلقين على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” بأن: “الكنيسة مبنية على أساس دم الشهداء، فكيف تهدم بفايروس؟ وإذا كانت الدولة بدأت تأخذ احتياطاتها الوقائية فاحنا كمان نأخذ احتياطاتنا، لكن القداس والمناولة من ضمن هذه الاحتياطات وليس وقفهما أو تعطيلهما. فمن الضروري أن نضاعف طقوسنا في هذه الفترة.. أين الايمان بالجسد والدم؟”.

وأضاف: “لو فكرت أنه أنت هتصاب بالعدوى عن طريق الجسد والدم، يبقى إيمانك ضعيف، والذي يخاف من الجسد والدم تحت أي مسمى يقع في الخطيئة، لأنه إنكار حقيقة الجسد والدم وأنه ربنا ليس ضابط الكل”.

مصلون يؤدون الصلاة في حدائق عامة بعد اغلاق المساجد

محنة وجودية

كشف الفايروس، وتداعياته الصعبة، عن هذه الذهنية المشوشة والضعيفة التي سقطت أمام اختبار قاس، كما وضعهم في محنة وجودية مؤلمة، إذ حاول نزعهم من بين جدران المساجد والكنائس، وطردهم منها، بل وهدمها فوق رؤوسهم التي لم تحتمل فرضية أن منازل السماء و”بيت الله”، أمست مساحة غير آمنة تنتقل داخلها العدوى الفايروسية، بينما يزاحم “العدو”، غير المرئي، المقدس المتخفي هو الآخر، ويبدو وكأنه انتصر عليه!

لذا، جاء قرار الأزهر ثم الأوقاف متأخراً بعض الشيء، في ما يخص وقف صلاة الجماعة، وكذا، المؤسسات الدينية المسيحية، في محاولة للتمهل أمام رد الفعل الشعبي الذي درج على نمط التدين التقليدي، وغير العقلاني.  

الواقع اليومي الضاغط عند الفئات المهمشة والطبقات المسحوقة لجهة تدبير احتياجاتها، ربما، يضعها أمام تناقضات جمة حيال المسألة الدينية، والتعاطي معها.

وتحت تأثيرات أنماط التدين المدوية وضغطها، ما زال هناك من يقاوم فكرة أن التجمع لغرض الصلاة لم يعد آمناً، ويساوي كارثة، وفي المقابل، نخضع لمشيئة أخرى هي العلم، للوصول إلى العلاج من العلماء والأطباء. إذ إن الفايروس لن يتلاشى بالدعاء أو الرجم.

الواقع اليومي الضاغط عند الفئات المهمشة والطبقات المسحوقة لجهة تدبير احتياجاتها، ربما، يضعها أمام تناقضات جمة حيال المسألة الدينية، والتعاطي معها. فهي من جانب، قد تكون ملاذاً آمناً وممراً هادئاً للعبور من المشكلات والأعباء، ومن جانب آخر، يحتل الدين هامشاً ضئيلاً من دون إسراف أو مبالغة، فلا يتجاوز فكرة الممارسات والطقوس الشعبية، بالطريقة التي ينظمها “العقل المتحايل”، وفق التعبير المستخدم في أدبيات التدين الشعبي بمصر. 

كما يضحي الفرد، داخل هذا السياق، عملياً أكثر في مواجهة الواقع، بكل تعقيداته وأزماته. ويتخطى لحظات الفرح والتعاسة، والانفراج والانحسار، بالسخط والرضا والسخرية، وكل المشاعر الإنسانية والأسلحة الممكنة، من دون السقوط في فخ السلطة، أي سلطة، ومهما كان مصدرها، والتي يظل ينظر لها بخشية وارتياب وضجر، بينما يبحث عن مساحات أخرى، بعيداً عنها، فيما يتصل بالإيمان والتدين، بهدف ملء فراغاته النفسية ورتق الثقوب في روحه.

وفي هذه المساحة المحررة من نفوذ السلطة، ووكلائها، لا يجد هؤلاء الأفراد المنبوذون أن ثمة تناقضاً بين الاستماع إلى أصوات المداحين والمنشدين في الموالد أو حلقة ذكر عادية، وتدخين النرجيلة المختلطة بالحشيش، أحياناً، بينما يغطي دخانها فضاءهم الخاص الذي يفيض بالإيمان، وهم يتحايلون على هواجسهم ومخاوفهم المريرة، إذ يتحرى كل منهم عند العتبات المقدسة الإلهام والقوة. 

بيد أن المسيرات التي وقعت في مدينة الإسكندرية، وقد شهدت هتافات وأدعية دينية، فضلاً عن التكبير، في محاولة لالتماس تعزية من السماء وطلباً للنجاة، مثلت في جانب منها مشهدية مكثفة، عكست السيولة الدينية الموجودة لدى قطاع أو شرائح من الطبقة الوسطى، وفئاتها المتوسطة والعليا في مصر، الأمر الذي جرى في مدن ومحافظات أخرى، لكنه، لم يتطور إلى مسيرات في الشوارع، بينما انحصر، فقط، في الخروج إلى الشرفات، بشكل جماعي، وترديد الهتافات والأدعية الدينية ذاتها.

وفي ظل الوضع العالمي المتأزم والإجراءات الاستثنائية، من حجر صحي، وعزل طبي، وحظر للتنقل والسفر، فإن كثيرين يعيشون في دائرة جهنمية، تحيطها الأوبئة والأمراض التي تحصد الأرواح، وتنبعث داخلها الأفكار المريرة، والمواقف العنصرية، والأيدولوجيات المدمرة. 

وأمام الأعداء غير المرئيين والمجهولين، تتفشى مجموعة من الأعراض المرضية الأخرى، تتمثل في تبني بعض الدعوات المتطرفة، مثل، الحفاظ على الهوية، وكذا، الحدود القومية، ناهيك بتضخم النبرة الدينية، واعتبار الأعداء خارج هذه الحدود يمثلون تهديداً وجودياً مباشراً.

 إذاً، كان الخطاب الديني الذي لعب على أعناقه عدد من الشيوخ ورجال الدين بمثابة خط الدفاع الأول، والذي بدأ ينشط لمواجهة الفايروس المستجد، بداية من اعتباره رد فعل إلهياً منفعلاً وهائجاً، بسب اضطهاد الصين لمسلمي الإيغور، وذلك قبل أن تنتشر العدوى في العواصم العربية والإسلامية، مروراً بوصفه كأحد “جنود الله”، لجهة رد الإنسان الذي انحرف عن الخط الإلهي، ومساره المعتدل.

كما لعب الخطاب الديني المتأسلم، والدعاية التي مررتها المنصات التابعة لجماعة الإخوان في الخارج، دوراً تحريضياً لإدارة هذا الشكل الاحتجاجي، كما ساهم فيه شحن سلفي، تتوافر له بيئة وحاضنة قويتين في الإسكندرية، منذ سبعينات القرن الماضي، بينما استجاب له فئات عشوائية في خضم لحظة مرتبكة.

فمن جانبها، أعلنت دار الإفتاء المصرية، بأنه ينبغى على المسلم أن لا يصيبه الخوف والهلع الشديد من الابتلاءات التى قد تصيبه أو تصيب من حوله، بل عليه أن يتحلى بحسن الظن بربه وخالقه، ويعلم علم اليقين أن الله سوف ينجينا من هذا البلاء.

وتضيف الإفتاء المصرية، في الوصايا الأربع التي أعلنت عنها، عبر منصتها الرسمية: “شأن المسلم فى أوقات البلاء والمحن أن يكون دائم الذكر والدعاء، فالنبى أوصانا بقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» ثلاث مرات صباحاً ومساءً، فإن من قالها لا يصيبه شيء من البلاء أن شاء الله.

وعلى أثر الهلع والذعر الموجودين تحت وطأة الفايروس، لا أحد يمكن أن يتعاطى بتعال ولوم تجاه بعض المظاهر المجتمعية التي تبرز سيولة دينية، تم توظيفها وتسييسها في مواقع متباينة لحسابات وأغراض سياسية متفاوتة، كما تعكس بالدرجة ذاتها، بدائية وتخلف عن العلم والمعرفة، مقابل تقدم الدين والسحر والتعويذة، حتى بين قطاعات المتعلمين، ممن اعتبروا أن جسد المسيح لا يمكن أن ينقل العدوى، ورفضوا أن تعلق الطقوس الدينية، ومن بينها طقس المناولة، والأمر ذاته، ينطبق على الصلاة في الإسلام، وكذا، زيارة الأضرحة، وإقامة الموالد الدينية، لا سيما مولد السيدة زينب الذي تصادف مرور ذكراه، قبل أيام في القاهرة.

ليس الدين اغترابا للجوهر الإنساني، على طريقة هيغل، كما لا يمكن ترجيح موقف الفلسفة التنويرية التي سادت في القرن الثامن عشر، واعتبرته مؤامرة إكليريكية، فهذا الفضاء الرمزي متحرك متنوع، كما تتنازع عليه قطاعات عدة، وليس منفصلاً عن الزمن الذي يتشكل داخله. فالمسيحية التي كانت ديناً للعبيد والمنبوذين، تحولت إلى لاهوت للهيراركية الإقطاعية مع الإمبراطورية الرومانية. 

ومن ثم، فإن هذا الطابع المزدوج للظاهرة الدينية يكشف عن تبعيتها، ودورها الوظيفي لحساب السلطة، حيث تضع طبقات كثيفة وضبابية تحجب المصالح السياسية والطبقية. 

الفئات التي لم يتحمل وعيها الديني والإيماني أن تتعلق الصلاة والطقوس الدينية، باعتبارها بيئة قد تتفشى فيها العدوى الفايروسية، وبالتالي، لا تمكن المغامرة بصحة المواطنيين المهددة، والاحتماء بالعون والحماية الإلهيين، ستظل في تذمرها الخفي والمعلن، ولن تستجيب لمحاولات العقلنة العرضية والاضطرارية المؤقتة. 

وبحسب تعبير الفيلسوف الألماني، كارل ماركس، فإنه حين تطلب من الشعب التخلي عن الوهم حول وضعه، يحتاج الأمر مسبقاً أن تطلب التخلي عن وضع كامل هو في حد ذاته بحاجة إلى وهم.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
هذه الوثائق، إضافة إلى أنها تكشف الأدوار الرهيبة لمصارف عالمية في تمويل الإرهاب والمخدرات والفساد والأنظمة الاستبدادية، تساعدنا أيضاً على فهم وظيفة المصرف في النظام المالي العالمي والمحلي أيضاً، وفهم مصادر الجشع الذي اختبرناه في لبنان…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني