fbpx

لبنان: التعليم الافتراضي إذ أُسقِط بـ”باراشوت”

لا يمكنك أن تنقل قطاعاً بالأساس يفتقد إلى المساواة بين المناطق والتلاميذ وأحوالهم الاقتصادية والاجتماعية، إلى شاشات "اللابتوب" و"الايباد" والانترنت الثابت والسريع.

مع بدء تطبيق التعليم الافتراضي أو التعليم عن بعد في مختلف فروع الجامعة اللبنانية، تتزايد صرخات التلاميذ والأساتذة وشكواهم، من سرعة القرار بالانتقال إلى التعليم بهذه الطريقة واعتباطيته. علماً أن القرار كانت طبّقته مدارس وجامعات خاصة كثيرة منذ بداية الأزمة. هذه الفوضى العارمة وهذا القرار الذي أُسقِط على التلاميذ والأساتذة، صورة جلية عن مدى الهلع وعدم التخطيط وغياب الرؤية الواقعية لدى المؤسسات التعليمية والوزارة على حد سواء. فالمشكلة ليست في الفكرة كمبدأ، إنما في تطبيقها، الذي أثبت أنه غير عملي حاضراً في ظل الظروف الراهنة وبالنظر إلى ماضينا في قطاع التعليم قبل انتشار “كورونا” أو “كورولا” كما أحبّ أن أسمّيه. 

في المقابل، تفتخر دول عربية وأجنبية باستثمارها في التعليم الافتراضي والمعتمد على التكنولوجيا المعلوماتية العادل. هذا التعليم الذي شمل الجميع لفترة طويلة قبل “كورونا” أعطى هذه الدول الجهوزية للانطلاق في هذا المجال بكل ثقة. أما في لبنان فالقصة مختلفة. 

هنا، الوزارة قررت الانتقال إلى التعليم الافتراضي وكأننا كنا قبل “كورونا” (عدا عن بعض المدارس الخاصة والجامعات) نعتمد هذه الطريقة في التعليم، ونحن نواصل ذلك وحسب. في الحقيقة الأمر ليس بهذه السهولة، إذ لا يمكنك أن تنقل قطاعاً بالأساس يفتقد إلى المساواة بين المناطق والتلاميذ وأحوالهم الاقتصادية والاجتماعية، ويحتاج إلى الكثير من التعديلات والتطوير، إلى شاشات “اللابتوب” و”الايباد” والانترنت الثابت والسريع. الخوف على العام الدراسي ومستقبل التلاميذ لا يبرر اتخاذ قرارات والعمل بخطط من دون دراسة، وتجاهل آراء أهل الاختصاص ونصائحهم. لذلك إذا أردنا أن نستعرض مشكلات بسيطة وواضحة نواجهها وسوف نواجهها بسبب هذا الانتقال غير المدروس نجد أن: 

أولاً، هناك قدرات متفاوتة وفروقات بين أحوال الطلاب ومداخيل عائلاتهم، وللأسف، مناطقهم، وبالتالي قدرتهم على اللحاق بهذا الانتقال من طريق اقتناء حواسيب، أو أجهزة آيباد، أو هواتف ذكية حديثة، إضافة إلى خدمة إنترنت ثابتة وسريعة وتيار كهربائي واشتراك “موتور”. 

ثانياً، هل تم تدريب التلاميذ أو أهلهم على التقنيات والتكيف مع هذا الانتقال؟ فهي مهارة يجب على المعنيين تنميتها في التلاميذ، وهي ليست بسيطة، وليس جميع التلاميذ وأهاليهم على دراية بجميع ما يتعلق بالتعليم الافتراضي.

ثالثاً، هل تم تدريب الأستاذة والمعلمين، وخصوصاً كبار السن منهم على هذه التقنيات؟ ففي الجامعة اللبنانية والمدارس الرسمية، وحتى في الجامعات الخاصة، يشكو التلاميذ من عدم قدرة قسم من الأساتذة على التأقلم مع التكنولوجيا (وهذا قبل كورونا) وتفضيلهم الطريقة “التقليدية”. حتى أن بعضهم لا يعرف كيفية استخدام البريد الإلكتروني. هل سيتابعون الآن طريقة التعليم التي كانوا يعتمدونها في الصف؟ أم أنهم سيعملون بشكل عشوائي فقط لإنقاذ العام؟

رابعاً، ما هي الدروس التي ستُعطى؟ هل سيعمل الأساتذة على مواد جديدة، ويرهقون أنفسهم والتلاميذ ويضيعون الوقت؟ فالمواقع الإلكترونية تزخر بما يستطيع الأساتذة الاستفادة منه، واستعماله لحالتنا الراهنة.

خامساً، ماذا بشأن الامتحانات الرسمية؟ فقبل “كورونا”، كان النقاش في دوائر المختصين دائماً ينتهي بأهمية إلغائها لأسباب تربوية وأكاديمية وعلمية، وبعدما ثبت قدمها وعدم معاصرتها الزمن والتطور العلمي والابستمولوجي وتم نسيانها وتجاوزها في التعليم الحديث. فالآن وخلال الأزمة، وبعد القرار “بالانتقال” إلى التعليم عن بعد، وفي ظل ظروف هذا العام الاستثنائية، من ثورة 17 تشرين، إلى فايروس “كورونا”، كان عاماً يعجّ بالتقلبات الواقعية والحياتية والنفسية، وقد توقف التعليم لفترات طويلة، باتت حالة الطلاب وأهاليهم تتسم بالشك والريبة والخوف من إجراء الامتحانات ولوجستياتها. فما الخطة حيال هذا الأمر؟ وعندما نقول خطة، نعني مشروعاً كاملاً من جميع النواحي باحترافية، بالاستناد إلى مراجع ومختصين وتربويين، مع معاينة الوضع الاقتصادي والاجتماعي في جميع المناطق، لتحقيق تعليم عادل، ونتائج لا تظلم أحداً. وتم اقتراح حلول بديلة، وخطط محكمة ومدروسة من قبل تربويين ومختصين أبرزها ما نشره الأستاذ والاختصاصي التربوي محمد استيتية على صفحته على موقع Medium، وحسابه على “فايسبوك”. وحاول إيصاله إلى الوزارة والوزير، ولكن من دون جدوى. 

إن الوقت يداهمنا، فقد تبقى نحو ثلاثة أشهر حتى نهاية العام الدراسي، ولذلك علينا التصرف بسرعة، ولكن أيضاً بحكمة وعدل. فاتخاذ القرارات من أجل اتخاذ القرارات فقط، لإبراز أن الوزارة تصرفت، لا يجدي نفعاً في قطاع التعليم وخصوصاً في الأزمات والحالات الاستثنائية. 

وإذا كانت الحكومة والوزارة من التكنوقراط، فهذه فرصة للتصرف على نحو “تكنوقراطي”، وليس على نحو عشوائي مراهق. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني