أحدهم مرّ من هنا… أحدهم قطع أصابعي ومضى!

أفكّر أحياناً في أنني وحدي على سطح الأرض وقد اختفى الجميع تماماً.

قلت إنني سأكتب عن الوحدة، الوحدة كما أعيشها الآن، لا كما عشتها في سنوات طويلة سابقة. لكنّ الكتابة كالحب تماماً تعاندني، تضمحلّ وفجأة تهب وتهاجمني حتى أستسلم تماماً. قلت إنني في عزلة من نوع آخر. 

أسأل صديقاً لي عن حال قطط تونس في الحجر، إنها قطط أخافتني كثيراً، لأنها تعتبر أن الشوارع ملكها. وكنت أشعر بأنها تضطهدني طوال الوقت. يخبرني علي أنها تلتزم الحجر أكثر من الناس “تشدّ ديارها” كما يقول. أشعر بأنها فرصة ممتازة لأسير في تونس بلا خوف. لكنني لن أستطيع ذلك الآن، بسبب وباء الوحدة الجديد.

لم أفكّر قبل الآن بأن الوحدة تأتي بأنواع مختلفة. لكنني الآن أفهم أنّ الطباع الغريبة التي تركتها فيّ وحدتي السابقة، ربما ستتعدّل الآن وفق قوانين الوحدة الراهنة. قد أستعيد رومانسيتي مثلاً. قد أستطيع أن أصفح عن نفسي أكثر، وأن أذهب إلى رجل أحبّه بلا خوف وأقول: “تعال إلى هنا أيها الأخرق!”.

نحن وحيدون في أي حال، كتب ميزر. 

لا شيء يخيفني ولا حتى أن أصاب بـ”كورونا”، يخيفني كثيراً أن أخرج من هذه العزلة وقد فقدت الكتابة… الكتابة لا المحاولة.

ما كنت أحسّه وأنا أجوب الشوارع وحيدة، أو وأنا أتخذ قراراتي وأحلم بالمستحيل وحيدة، وما كان يعنيه الضوء الخفيف المعكوس على سقف وحدتي ليلاً، أو ما كنت أشعر به وأنا عاجزة عن بعث رسالة حب بسيطة، أو ما كان يقتلني حين أحتاج إلى عناق أبدي، أو ربما ما كان يحصل في بهو قلبي الخارجي حين يخرج رجل أو يدخل آخر، كل ذلك ليس الوحدة التي أحسّها الآن. عزلتي الآن مرفقة بالعجز وبالكثير الكثير من السخرية. حتى أنني أمضي وقتاً في تصوير فيديوات مجنونة وتكرار عبارات تافهة جداً. أقيم “حفلة تفاهة” خاصة بي. ويحك يا كونديرا!

أفكّر أحياناً في أنني وحدي على سطح الأرض وقد اختفى الجميع تماماً. بدأت أحسّ أنني وأمي وأبي المحجورين في هذا المنزل، أصبحنا شخصاً واحداً، حتى أنني لا أميّز بين أمّي وبيني، وحين ألتقي أبي، أظنني ألتقي بي. نحن الثلاثة نحس الأمر الرهيب ذاته، ولا أظنّ أنّ هناك ما يفصلنا. كل ما كان يفصلنا مات تماماً. نحن هنا، على الأرض، ولا أحد سوانا.

كل ما أفعله الآن تمرين خرافيّ على الكتابة. المشكلة دائماً في مزاجي، إنه يدهشني. كنتُ أتوقّع منه فسحة في هذه العزلة حتى أنهي روايتي مثلاً، لكنّ مزاجي يرفض الأمر، والكتابة مرة أخرى تعاندني بلا رحمة.

لا أحد يفهم ماذا يحصل للكاتب حين يعجز عن الشيء الوحيد الذي يستطيع فعله. استسلمت منذ البدء لهذه العادة أو الموهبة أو الرغبة، وأجدها تفلت مني الآن، فيما أتوق إليها، أتمنّى أن أكتب حقاً، أن أنفجر. لكنني أهادن، أحاول فقط. أشعر بأنّ الكتابة انفصلت عني وباتت تنام في غرفة أخرى. إنها صورة كتبتها مرّةً عن قلبي، حين قلت إننا ننام كل واحد في غرفة. ولأنني أعاني أزمة استعارات شرسة، أكرر الاستعارة الآن. الكتابة انفصلت عني وننام الآن كل واحدة في غرفة، كامرأتين شديدتي الحساسية.

أتمنّى كثيراً أن أسأل صديقي بوكوفسكي والكاتب الذي ما زلت مغرمة به ميلان كونديرا، أو ربما أمكنني أن أسأل نيرودا أو دوستويفسكي، أو محمد الماغوط ما دام يتحدث لغتي، إن كان ممكناً توبيخ الكتابة، الصراخ في وجهها، الغضب عليها، مسكها من شعرها حتى تأتي، إن لم يكن بالحسنى فبالقوّة. 

المشكلة أنّ الذين لا يفعلون سوى الكتابة، يقتلهم الذنب والفراغ حين يعجزون عنها. أشعر بأنني اقترفتُ أمراً ما، وها أنا أخضع للقصاص. لا يمكن أن يكون الأمر بحت متاهة. ربما قتلتُ رجلاً بلا قصد. أعرف أنني أفعل ذلك أحياناً. الجميع يفعلون ذلك. ربما أغضبت الله. ربما نسيت أن أتعطّر. ربما أسرفت في الشرب. ربما لم أتناول ما يكفي من القهوة. ربما لم أعد أستخدم الورق. ربما لعنت نصف كتّاب الكرة الأرضية. ربما هي ترددات الوحدة الجديدة. لا شيء يخيفني ولا حتى أن أصاب بـ”كورونا”، يخيفني كثيراً أن أخرج من هذه العزلة وقد فقدت الكتابة… الكتابة لا المحاولة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

“درج”
يبدو أن فايروس “كورونا” بات جزءاً من حياة الشعوب، و”الغرافيتي” سيتوثّق ذلك…
علاء رشيدي – كاتب سوري
وكأن الجسد ممنوع من استخلاص هويته عبر تجربته الشخصية بل عليه اللهاث وراء كمال غير حقيقي أصلاً، وغير موجود في الزمن الدنيوي…
وردة بوضاهر – أخصائية نفسية لبنانية
كثيرون يناقشون فكرة أن هذه الجائحة علمتهم درساً في الحياة بأن يقدروا النعم الممنوحة لهم وأن يزدادوا قوة. فهل هذه استجابة ممكنة للصدمة؟
“درج”
دار سجالاً بين الأفراد والحكومات، هل الأولوية للاقتصاد أم للحفاظ على الأرواح؟
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
العمل عن بُعد هو تحدٍ كبير يتطلب إرادة والتزام، وهنا بعض النصائح والإرشادات لتحقيق الإنتاجية المطلوبة أثناء العمل من المنزل.
ماجد كيالي – كاتب فلسطيني
لم تتملكني الشجاعة للاقتراب منه، بل ولم يبدر مني أي تشجيع له لقطع بضع خطوات لجهتي كي أحتضنه، أي أنني مسؤول وحدي عما حصل. هكذا غادر ابني من دون أن أودعه، سوى بدمعتين
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني