fbpx

بوتين يريد أن يواصل العالم التخمين… ما حدود رئاسته؟

في نظام يأتي فيه حكم القانون في مرتبة لاحقة لوقائع السلطة المتّسِمة بالوحشية، يكمُن أحد التحديات الرئيسة في كيفية تسليم أيّ شخصٍ منصبه مع مكانة يتدفّق منها الأمن والثروة.

يحب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المفاجآت. وربما يكون فلاديسلاف سوركوف، مستشاره القائم على إدارة المسرح السياسي، قد غادر الإدارة بالفعل؛ لكن القائد أظهر أنه لا يزال قادراً على التعامل مع الإعلان عن كشف كبير يوم الثلاثاء 10 آذار/ مارس. فمن خلال إطلاق سلسلة من التعديلات الدستورية، وتمرير المسألة صورياً إلى الهيئة التشريعية للبَتّ فيها، ثم الإعلان عن تصويت شعبي – أتاح بوتين لنفسه استدعاءَه للحديث أمام مجلس الدوما -وهو المجلس التشريعي في البرلمان الروسي- حول موضوع تعديل حدود الولايات الرئاسية، الذي قد يُتيح له بالبقاء في السلطة حتى 2036.

وفي تحرك ميلودرامي مبتذَل، قال إنه فكّر في ضرورة أن يكون هناك حد صارم لولايتين رئاسيتين فقط. ثم تنازل قائلاً -بعدما التقط أنفاسه- إنه إذا كان مجلس الدوما يعتقد بضرورة “تصفير” ولايات الرئيس، ووافقت المحكمة الدستورية على ذلك، فيمكن أن يوافق هو على ذلك.

من المؤكد أن هذا كان كله مدبراً. فقد طُرِح المقترَح الأوّلي من طريق فالنتينا تريشكوفا، ذات الـ83 سنة، وهي أول امرأة تطير إلى الفضاء وأيقونة للنصر الروسي. ومع أنّه يُعرَف عن بوتين عدم تفضيله التحرك إلى داخل موسكو، حيث مجلس الدوما، ومع أن التحضيرات الأمنية المحيطة بأي تحركات رئاسية تستغرق ساعات؛ حضرَ بوتين بعد 90 دقيقة عندما دعاه رئيس مجلس الدوما فياتشيسلاف فولودين كي يفكر في الأمر. إضافة إلى أن فولودين كان في السابق النائب الأول لرئيس الديوان الرئاسي في إدارة بوتين، أي أن رسالته لم تكن لتخطئ رئيسه.

لذا، هل يعني هذا أننا نعرف ما سيحدث في 2024، عندما تنتهي الولاية الرئاسية الحالية لبوتين، وأن بوتين سيحكم حتى 2036، عندما يصير عمره 83 سنة؟ كلا بالطبع، فالرجل نفسه لا يعرف هو الآخر.

وفي كل حال، هذه هي الصورة التقليدية لبوتين. تكمن إحدى الأساطير الغربية الأكثر إشكالية حوله في أنه نوع من المتآمرين البارعين الماكرين، والمعلم الجيوسياسي الذي يلعب الشطرنج ثلاثي الأبعاد مع العالم. لكنه في الحقيقة عكس ذلك: إنه مقاتل جودو يسعى وراء اقتناص الفرص ويتجاوب مع الفرص الناجمة؛ أي أن قوته الحقيقية تكمن في قدرته على التحرك بسرعة وحسم، وهو أمر لم يكن متوقعاً.

يبدو هذا جلياً على نحو خاص في استجابته على السؤال المتعلق بما يسمى 2024. إذ إن الريبة بين صفوف النخبة حول ما يمكن أن يحدث بعد أن تنتهي ولايته الرئاسية، وما إذا كان نهج بوتين -المسمى “البوتينية”- سيبقى بدون بوتين، قد بدأت في العام الماضي تشكّل قوةً مزعزعة حقّاً للاستقرار.

ظل بوتين فترة من الوقت بمعزل عن الجدال. على أحد المستويات، يعكس هذا انسحاباً واسعاً من أغلب العمل الرئاسيّ الحقيقي. ولعله لا يزال فاعلاً في المشهد الدولي، لكنه يتجاهل كثيراً من العمل اليومي في الحكم الداخلي، الذي يتطلب انتباه الزعيم في مثل هذا النظام المعتمد اعتماداً شديداً على الرئاسة. وبصراحة، بدَا مرهَقاً وضَجِراً، وراغباً في التخلص من كثير من الواجبات الرئاسية، لا الإبقاء عليها.

غير أن هذا، على مستوى آخر، يُعَدّ نهجَه المعتاد، المتمثّل في الجلوس وترك الآخرين يطرحون حلولهم المفضلة على المشكلة الآنية. وقد فعلوا ذلك. أيد بعضهم صراحةً رئاسة مدى الحياة، ومال آخرون ناحية وجود رئاسة وزراء قوية. فيما اقترح آخرون اتحاداً قسرياً مع الجارة بيلاروس، ومن ثم يمكن أن ينتقل بوتين إلى دور جديد يضطلع فيه بمنصب رئيس دولته الجديدة المشتركة، مع أن هذا الخيار لم يكن جدياً على الإطلاق.

صبَّ آخرون تركيزهم بدلاً من ذلك على وضع ضمانات من أجل الرؤساء السابقين، كي يجعلوا التقاعد خياراً أكثر إغراءً. ففي نظام يأتي فيه حكم القانون في مرتبة لاحقة لوقائع السلطة المتّسِمة بالوحشية، يكمُن أحد التحديات الرئيسة في كيفية تسليم أيّ شخصٍ منصبه مع مكانة يتدفّق منها الأمن والثروة. اقترح بعضهم استحداث فترة إعادة تأهيل بين ولاية الرئيس في الكرملين وبين مرحلة التقاعد، وهي مناصب ربما ستواصل منح بوتين نوعاً من النفوذ والحماية ودوراً يضطلع به.

لذا، أي من هذه الخيارات هي التي فضّلها بوتين؟ كلها تقريباً.

يمكن أن تحدث أشياء كثيرة في أربع سنوات، بدءاً من عثور بوتين على خليفة يشعر أنه قادر على الثقة فيه، وصولاً إلى تدهور حالته الصحية (إذ تكثُر الشائعات التي تقول إنه مريض للغاية، على رغم عدم وجود أي دليل عليها). إضافةً إلى هذا، فالمزاجُ الوطني غير قابل للتنبؤ: في الوقت الحالي، يريد 45 في المئة من المصوّتين أن يبقى بوتين، فيما يريد 44 في المئة أن يترك المنصب في 2024.

لذا فإنه، وفقَ أسلوبه المعتاد، يهيِّئ طيفاً من الخيارات ويُرجئ اتخاذ أي قرار إلى وقت لاحق. ستوافق المحكمة الدستورية على تصفير الولايات الرئاسية المقترَح، إلا إذا كان هو الآخر مجرَّد تمثيلية سياسية للسماح لبوتين بقبوله بنزاهة وإظهار عزمه على اتباع القواعد؛ لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه سيترشح مرة أخرى في 2024، بل أنه قادر على ذلك فحسب.

يملك بوتين في جعبته احتمالات أخرى. إذ إن مجلس الدولة، وهو هيئة استشارية غير معرفة بدقة في الوقت الحالي، يجري إعادة تشكيله في إطار التعديلات الدستورية الجديدة؛ مع أنه لا أحد يعرف ماهية الأمر. ولعل المنصب الخاص بمجلس الدولة ستُخوّل إليه نوعية السلطات والمنافع والحصانات التي قد تجعله عملاً جديداً ممكناً لبوتين.

ينطبق الأمر ذاته على مجلس الأمن الروسي، الذي عيَّن فيه رئيسَ وزرائه السابق وتابعَه المخلص ديمتري ميدفيديف في منصب نائب رئيس المجلس. ونظراً لذلك، ربما تُعاد تهيئته ليناسب بوتين.

يَنصّ جزء من التعديلات الدستورية على مقترح يقول إن أي رئيس سابق يحق له أن يصير عضواً طيلة حياته في مجلس الاتحاد الروسي -وهو المجلس الأعلى في الجمعية الاتحادية الروسية- ذات حصانة من الخضوع للإجراءات القضائية. فيمكن أن يكون ذلك نوعاً متاحاً من التقاعُد، مصحوباً بالاحترام والتقدير والأمن.

وخلافاً لذلك، مَن يدري ما يمكن أن يظهر؟ في 2016، لفَت النائب الروسي القومي المتمرّد فلاديمير جيرينوفسكي الأنظار بما بدا اقتراحاً منه بأن بوتين ينبغي إعلانه قيصراً لروسيا. يكمن جانب من دوره -بوصفه أحد قادة المعارضة المزيفة- في التسلية والتشتيت، وتبدو الفكرة مثيرة الضحك اليوم. غير أنه أحد حماة روسيا الشجعان، الذين لم يرفضوا للقيادة طلباً قط.

بهذه الطريقة، يجعل بوتين العالم يواصل التخمين، في ظل الخيارات المتاحة أمامه من أجل المستقبل ودوره المركزي في النظام. إذ يعد الغموض الاستراتيجي ضرورياً له، ويعني هذا أنه بمجرد أن تعرف نخبته -أو يعتقدون أنهم يعرفون- ما سيحدث في 2024، فسيَبحثوا عن طرق للاستفادة من ذلك. ربما لن يصل إلى أن يكون رئيساً يوصَف بـ”البطة العرجاء” -إذ إن بوتين ومنصبه أقوى من ذلك بكثير- لكنه قد يبدأ في التعثّر قليلاً. وبشكل أدقّ، يمكن أن يؤدي هذا إلى بدء الانقسامات وتعميقها بين النخبة في وقت متوتر ومتقلب؛ وأحد الأمور التي استخلصها بوتين من انهيار الاتحاد السوفياتي أن أمّةً منقسمة هي أمّة ضعيفة.

بجانب هذا، علينا أن نعترف بأننا لا نعرف إلا أقل القليل عن المشاورات الجارية بين دائرة بوتين المقرّبة. إذ إن الأشخاص الأقرب إليه ليسوا وزراءه ولا حتى تقنيي السياسة من حوله. بل إن كثراً منهم هم من الأوليغارشية ذات الثراء الفاحش، وهم رجال كان بوتين بالنسبة إليهم راعياً سخياً ومصدرَ حماية وأمان لا ينضب، أو ما يُطلَق عليه krysha في لغة المجرمين الروس، وتستخدم الآن في اللغة السياسية العامية.

ومع أن بوتين قادر بلا شك على أن يرتّب لنفسه وجوداً مريحاً وآمِناً بعد ولايته الرئاسية، فإن هؤلاء يخشون بلا شك من أن أي خليفة له قد يرغب في تعزيز مكانة حاشيته الخاصة (والأرجح أنهم سيكونون حاشية “رئيس”، وليس حاشية “رئيسة”)؛ وربما يتخلص الرئيس المقبل من بعضهم كما لو كانوا كبش فداء رمزي لنهاية عقدين من الاختلاسات التي حدثت على مستوى صناعي.

ولعل جيلاً جديداً من الرجال الذين يريدون أن يكونوا الملك (أو القيصر) ينظرون في العثور على طرائق لتيسير خروج بوتين من المنصب، لكن هذه الحاشية تحاول على الأرجح إقناعه بالبقاء. يُعرف عن بوتين تغيير رأيه؛ ومن المؤكد أنه غيّر رأيه في ما يتعلق بـ2024. فقد أشار في البداية إلى أنه قطعاً لن يترشّح ثانية، ثم اختار على ما يبدو ترك هذا الباب مفتوحاً. ومن ثم ستستمر المعركة على مستقبله ما دام يريد لها هو أن تستمر.

هذا الموضوع مترجم عن foriegnpolicy.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
كيرا غورني – مركز المحققين الصحافيين الاستقصائيين ICIJ
قال مسؤولون سابقون في وزارة الخزانة الاميركية إن تحقيقاً بشأن ارتكابات الشركة قد تأجل خوفاً من إغضاب دولة الإمارات العربية المتحدة، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وعندما فشلت محاولات إقناع الإمارات بالعمل بمفردها ضد “كالوتي”، جرى تعليق التحقيق.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني