هل يعيد فايروس كورونا تصميم مدارسنا؟

أعاد كورونا تعريف دور الطلاب واستقلاليتهم وإدارتهم لأنفسهم والروتين اليومي للمعلمين وأدوار المشرفين. والآن، ألا يجب علينا أن نفكر في كيفية تقديم مبادرة إصلاح أكثر كفاءة وديمومة؟

 على خلفية الوباء العالمي الحالي، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أننا نشهد الآن أكبر اضطراب في العملية التعليمية في التاريخ الحديث، ودشنت المنظمة تحالفاً عالمياً للإسراع في عملية تعميم حلول التعلم عن بُعد. أعلنت الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن 60% من الأفارقة غير متصلين بالإنترنت، في حين تبلغ نسبة الأوروبيين غير المتصلين بالإنترنت 4% نظراً لعدم تكافؤ فرص الوصول إلى أدوات التكنولوجيا الرقمية. 

أوضح رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر ماورير أن الثورة الصناعية الرابعة التي نعاصرها الآن تسلط الضوء على أوجه التفاوت تلك، وتجعلها غير مقبولة، ويأمل أن تستفيد الجهات السياسية الفاعلة من ذلك  في اتخاذ القرارات اللازمة. وبالرغم من قيام دول عدة بوضع إستراتيجيات للتعلم الإلكتروني، يُعد أصحاب الاحتياجات الخاصة وغيرهم من الفئات الضعيفة الأكثر تضرراً من أزمة التعليم الحالية. 

سلطت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة اليونسكو من قبل الضوء على الصعوبات المتعددة للتعليم المنزلي مثل قلة الاستعدادات من جانب الطلاب والمدرسين والقادة وأولياء الأمور. بغض النظر عن المتطلبات الأساسية للتعلم عن بُعد كالبنية التحتية اللازمة وتكافؤ فرص الوصول إلى الأدوات الرقمية، ما الأسباب الأخرى التي تجعل العملية التعليمية صعبة هكذا الآن؟

تفاوتت استجابة الحكومات في المنطقة العربية لإغلاق المدارس على مستوى الدولة. فقد أطلقت الإمارات منظومة التعلم عن بُعد، وحتى في ظل الاستعداد المسبق وتوفر البنية التحتية اللائقة في الإمارات، لا يزال الطلاب والمدرسون والإدارة يواجهون صعوبات في التأقلم مع هذا التغيير رغم زعم المسؤولين بأنهم يعملون دون كلل لتقديم تجربة تعليمية بجودة عالية.

 أما في لبنان، فقد تضرر أكثر من 1.3 مليون طالب ضرراً مباشراً من هذا الاضطراب. رغم مطالبة وزارة التعليم اللبنانية بالإغلاق التام لجميع المدارس بحلول 29 شباط/فبراير، استغرق الأمر 15 يوماً بعد ذلك الموعد لاقتراح حلول بديلة وتقديمها. ولتعزيز فهم هذه التحديات التي نشأت عن الوضع الحالي، أُجريت مقابلات مع العديد من المدرسين يعملون بمدارس حكومية وشبه خاصة ومدارس خاصة راقية في طرابلس وبيروت وصيدا. ركزت المقابلات على ما يشعر به المدرسون وكيفية تأقلمهم مع الوضع الجديد وما يفعلونه لتعديل أساليبهم في التدريس. يمكن وصف وجهة النظر العامة بثلاثة كلمات: الإحباط، الحيرة، قلة الاستعدادات.

الإحباط والحيرة وعدم الاستعداد

فضلاً عن الخوف من الفيروس، يشعر المدرسون بالضغط نتيجة أعباء العمل الإضافية الجديدة. فقد ظهرت أمامهم فجأة عشرات من المنصات التي تتطلب التدرب عليها واكتساب المعرفة التقنية. وإلى جانب مسؤولية المدرسين عن نقل المعرفة من خلال محتوى رقمي، يجد المدرسون أنفسهم أمام عبء إضافي يتمثل في اختيار الأداة المناسبة للتعليم بناءً على إمكانيات الطلاب واحتياجاتهم. كما يشعر الكثير منهم بالإحباط بسبب قلة تفاعل الطلاب، وقد أوضحت مُدرسة أن 10% فقط من الطلاب يشاركون في دروسها عبر الإنترنت، رغم توفر البنية التحتية والأدوات اللازمة. ويعبر أولياء الأمور أيضاً عن انزعاجهم الشديد من هذا الوضع فقد وجدوا أنفسهم فجأة مضطرين إلى لعب دور المعلم بالمنزل. وقد دفعت مشاعر الإحباط هذه أولياء الأمور إلى أن يطلبوا من المدرسين عدم التواصل معهم مجدداً في بعض الحالات. لسوء الحظ، تولِّد حالة انقطاع التواصل المتزايدة وكذلك عدم الاستعداد، مقاومة شديدة لحلول تكنولوجيا التعليم عن بعد، من جانب أولياء الأمور والمدرسين.

هذا  بالإضافة إلى مشاعر الحيرة التي تنتاب المدرسين الآن. ماذا سيحدث إذا انتهت أزمة وباء كورونا بطريقة ما؟ هل سيضطر المدرسون إلى إعادة شرح المواد من جديد؟ ماذا سيحدث إذا أصيب أحد المدرسين أو الطلاب بفيروس كورونا؟ هل سيتمكن الطلاب من مواصلة التعلم إذا كانوا يحتكون مباشرة بحالات إصابة بالفيروس داخل المنزل؟ وماذا عن أساليب تقييم الطلاب في تلك الفترة، هل سيخضعون للتقييم ويحصلون على درجات؟ طرح العديد من المعلمين بالفعل هذه المخاوف على صناع القرار المعنيين أي مديري المدارس والمنسقين والمشرفين الذين يفتقرون إلى وضوح الرؤية بشأن الوضع وفي أغلب الحالات يرفضون التواصل بوضوح مع المدرسين سواء كان التواصل بشأن كيفية التعامل مع حضور الطلاب وإلغاء الامتحانات أو تأجيلها أو تغيير موعد العام الدراسي بأكمله.

ولعل هذا من العواقب الخفية لتردد وزارة التعليم وبطئها، والتي لا يزال عليها أن تتعامل مع توقعات كل المساهمين في العملية التعليمية عبر تقديم خيارات مختلفة وإجراءات ذات صلة. ونتيجة لذلك، ليس لدينا حتى الآن خطة طوارئ متناغمة لأي جزء من أجزاء الإدارة التعليمية. 

وبعيداً عن الاستعدادات من جهة المعلمين وصناع القرار والطلاب، لم تُعن البنية التحتية على تسيير العملية التعليمية، فقد شكل الإنترنت البطيء بسبب تدفق الزيارات، وغياب الأدوات الرقمية المناسبة، وعدم قدرة كثير من الطلاب على الاتصال بالانترنت، عقبات في وجه محاولات تسيير الفصل الدراسي بسلاسة. 

 وفشلت محاولات وزارة الاتصالات لتقديم حلول سريعة لزيادة سرعة الإنترنت، هذا لأن أنظمة الألياف الضوئية التي تسمح بنقل أسرع للبيانات، أكثر توفراً في المدن اللبنانية عن المناطق الريفية، التي ما زالت تعتمد على الأسلاك النحاسية. لذلك لم تفلح محاولات الحكومة في استثمار بعض الوقت والمال في إيجاد حلول، لأن انعدام المساواة الممنهج وضعف البنية التحتية أفشلت معظم هذه المحاولات.  

ثقافة تعليمية إشكالية

كل التحديات السابقة كانت متوقعة إلى حد ما. وتشهد كثير من الدول حول العالم وضعاً مشابهاً، ما عدا دول الشمال الغنية. لكن في لبنان تمتد المشكلة إلى ما هو أبعد من البنية التحتية ونقص التدريب الممنوح للمعلمين، وهي متجذرة بعمق في الثقافة التعليمية التي سادت قبل كوفيد- 19 بوقت طويل. 

هل كانت الثقافة التعليمية السائدة تحث على التعلم أم كانت قائمة على الخوف، بل وحتى الرقابة الصارمة؟ لطالما وصف دور النظار والمديرين منذ القرن التاسع عشر بأنه أشبه بالمراقب أو المفتش وليس القائد أو المرشد. تفرض الثقافة السائدة على المعلمين أدواراً ثابتة، فتضعهم في صورة مقدمي المعرفة الآليين بدلاً من أن يكونوا مبدعين أو حلالين للمشاكل. يحتاج المدرسون أيضاً لمساحة للتعلم وارتكاب الأخطاء وهي مساحة لا تُمنح لهم عادة. ولا تزال العلاقة بين المعلمين ومن يفوقونهم في السلم الوظيفي قائمة على الخوف والطاعة بدلاً من الإرشاد والنصح. وقد صاروا فئة مقموعة تخشى عيني النظار الثاقبة، الذين يسيرون في أيديهم دفتر يسجلون فيه كل خروج عن المسار ولو كان طفيفاً.  

هل كان المعلمون شركاء في العملية التعليمية قبل كوفيد -19؟ أم كانوا مجرد أدوات نقل سلبية للمعرفة بدلاً من أن يكونوا فاعلين في التغيير ومعلمين نشطين؟ هل تمثل العملية التعليمية لدينا ورشة عمل لا تتكرر أم تمثل عملية تطوير وتربية مهنية مستمرة، تجمع بين التدريس والإرشاد والتدريب والمتابعة؟ تخيل المعلمين وكأنهم باحثون في المدارس؟ كيف كانوا ليستجيبوا لهذه لأزمة؟

قبل كوفيد- 19، كيف كنا نروج للتعليم؟ هل كنا نسأل عن الكيفية أم عن الماهية؟ لو أننا قضينا وقتاً أكثر وركزنا جهودنا على فهم عملية التعليم نفسها، ونظمناها لتناسب احتياجات جميع الطلاب والمعلمين والآباء، لما تداعى النظام التعليمي إلى هذه الدرجة في وجه أزمة بهذا الحجم. 

لنحلم: إن لم يكن الآن، فمتى؟

دأب الباحثون والمصلحون الاجتماعيون وخبراء التقنية والمتطوعون على تطبيق إصلاحات مجتزئة على النظام التعليمي، بعضها تكرر نفس الأخطاء المنهجية. يصر ميكل فولين، الباحث العالمي الشهير المختص بالإصلاح على أن الإصلاح الأنجع للنظام يبدأ من تغيير الثقافة. أعادت أزمة فيروس كورونا تعريف دور الطلاب واستقلاليتهم وإدارتهم لأنفسهم والروتين اليومي للمعلمين وأدوار المشرفين. والآن، ألا يجب علينا أن نفكر في كيفية تقديم مبادرة إصلاح أكثر كفاءة وديمومة؟ هل يعيد فيروس كورونا تصميم مدارسنا؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

“درج”
يبدو أن فايروس “كورونا” بات جزءاً من حياة الشعوب، و”الغرافيتي” سيتوثّق ذلك…
علاء رشيدي – كاتب سوري
وكأن الجسد ممنوع من استخلاص هويته عبر تجربته الشخصية بل عليه اللهاث وراء كمال غير حقيقي أصلاً، وغير موجود في الزمن الدنيوي…
وردة بوضاهر – أخصائية نفسية لبنانية
كثيرون يناقشون فكرة أن هذه الجائحة علمتهم درساً في الحياة بأن يقدروا النعم الممنوحة لهم وأن يزدادوا قوة. فهل هذه استجابة ممكنة للصدمة؟
“درج”
دار سجالاً بين الأفراد والحكومات، هل الأولوية للاقتصاد أم للحفاظ على الأرواح؟
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
العمل عن بُعد هو تحدٍ كبير يتطلب إرادة والتزام، وهنا بعض النصائح والإرشادات لتحقيق الإنتاجية المطلوبة أثناء العمل من المنزل.
ماجد كيالي – كاتب فلسطيني
لم تتملكني الشجاعة للاقتراب منه، بل ولم يبدر مني أي تشجيع له لقطع بضع خطوات لجهتي كي أحتضنه، أي أنني مسؤول وحدي عما حصل. هكذا غادر ابني من دون أن أودعه، سوى بدمعتين
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني