fbpx

وفرة الحجر في ترتيب الوقت

الحجر وفرة من الوقت للترتيب. أمّا المعضلة، فكيفّ أرتّب وفرة الوقت في الحجر؟!

الحجر

كان الحجَر صديقنا نحن أطفال العالم. نرميه على رُقعٍ رسمنا عليها أرقاماً، نصيبُها، فنقفز إليها على ساقٍ، نحمل الحجر ونعود به، ونكمل الجولة. نكوّم الأحجار فوق بعضها، ونحاول إسقاطها. نرفع أربعة أحجار، 2 في كلّ زاوية، ونعلنها مسافة المرمى في كرة القدم. كان الحجر صديق الثائرين دوماً. يزيد بطش المحتل، يكثر ظلم الحاكم، يعوّج ميزان العدل، فتسقط الأحجار اعتراضاً. ننحت الحجارة، نلعب بحجارة الشطرنج، نسير في التظاهرات نطالب بحجر الأموال. بدأ تاريخنا البشريّ بعصرٍ حجريّ، ما لم نتوقّعه أن يكون عنواناً لفصلٍ جديد.

هكذا الوقت، يمرّ من دون أن تسجّله: لا أنت لاحظت، ولا هو اهتم.


الوفرة


أفتح زجاجة العطر وأرتدي بعضاً من رذاذها على عنقي، يسخر صديقي من أنني أعطّر جزءاً من يدي أيضاً. أكمل نهاري ويستوقفني أحدهم بشأن الرائحة. يكيل مديحاً، أو يعطي رأياً. قالت لي إحداهنّ: أحبّ رائحة مسامك. وفي كلّ مرّة أخبرهم عن الدماغ الذي يعيد ترتيب أهمية الأشياء. لا أشمّ عطري إلا دقائق، أنساه. الحقيقة أنّي أتنشقه ولكنّ عقلي لا يسجّله، يعتاد وفرته، يطرحه جانباً ليبقى يقظاً لأيّ تغييرٍ آتٍ. إنّها غريزة البقاء.
كلّما زرت مدينة جديدة، أرفع عينيّ، أحصي ناطحاتها وقرميدها، أدقق في تفاصيل حوانيتها، أحفظ عن غيبٍ واجهة مقاهيها، أسجّل في الذاكرة وقع نعلي على إسفلتها. وحدها المدينة التي أقطنها لا أفطن لتفاصيلها. في كل سفرٍ، أقامر في المغامرة، أعدو لأعدم المسافة بين النقاط؛ أمّا في بلادي، فأؤجّل مشهد اليوم إلى غدٍ. أعترف بأنّني مذ فهمت أنّ الإنسان يستكين إلى مألوفه، تمرّدت عليه أكثر.
كلّنا على هذه الصورة: أهلنا، أحبّتنا، أماكن عملنا، عطرنا، طعامنا، الحيوانات الأليفة حولنا، تفاصيل أجسادنا، موسيقانا المفضّلة، تفاصيلنا اليوميّة، كقيادة سيّارة نؤدي قسطنا أوتوماتيكياً. نعتادها. في الوفرة، ملل. في الكثرة، اعتياد.  

الترتيب

أبعثر ملفّاتي على الحاسوب، وأوراقي فوق المكتب. أغسل ثيابي، وأعيد ترتيبها في الخزانة. في الليل أوضّب أولوياتي، فأستيقظ في الغد متناسياً. أقطع العهد بأنّ أقطع من شهيّتي بعضاً، فأزداد نهماً. أضع لائحة بمن أريد أن ألتقي، وما أحب أن أسمع، وما أشتهي أن أزور، وما أودّ أن أفعل، وما عليّ أن أؤدّي. أفرح يوم أشطب الأشياء عن اللائحة. أمحيها إلكترونياً، أعدمها برصاص قلمي على ورقة، أرمي الورقة في سلّة الفرز المخصصّة للتدوير. أكره من يتأخر في مواعيده ومن لا يلتزم وعوده. 

الوقت

    تركت فراغاً في أوّل السطر. هكذا الوقت، يمرّ من دون أن تسجّله: لا أنت لاحظت، ولا هو اهتم. هو المسافة الفاصلة بين الرغبة والفعل، بين النص والفهم، بين النظر والرؤية. كنت أقول سأفعل غداً، فلا اليوم يأبه، ولا الغد يسأل. فصّلنا له روزنامةً، قسناه بدورة الكرة الزرقاء، وقزّمناه بشروقٍ ومغيب، وخلقنا له أرقاماً نحملها على معاصمنا، وألواحنا الذكيّة، ومركباتنا، ومذكّراتنا.. فما بدّل تبديلاً. هو وهمٌ وحقيقة، هو الأزل والأبد. من دونه لا نفقه، هو لا يأبه بفقهنا فيه. 

الحجر وفرة من الوقت للترتيب. 

أمّا المعضلة، فكيفّ أرتّب وفرة الوقت في الحجر؟! 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني