عن المعضلات الأخلاقية في مواجهة الكارثة – “كورونا” 

يواجه السوريون كارثة "كورونا" ببرود لافت، ليس لأنهم عاشوا ويعيشون كارثة- سلطة أخرى منذ سنوات، بل لأنهم يعرفون أيضاً كيف أن طغمتهم الحاكمة استخدمت دائماً احتمال وقوع الكوارث المستبعدة كي تبطش بهم

نشرت صحيفة “التلغراف” المعروفة أنها اطلعت على مذكرة صادرة عن إدارة الحماية المدنية في منطقة بيدمونت شمال إيطاليا- والتي كانت ضربة فايروس “كورونا” فيها بالغة الشدة والخطورة- ورد فيها ما يفيد بأن الارتفاع المستمر في عدد المرضى يعني أن الطلب على موارد العناية المركزة سيفوق العرض. وسوف يجبر ذلك السلطات الصحية على الاختيار بين من يتلقى العلاج ومن لا يحظى به، مع حظوظ أكبر ليتمكن أولئك الذين يُرجح بقاؤهم على قيد الحياة من الحصول على تلك الأولوية. لذلك كان أحد الحلول المطروحة قبل غيرها، استثناء المرضى الذين تزيد أعمارهم عن الثمانين سنة من ذلك العلاج، لأن فرصتهم في النجاة أقل من غيرهم أساساً.

هنا محاولة لتبيان تأثير درجة تطور الدولة الحديثة، بمفاهيمها وبنيتها التحتية والفوقية، في مواجهة احتمال الكارثة، وخصوصاً من منظور علم الأخلاق. ولا يعني ذلك أي تقليل من قدرة الدولة الفاشية المتطورة على مواجهة ذلك الخطر، ولكن، بأي كلفة إنسانية وتاريخية وأخلاقية أيضاً.

 لا يتعلق الأمر بالأقوى اقتصادياً وعسكرياً ومعلوماتياً أيضاً، بل بالذي اعتمد النظرية الأخلاقية في وجوهها الأحدث والأكثر تعاطفاً في بنية المجتمع الفوقية، وهي تكاد تكون سلاحاً للخروج عن أي إطارٍ إنساني حين تكون في أيدي الطغاة

تُطرح منذ الآن معضلة من معضلات علم أخلاق الكوارث، إن جاز القول. ولا بدّ من التطرق إلى هذا الميدان الطارئ، لأن ما يحدث حتى الآن سيكون ممكناً إطلاق اسم “الكارثة” عليه، علماً أن آفاق تطوره مفتوحة على احتمالات ليس من السهل أبداً حسابها. وربما يحتاج العالم إلى مثل هذا الدرس المكلف، لأنه لم يتعامل بالجدية المطلوبة مع كارثة أخرى تلوح في الأفق، ربما ستكون عظيمة الأثر على الحضارة الإنسانية من جميع الجهات، وهي الأخطار البيئية وتغير المناخ وذوبان القطب أو ما في حكمه.

ما الكارثة؟  أو- للدقة- ما الكارثة الإنسانية؟ ربما هي تلك الحالة التي تعمّ فيها آثار الضرر والأذى الناجم عن حدثٍ أو أحداثٍ، إنسانياً ومادياً واقتصادياً وصحياً وبيئياً، بحيث تزيد عن أو تتخطى إمكانات الجماعة المعنية على الاستيعاب والمواجهة. وهي قد تكون إقليمية أو محلية أو عالمية، قد تأتي على شكل ذوبان في ثلوج القطب، أو انفلات نووي أو بالمواد الكيماوية أو البيولوجية، أو بانفلات نووي، أو على شكل جائحة عالمية لوباء يصعب التحكم به… تنعدم الحدود فيها على رغم إغلاقها بين الناس والدول إلى هذا الحد أو ذاك، وتتعولم بالتدريج.

من فضائل الجائحة الحالية معرفياً كما يبدو، أنها بمقدار تعلق مساراتها باستعدادات الدول لها، وبدرجة تطور بنيتها التحتية لذلك، تتعلق أيضاً بالبنية الفوقية، التي تُعتبر الأخلاقيات المهيمنة جزءاً لا يتجزأ منها. يتلخص ما يُقال هنا بأنه من المستحيل مواجهة خطر الجائحة العامة من دون تعاون تلقائي- مثلاً- من قبل الناس العاديين وفي ما بينهم، ومساهمتهم مباشرة ومن دون إكراهٍ في الإجراءات لحصار المرض، أو العدو.

علم الأخلاق إذاً ضروري لفهم الحالة “الأخلاقية” القائمة، من أجل العمل على تطويرها. ولِحَظِّنا، نحن أبناء المجتمعات والدول المتأخرة، أن الصراع هنا عالمي، ننخرط فيه بالمعايير الدولية، أو نقترب خطوة إضافية من الانقراض، ولو بعد عمر طويل. وربما كان هذا حلاً لمعضلة التقدم والتحديث المستعصية مع وجود أنظمة وحكامٍ تنعدم لديهم المعايير المشار إليها. يعرف السوريون- مثلاً- تلك الحالة، حيث تتفاعل المقاربة السياسية مع المقاربة الأخلاقية.

عام 2008، داهم إعصار نرجس ميانمار، ورفضت الطغمة العسكرية أي معونة دولية في البداية، ثم طلبت ذلك من الأمم المتحدة في شكلانية مقصودة (الكبرياء والسيادة الوطنية!)، لكنها أعاقت إعطاء تأشيرات الدخول لموظفي الإغاثة لاحقاً. وعام 2012، رفضت كوريا الشمالية أي عون من كوريا الجنوبية، مع عواصف عارمة وفيضانات مدمّرة ضربتها آنذاك. كما رفضت سلطة إيران الدينية أي مساعدة خارجية في بداية استفحال فايروس “كورونا” فيها، ثم أخذت بالصراخ لاحقاً.

لتَفهّم الناس العاديين وتمثلهم حقوقهم وواجباتهم أهمية كبرى في هذا النوع من الكوارث، ولكن، يسبق ذلك دائماً وأينما كان؛ خصوصاً في الدول والمجتمعات المُفَوّتة والأنظمة المتسلطة والفاسدة؛ تفهّم الدولة والمجتمع المدني وتمثلهما لحقوقهما، ولكن لواجباتهما قبل أي شيء آخر. وحين نذهب للنظر في هذا الاتجاه، تصيبنا القشعريرة أمام ما يمكن أن يحدث.

في مثالٍ معروف: لو كنت رجل أمن في كارثة، ورأيت أشخاصاً يتزاحمون على المواد التموينية ويتناهبونها، بل ربما يقتتلون عليها لتأمين خبز أطفالهم، أو يسرقون المواد الضرورية لعائلاتهم، كالغذاء والماء وحليب الأطفال، فما الذي تقوم به؟ هل تطلق عليهم النار لأنك عاجز عن وقفهم إلا بذلك؟ وما هو الصواب آنذاك؟ كم يختلف الأمر ما بين سلطات  اغتصبت الدولة وتحكم “الانضباط” بين الناس بالحديد والنار وسلطات منتخبة في دولة متطورة كثيراً أو قليلاً؟…

يتعلق الأمر كثيراً بكيفية الاستجابة لحالة الطوارئ التي تفرضها الكارثة المحدقة. وأول ما لا بدّ منه هو المكاشفة والشفافية، لا الاستسلام لمصلحة السلطة بالاستمرار بالحكم على الطريقة التي اعتادتها وتملّكتها. وقبل أي استجابة أيضاً، يتعلق الأمر بمفهوم إدارة الكوارث، ليس في زمن وقوعها، بل قبلها وأثناءها وبعدها. وحين نذهب إلى جوهر الحاجة، ينبغي بالطبع أن يتم التركيز على تأمين الماء والغذاء والصحة وحماية الطفل والتعليم وتأمين الحماية الإنسانية، بل أيضاً تأمين غلافٍ إنساني للوضع، ولعملية إدارة الكارثة المعقدة عموماً.

تنشأ في أجواء الكارثة معضلات يومية أو استراتيجية، ومن النادر أن يكون لتلك المعضلات جواب واحد، بل كثيراً ما يكون أمام المسؤولين أو المواطنين جوابان متعارضان، لكليهما منطقه ومؤيداته. ومن الأمثلة المعروفة هنا، ما يتعرض له أصحاب القرار من استعصاء عند توزيع الموارد الموجودة. فيمكن التركيز على الشرائح الأكثر ضعفاً، كالمعوزين وكبار السن؛ ولكن الدولة قادرة بالموارد نفسها أن تحمي عدداً أكبر من الناس الأقل هشاشة هنا، وتحقق مردوداً أكبر باتساعه الأفقي. كما هو ذلك الاقتراح الإيطالي بشأن المعمرين.

ليست النفعية الأقرب إلى التجريد واعتماد الحلول الأكثر مردوداً بنافلة هنا أبداً، بل هي واحدة من طرائق مقاربة المعضلات من النوع المذكور. عندما يتعلق الأمر بالدول المتقدمة، ولو تباينت درجة تقدمها في هذا الحقل خصوصاً، لا يتعلق الأمر بالأقوى اقتصادياً وعسكرياً ومعلوماتياً أيضاً، بل بالذي اعتمد النظرية الأخلاقية في وجوهها الأحدث والأكثر تعاطفاً في بنية المجتمع الفوقية، وهي تكاد تكون سلاحاً للخروج عن أي إطارٍ إنساني حين تكون في أيدي الطغاة… وفي ذاكرتنا- نحن السوريين مثلاً- الكثير من الأمثلة على سلوك أولئك، على حواجز الصراع في أعوام الثورة أيام كانت رعباً للنظام، حيث لا يجد الضابط الآمر حلاً لمعضلة وجود شخص أمامه يمكن أن يكون عدواً مباشراً أو مجرد إنسان عادي، فيقول لرجاله “اقتلوه” أو “احرقوه”. وفي ذاكرة العالم ومخزونه الذهني، كيف كان يمكن لدولة نازية أو فاشية أن تفعل.

وفي الهامش القريب، ربما لذلك كله، يواجه السوريون كارثة “كورونا” ببرود لافت، ليس لأنهم عاشوا ويعيشون كارثة- سلطة أخرى منذ سنوات، بل لأنهم يعرفون أيضاً كيف أن طغمتهم الحاكمة استخدمت دائماً احتمال وقوع الكوارث المستبعدة كي تبطش بهم، وفي استخدام فذلكة العواقب في الإرهاب والخيانة الوطنية لتشريع نفعية التعذيب والقتل وتبريرها. فكيف بالأمر وفي الأفق كارثة كبيرة قد تعمي أنظار الآخرين عنهم!

ولكن، سوف تقاوم الدولة الحديثة القوية أكثر وأطول، بالتحالف مع شعبها الأكثر تفهماً، وتعاطفاً، وانضباطاً ذاتياً.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني