fbpx

رسالة من تحت الوباء: هدنة مؤقّتة مع صديقٍ لَدود

كثيرونَ أوسعوكَ شتماً وذمّاً ولعناً. لكنكَ تشبهني في خصلة، أو ربما تشبهُ أناساً كثيرينَ أيضاً. واسعُ الخُلُقِ دائماً، وتضيقُ نفسكَ وتنفعل بشدّةٍ لأتفهِ الأسباب. قلَّةٌ قليلةٌ، لاذت بالصّمت والتأمُّل فيكَ، ابتغاءَ معرفتك، وما زالت تجهلكَ.

قرأتُ عنكَ الكثير. سمعتُ عنك أكثر. شاهدتُكَ قليلاً؛ حينَ كنتُ في الرابعة من عمري، وفي مراحل الشّباب أيضاً. شاهدتُكَ باسمكَ الصريّح، وفي أسماء أخرى. آخرَ مرّةٍ التقينا فيها كانت قبل أشهر. تحديداً؛ ليلة 18 آب 2019. كنتَ أنيقاً، هادئاً، صامتاً، وقوراً، وقارَ رجلٍ يحترمُ نفسهُ كثيراً. حدّقتُ في عينيكَ، تحديقَ الضَّحيّة في عينيّ قاتلهِ. كنتَ تحدِّقُ في عينيّ أخي. لم تكنْ ضيفاً ثقيلَ الظلِّ والدّم. ولم تكن مرحاً، ظريفاً، صاحبَ نهفةٍ ونكتة. لم أسعدْ بوجودكَ، ولم أحزنْ. أتيتَ لتنقذَ شخصاً من آلامهِ. وأنجزتَ مهمّتكَ بسرعة. أخذتهُ إلى حيثُ تريدُ المشيئةُ. تركتَ إرثهُ من الآلام لي. لحظتئذ، قرَّرتُ أن أحاولَ إقناعكَ بأنني صديق، ولستُ عدوّك. ليسَ تجنُّباً غضبَكَ. أعلمُ أنكَ حين تقرّرُ زيارةَ شخص، تكون الزيارةُ يتيمة. وتأخذهُ معكَ. ظَننتُ أنني عرفتكَ عن قُرب. لكن، اتضحَ لي بأنني ما زالتُ أجهلكَ. ويلزمني المزيدُ ثمّ المزيد في السعي نحو التعرّف عليكَ. ربما أدفع عمري ثمناً لذلك.

 كثيرونَ أوسعوكَ شتماً وذمّاً ولعناً. لكنكَ تشبهني في خصلة، أو ربما تشبهُ أناساً كثيرينَ أيضاً. واسعُ الخُلُقِ دائماً، وتضيقُ نفسكَ وتنفعل بشدّةٍ لأتفهِ الأسباب. قلَّةٌ قليلةٌ، لاذت بالصّمت والتأمُّل فيكَ، ابتغاءَ معرفتك، وما زالت تجهلكَ. شديدُ الوضوحِ في غموضكَ. جزيلُ الغموضِ في وضوحكَ. ذكيٌّ، ماكرٌ ولئيم. داهية، نذلٌ وخسيسٌ أحياناً. طبائعكَ من طبائعنا، أو العكس. قلّةٌ قليلةٌ أخرى، أغدقت عليكَ مديحاً وإعجاباً، ابتغاءً إنصافكَ، مرضاتكَ والنّهلَ من حكمتكَ. لكن، مرضاتكَ غايةٌ لا تُدرك. والنُّهلُ من حكمكَ صعبٌ وعسيرٌ وعويص، وليسَ مُحالاً. قريبٌ بُعدكَ مِنّي. منكَ الرّجيمُ، ومنكَ الرّحيم، أيّها المُكلَّفُ المُحلَّفُ، الصّادقُ الذي لم يُخلِف موعداً.

عبقريٌّ في عبورِ الأزمنة. عبقريٌّ في إحداث الفوضى والتّداخلِ والاشتباكِ بين الأمكنةِ والأزمنةِ. مُهندسٌ مُبدع، لا قبلهُ ولا بعدهُ، في بناءِ الاختلالِ والارتباكِ وبثِّ الاضطرابِ في الحيوات. فنانٌ عظيمٌ في صناعة الذعرِ والهلع ودفع النّاس إلى التشبّثِ بالحياة وعشقها عشقاً مازوشيّاً. تحبُّ مِهنتكَ. تبدعُ فيها. حُلفاؤكَ كُثُر. يعتبرون أنفسهم أسباباً لك. واهمون. حلفاؤكُ كُثُر، ولا شريكَ لك. أعداؤكَ كُثُر، ولا ندَّ لك. تُشبهُ ما تريدهُ، ولا شبيهَ لك. أبديٌّ وأزليّ. ولدتَ في نفسِ اللحظة التي أطلقت الحياةُ صرختها الأولى وهي تخرجُ من رحمِ الغيب. من غير المعروف لي، وللكثيرين من أحَبابكَ وأصدقائكَ، مما خُلِقت؟ وأين؟ مَن هي أمُّكَ، مَن أبوك؟ منذُ أمدٍ، أودُّ الاحتفال بعيد ميلادكَ. ولا أعرفُ إلى ذلك تاريخاً!؟ أيمكنكَ إسعافي بذلك؟

الذين يناصبوك العداءَ والكراهية، لا غنى لهم عنكَ. لا تشيخ. دائمُ التجدد، كأنَّكَ تشربُ من ماء الحياة، كل لحظة. حتّى لو شِختَ، أو أصابكَ الوهنُ والتعبُ من مهنتكَ، أو أصِبتَ بالملل والكآبة، وقدّمت استقالتكَ، طلباً للراحة والنقاهة، شخصيّاً، أرفضُ ذلك. لا بديل لكَ. كي تطلب الاستقالة أو تُحالَ على التقاعد.

عبقريٌّ في عبورِ الأزمنة. عبقريٌّ في إحداث الفوضى والتّداخلِ والاشتباكِ بين الأمكنةِ والأزمنةِ.

في ما مضى، آلمتني كثيراً. الجراح التي فتحتها، اندملت، ولم أبرأ منها. الجرحُ ليسَ بنزيفهِ. وليسَ بعمق الوشم الذي يتركهُ، حين يقرِّرُ المغادرة. الجرحُ بألمهِ الذي يبقيهِ مواصلاً حفرهُ في الذاكرة. صحيحٌ أنني كائنٌ هشّ وضعيفٌ للغاية. لكنكَ عاجزٌ عن اتخاذي عبداً. لا أزعمُ أنني شجاعٌ وقادرٌ على مواجهتكَ. لا أهابكَ، لا أخافكَ. وأنتَ مَن أنت؛ هيبتُكَ من هيبة الحياة. لن أكون عبداً لك. أحترمُكَ. أحترمُ مهنتكَ، مسؤوليّاتكَ، طبائعكَ. لستُ مُجبراً على احترامِ كلّ وسائلكَ. غايتُك واحدة ويتيمة، ووسائلكَ لا حصر لها. فيها ما لا يعجبني. وفيها ما يعجبني. ومنها ما هو في مقامِ “منزلة بين منزلتين”.

في آخر لقاءٍ جمعنا، يوم 18 أغسطس 2019، رغم أننا لم نكن في صراع أو خصام، إلاّ أننا اتفقنا على إبرام هدنة مؤقّتة. اتفقنا دون أن نتكلّم، أو نصافح بعض، أو نوقّع على وثيقة. والهدنُ عادةً تُبرمُ بين متحاربين. غادرنا الغرفة. تركنا الضحيّة وحدها، كقطعةِ من الخشب البارد المطلي بالشّمع الأصفر. قلبهُ متوقّف، وينصت لما دار بيني وبينكَ من صمتٍ مترعٍ بالكلام. كان يناجيكَ. يناشدكَ. واستجبتَ بسرعة. تركتَ كلَّ مشاغلكَ وأتيت. احترمُ فيك هذا الإخلاص وتلك الشّهامة، أيُّها المُنقذ. 

أبرمنا الهدنة وخرجنا. أبرمناها دون تفاوض. أصلاً، ماذا لدي، يمكنني أن أفاوضكَ عليهِ؟! الآن، تلك الهدنة على وشكِ الانتهاء. وها أنا أراكَ، تلوّحُ لي بيدكَ اليمنى. أنت تريدني، ولستُ مَن يريدُكَ، فتتالَ. لا بأسَ أن تزحف نحوي. وحدكَ جيشٌ لا نهاية له، يا صديقي العزيز الذي أجهلهُ، رغم التقائي بهِ، وقراءتي عنه، ومشاهداتي له، وهو يجوب البلدان والأمصار. أيّها الرحّالة المرعبُ المثيرُ للهلاك. والشّاعرُ الذي حوّلهُ حبّهُ للحياة إلى قاتل.

في ما مضى، آلمتني كثيراً. الجراح التي فتحتها، اندملت، ولم أبرأ منها.

إن شئت، يمكن أن نفتح جولة تفاوض. وإن لم يكن لديكَ وقتُ، فافعل ما شئت، أو ما أمِرتَ به. أنتَ محضُ عبدٍ مأمور. عليكَ أن تفهم بأنني لن أكون لك عبداً. فشلتُ في أن أكون لك ندّاً. ما أنا واثقٌ منهُ؛ إن قلائلاً يزيّنونَ الحياة. هم نفسهم الذين يزيّنون الموت أيضاً. يزيّنونكَ. أحبابُ الحياة وصُنّاعها، يطمعُ فيهم الموت. صُنّاعُ الموتِ لا يطمع فيهم الموت. الحياة حقّ. الموت حقّ. وبين هذين الحقّين، الذي يرثي اليوم، سيُرثى غدا. الجميلون والجميلات من أحباب الحياة، لأنهم هكذا، يحبّون الحياةَ والحياةُ تحبّهم. نراهم لا يتشبّثون بها، ولا الحياةُ تتشبّث بهم. يغادرونها، قبل أن تغادرهم. يستقبلون الموتَ، قبل أن يستقبلهم. هكذا هم دائماً؛ المُبادرون في الرّحيل عن الحياة ووداعها، والمبادرون في الترحيب بالموتِ ومعانقتهِ. الجميلون والجميلات، يضيفون إلى الموتِ قيماً جماليّةً كالتي أضافوها للحياة. هؤلاء هم رسل الحياةِ إلى الموت، ليس كي يحيى أكثر، أو يموتَ أكثر. بل كي يحاول أن يكون قنوعاً، لا ينزلقُ بهِ طمعهُ أكثر. أحسبُ نفسي من طينة هؤلاء. 

لا تستبعدني من حساباتكَ. لستُ جاهزاً لاستقبالك. ومع ذلك، أهلاً بك.

ما مِن امرئ إلاّ وكان غيباً؛ طيَّ المجهول، ودخلَ الحياةَ، رغماً عنهُ. وغادرَ الحياةَ أيضاً، طوعاً أو كرهاً، أو في منزلة بين منزلة الإكراهِ والطواعية. لكن، ما مِن امرئ غادرَ الحياةَ إلى الموت، وأضحى غيباً، طيّ المجهول، ثمّ عادَ إلى الحياة. لذا، أنتَ أيُّها الموتُ، أكثر طمعاً وبخلاً من الحياة. تأخذُ مِن الحياة ما لها. وتعطيها ما ليس لها. ومع ذلك، الجميلون والجميلات من البشر، وحدهم الذين يزيّنونَ الموت. يزيّنونكَ. حين يغدو أغلبُ أحبابي الجميلين في حوزتكَ. وتهددني بأخذِ البقيّة. أفلا تغدو بعد ذلك، وحشاً جميلاً!؟

لا تستبعدني من حساباتكَ. لستُ جاهزاً لاستقبالك. ومع ذلك، أهلاً بك. ما مَن أحدٍ دخلَ معك في معركة، إلاَّ وخسرها، ولو بعد حين. يمكنك أن تشربَ فنجان قهوةٍ معي. أو كأس نبيذ. يمكن أن تستريح قليلاً. حسناً تفعل، إذا أخذتني إلى حيثُ أخذت وتأخذُ أحبابي. سيكون في استقبالي الكثير. حسناً تفعل إن أمهلتني أكثر، ومددت الهدنة قليلاً، حتّى يشتدّ عود طفليّ. لن أتوسَّلَ إليكَ. لم أفاوض الحياةَ على كرامتي، فكيف أتفاوضُ عليها معك، يا صديقيَ اللدود.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
من مفاجآت النزاع المستجد بين أرمينيا وآذربيجان على إقليم ناغورنو كراباخ مشاركة مقاتلين سوريين في جبهات القتال… بدا الأمر بداية وكأنه أخبار زائفة لكن يبدو أن هذا ما يحدث بالفعل.

3:05

3:05

2:57

2:57
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني