دفاعاً عن حيوان البانغول: “كورونا” كجريمة ارتكبها الإنسان

اتهام البانغول بجريمة نشر فايروس "كورونا" هو تكريس حقيقي لتجهيل الفاعل الأساس وهروب من الواقع المرّ. إنّ الإنسان وحده يبقى المسؤول عن تلك المأساة وها هو يدفع الثمن غالياً.

الكوكب مقفل على ذاته حتى إشعار آخر، قد يكون إشعاراً باستئناف الإنسان جريمته المستمرّة بحق النظم البيئية والتنوّع البيولوجي. كلّ منا في حجره اليوم، ينتظر خبراً عن التوصّل إلى علاج مبدئي أو لقاح نهائي لفايروس “كورونا” الذي يهدّد حيوات ملايين البشر. حتماً سيتوصّل العلماء إلى لقاح وسيتم تسويقه وسيعود الكوكب إلى العمل، لكنّ مرحلة ما بعد “كورونا” لن تكون كما قبلها، وتلك خاصّية الجوائح ومفاعيلها منذ أوّل التاريخ.

في عملية خلقها علاقات جديدة بيئية- اجتماعية- اقتصادية، تفرض الجوائح إطارات منفلتة من الأمكنة، إرثها كميّ في استهدافها وسقفها زمنيّ. هكذا حاول جدعون هارفي في القسم الأوّل من كتابه Morbus angilcus (1666) الذي تناول مرض السلّ، أن يجد تعريفاً للمرة الأولى لكلمة “جائحة”. قرن تقريباً يفصل بين موجة الطاعون التي قضت على حوالى 50 مليون شخص في أوروبا وابتداع كلمة «pandémie». لم تظهر تلك الكلمة مجدداً إلا مع التعريفات الصادرة في قاموس “تريفو” (Trévoux) في فرنسا عام 1752، قبل أن يعاد تأطيرها عام 1783 بشكل معجمي في أشغال نوح ويبستر العبقرية التي تناولت أحوال النحو والصرف (The American Spelling Book).

بقي مصطلح “الجائحة” غامضاً ولا يحتمل شرحاً دقيقاً إلا في معنى “الوباء الذي ينتشر في مساحة جغرافية كبيرة” الذي استخدمته مجلة The Lancet الطبية الأميركية عام 1894 للحديث عن “الإنفلونزا الروسية”. ولم تتركّز الكلمة وتتبلور إلا مع موجة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، وأصبحت تشمل كل ظاهرة واسعة النطاق غير محدّدة بإطار وبائي حصراً، فأصبحنا نتحدث عن جوائح متعلقة بالتدخين وإدمان الكحول وحوادث السير.

لكنّ الخصائص الرئيسة للجوائح الوبائية ترتبط بشكل أساسي بمحددات مكانية مفتوحة أي خروجها إلى مساحات واسعة كحالة “كورونا” اليوم التي تضرب 160 بلداً أو انفلونزا الـH1N1 التي ضربت 178 بلداً عام 2009. وللجائحة خاصيّة أخرى لا تقلّ أهمية عن الجغرافيا هي القدرة على الانتشار، العدوى وديناميّتها في انتقالها بين البشر (interhumaine) كحالة متلازمة الجهاز التنفسي الحادة (SRAS) أو عبر ناقلات مثل بعوضات الزاعجة (aedes) في حالة حمّى الضنك (dengue).

تسارعت وتيرة ظهور الجوائح في الأزمنة الأخيرة، فتعرّفنا إلى الزيكا، الإيبولا، السارس، انفلونزا الطيور، ماربورغ ونيباه وأخيراً كوفيد 19، الذي لن يكون آخر الأوبئة التي ستعود لتظهر بعد سنوات بشكل أشدّ قدرة على المقاومة والانتشار. وقد بتنا نعلم اليوم العلاقة السببيّة بين فايروس الإيبولا وفعل القضاء على الغابات الاستوائية (déforestation). السيناريو الأكثر ترجيحاً يشرحه مدير الأبحاث في قسم الإيكولوجيا والأمراض الوبائية في معهد الأبحاث للتنمية (IRD) في مرسيليا: تعدّ الخفافيش في الغابات الغينية موائل طبيعية لفايروس الإيبولا، لكنّها اضطرت لمغادرة مواطنها الأصلية بفعل إزالة الغابات وإحلال المناجم، نتيجة عمليات التنقيب المستمرة عن الذهب والماس والبوكسيت التي يقوم بها الإنسان. ويضيف جان فرانسوا غيغان: تغادر الخفافيش هذه البيئة المعدّلة وتسعى إلى الحصول على الطعام فتتصل بأشجار الفاكهة (المانغو خصوصاً) في القرى وتصبح على تماس مباشر مع الإنسان. 

تسارعت وتيرة ظهور الجوائح في الأزمنة الأخيرة، فتعرّفنا إلى الزيكا، الإيبولا، السارس، انفلونزا الطيور، ماربورغ ونيباه وأخيراً كوفيد 19.

أدت زيادة الاضطرابات البيئية عبر إزالة الغابات وتطوير زراعة الكفاف للجماعات اللاجئة من الحروب الأهلية في سيراليون وليبيريا إلى الغابات الغينية ومناطق كنزيريكوري وماسنتا إلى تعرض نسبة كبيرة منهم للاحتكاك مع الخفافيش أو برازها أو بدرجة أقل مع الحيوانات التي كانت على اتصال مباشر مع الخفافيش.

مثال آخر عن الأوبئة حيوانية المنشأ (zoonose) هو فايروس الهيندرا والنيباه الذي ظهر للمرة الأولى عند خفافيش الثعلب الطائر في الجنوب الشرقي الآسيوي وفي أستراليا على طول الساحل الشرقي. يعيد العلماء أسباب ظهور الفايروس إلى محاولة الإنسان إقامة مزارع أشجار النخيل في شرق أندونيسيا، ما دفع الخفافيش كبيرة الحجم إلى مغادرة مواطنها. تتميز تلك الخفافيش بحجم كبير وبقدرة على تجاوز مسافة تتراوح بين 2000 و3000 كيلومتر للبحث عن مصادر الطعام كفاكهة المانغو والرامبوتان لذلك نراها تتوجّه بشكل رئيسي إلى ماليزيا وبنغلادش والساحل الأسترالي. إذاً، هذا الاتصال بين تلك الخفافيش والبشر ناتج عن تعدي البشر على مواطن الخفافيش بسبب الاضطرابات التي طرأت على العادات الغذائية لتلك الحيوانات.

حيوان البانغول

وقياساً على تلك الفايروسات لا يمكن الحديث عن “كورونا” من دون الإشارة إلى دور الإنسان الأساسي في ظهور هذه الجائحة. تلك ظواهر موجودة منذ العصر الحجري الحديث ولم تتوقّف عن إعادة تكرار نفسها كشكل من أشكال الفرز الطبيعي وكتردّد تلقائي لأفعال الإنسان بحق الطبيعة والنظم الإيكولوجية. ولئن اختلفت النظريات وسياقاتها حول دور الخفافيش كمسبّب رئيسي في انتشار “كورونا”، فإنّ الدراسات تؤكد عدم إمكان نقل الفايروس بشكل مباشر للإنسان، ما جعل العلماء يوجّهون الاتهام إلى حيوان وسيط ناقل للوباء هو البانغول أو آكل النمل الحرشفي الأبيض المهدد بالانقراض. والبانغول هو نوع من الثدييات المغطاة بقشور ثمينة جداً، يعمد التجار الصينيون إلى بيعه وتهريبه لما له من فائدة كبيرة في الطب الصيني التقليدي عدا عن كونه يشكّل وجبة شهية جداً لدى سكان تايوان وفيتنام والصين، ما يدفع بالصيادين للبحث عنه في الغابات، على رغم صدور قوانين تمنع صيده وتدعو إلى حفاظ عليه.

اتهام البانغول اليوم بجريمة وهمية هو تكريس حقيقي لتجهيل الفاعل الأساس وهروب من الواقع المرّ، أنّ الإنسان وحده يبقى المسؤول عن تلك المأساة وها هو يدفع الثمن غالياً.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

محمد خلف – صحافي عراقي
نجحت إيران ومنذ سنوات في التغلغل في أوروبا من دون أن تثير حساسية أجهزة استخبارات دول الاتحاد. هذا التمدد حصل في إطار استراتيجية القوة الناعمة، التي تهدف إلى تثبيت نفوذها …
سابين سلامة – صحافية لبنانية
عملياً، البحر هو المساحة التي نخزّن فيها نفاياتنا، نصب الباطون فوقها بعد فترة زمنية محددة، ننفذ “مشاريع اقتصادية” في مبانٍ حديثة لكي نبيع شققاً فخمة ذات “مناظر خلابة”، تماماً كما حصل في منطقة الضبية.
ناصر جابي – أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة الجزائر
عرف دور النقابات المستقلة صعوداً واضحاً مع بداية الحراك الشعبي في 2019 الذي غيّر جذرياً في ملامح الساحة السياسية الوطنية، عبر بروز قوى اجتماعية جديدة كالشباب والفئات الوسطى والمرأة.
وهيب معلوف – باحث لبناني في شؤون الهجرة
الدياسبورا اللبنانية بحكم وجودها وعملها في الخارج تملك القدرة لتكون أقل ارتباطاً بالنظام الطائفي في الداخل، فهل تسهم، على عتبة مئوية لبنان، في لعب دوراً “تأسيسياً” جديداً يلاقي تطلعات انتفاضة 17 تشرين أول؟
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كنا نسمع صراخها في الليل والنهار، وكان (والدها) يمنعها من الخروج، والتواصل مع صديقاتها، واقتناء هاتف محمول خاص بها.. حياتها كانت أشبه بالجحيم”.
الياس حلاس – صحافي جزائري
كان الوباء فرصة للسلطة في الجزائر لعزل كل ما اعتقدت أنه خلايا جرثومية يشكل تكاثرها خطراً على المنظومة القمعية، ولم تتوان عن استغلال الحجر الصحي لمواصلة تحييد الأصوات “النشاز”، بتشديد الرقابة…
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني