البحث عن عالم ما بعد “كورونا”… اجترار وعموميات

سيخلق "كورونا" نظاماً عالمياً جديداً، ويعيد صياغة العلاقات بين الدول ويزلزل فكرة العولمة ويبدل طبيعة العلاقات بين البشر، فـ"العالم بعد ظاهرة الوباء هو عالم آخر غير الذي سبقه.

تستسهل كتابات صحافية في صفحات الرأي والتعليق، انتقالنا إلى عالم ما بعد “كورونا”، جازمة وقاطعة أن ما بعد الفايروس ليس كما قبله. فـ”كورونا”، على ما توضح الكتابات، سيخلق نظاماً عالمياً جديداً، ويعيد صياغة العلاقات بين الدول ويزلزل فكرة العولمة ويبدل طبيعة العلاقات بين البشر، فـ”العالم بعد ظاهرة الوباء هو عالم آخر غير الذي سبقه، وهو عالم يطرح أسئلة كثيرة عن معنى الحدود ودور الدولة، وعن العولمة مقابل الانغلاق”.  وعلى رغم أن “من غير المعلوم كيف سيكون عليه الشكل الجديد للنظام العالمي”، “لكنه بالتأكيد سيكون مختلفاً عما كنا معتادين عليه في السابق، من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والعلاقات بين الدول، مع ظهور بوادر انهيار الاتحادات”. فـ”جائحة كورونا اليوم تغير شكل الحياة بالمجمل، ويمكن أن تكون مؤسساً لمرحلة تاريخية جديدة، كما كانت الحربان العالميتان مؤسستين لأنظمة عالمية جديدة، فما بعد ظهور كورونا من المؤكّد أنه لن يكون كما قبله”.

والكتابات تلك، إذ تصدر عن صحافيين مختلفين في انتماءاتهم الأيديولوجية وميولهم السياسية، فهي تتوحد على عمومية تتجنب التحديد بحجة أن “من غير المعلوم” شكل النظام العالمي الجديد، مسقطة عدداً من الاحتمالات، كانهيار العولمة والاقتصادات الموحدة وتبدل عاداتنا اليومية. وحين ذهب كاتب من هؤلاء إلى إعطاء مثال حول طبيعة النظام الما بعد كورونا، كتب: “شخص عنده كورونا عطس في غزة أو رام الله، فهل تحمي القبة الحديدية أو حتى الدعم الأميركي إسرائيل من الوباء؟ كورونا قد يجعل دولة كإسرائيل تفكر مرة ثانية أو تعيد النظر في فكرة الحدود وحل الدولتين وعلاقتها بالشعب الفلسطيني. الفلسطينيون أيضاً سيعيدون التفكير، فأي المستشفيات أقرب إليهم وأكثر جدية في علاج الأوبئة، هل هي في مصر والأردن أم في إسرائيل؟”.

ولعل المثال الكاريكاتوري الذي سجله الكاتب، لو وُضع أمام خلطة الاحتمالات الممكنة لتغير العالم سيكشف زيف الأخيرة والتي تستخدم لخلق سيناريو توقعياً إذا ما اختبر على أرض الواقع سينتج المثال الذي سبق ذكره. عدا عن أن الاحتمالات التي يستند إليها الكتاب قابلة للتحقق من دون “كورونا” فـ”صعود الصين”، توازياً مع “الأحزاب اليمنية في أوروبا”، حصل فعلاً، ويتواصل قبل انتشار “الفيروس” وخلاله.

جائحة “كورونا” اليوم تغير شكل الحياة بالمجمل، ويمكن أن تكون مؤسساً لمرحلة تاريخية جديدة.

الأرجح أن استعجال البحث عن عالم ما بعد “كورونا”، هو هروب من الحدث نفسه، بمعنى ضعف أدوات التعامل معه، ليغدو الحل القفز إلى احتمالات معروفة ومتداولة مثل العولمة والحدود والعلاقات بين الدول. والمفارقة، أن هذه الاحتمالات كانت ترد بشكل يومي في الكتابات الصحافية مع كل حدث وواقعة، ما يجعل نص الاستشراف، الذي يتسابق الكتاب على تدبيجه، فعل اجترار لما اعتادت عقولنا على تلقيه.

ثمة هروب إذاً من الحدث لاستشراف ما سينتجه من تغيرات، لكن باحتمالات سابقة عايشنا الكثير من تفاصيلها من دون وجود الفايروس. والبقاء مع الحدث لتلمس تأثيره الحالي من دون تنبؤات، ربما، يسير بالضد من توقعات التغيير الشامل، فالعالم بكل قواه ظهر بشكل مستوٍ بلا تمايزات، ذاك أن الدول بمختلف توجهاتها وطبيعة الأنظمة فيها اتخذت ذات الإجراءات ضد “كورونا”، من حجر وإغلاق ومنع تجوال وسط تسابق على انتاج اللقاح والبحث عن علاج يخفف وقع الكارثة. استواء العالم في التعاطي مع المستجد الفايروسي ينفي احتمال تبّدله أو أقله تبّدل مراكز القوى الفاعلة فيه. صحيح أن هذه الأخيرة ضعفت وأصابها الوهن، فتعطلت السياسة وحركة الاقتصاد وتنقل البشر، لكن هذا أصاب الجميع، والخروج منه يقتضي بالضرورة تعاون الجميع. بمعنى آخر، القوى التي تضررت ستترسخ أكثر وتتشابك لتجاوز تداعيات ما حصل على جميع المستويات.

والبقاء مع الحدث كذلك، يظهر أن تداعيات الأزمة لا تسير باتجاه واحد، بل باتجاهات متضاربة، فالعولمة مثلاً انتهت بحسب وقائع التخلي والأنانية بين الدول، واستمرت بحسب وقائع التعاون وتقديم المساعدات بين دول أخرى. كذلك “نجاح” الصين التوتاليتارية في احتواء الفايروس، قابله نجاح كوريا الجنوبية الديموقراطية. بمعنى أن ما يحصل قد ينتج توتراً في العالم من دون أن يصل إلى حدّ التبدل، على ما تجزم الكتابات التي أصبحت موضة في الصحافة العربية.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني