كل شيء معقّم!

أفكّر في اليوم الذي قد لا أفكّر فيه بتعقيم يديّ قبل معانقة أحد وبعدها... أظنّ أنني بدأت أصاب بتروما "كورونا".

أفكّر وأنا أشاهد فيلماً على “نتفلكس” في الممثلين. أستغرب كيف لا يحفظون مسافة مترين بين ممثل وآخر، وكيف يقتربون من بعضهم بعضاً براحة ورشاقة بلا خوف أو تردد. هل عقّموا أيديهم بعد السلام وقبله؟ هل وضعوا ما يكفي من “الكلوروكس” حيث يجلسون وحيث يتنفّسون وحيث يضعون أيديهم أو يمرّون بأحذيتهم؟ هل أحدهم مصاب بـ”كورونا”؟ هل أجروا الفحص؟ وكيف يجرؤون على تبادل القبل والحب بسلام؟

أظنّ أنني بدأت أصاب بتروما “كورونا”. أمرّ على “فايسبوك”، فأقرأ ما كتبته صديقة مغربية عن تجربتها مع الأفلام في أيام التعقيم هذه، لقد كتبت ما كنت أفكّر فيه تماماً. يبدو أنها “تروما” عامّة.

أفكّر في الأفلام التي قد يصنعها جيل “كورونا” وبالحذر الشديد الذي بات يفتك بالعواطف والعلاقات والجلسات. ربما سيكون صعباً أن نخرج من أوكارنا المعقّمة هذه، لنستعيد وجداننا ولهفتنا على الآخرين. ربما سنعاني قبل أن نستطيع تقبيل أصدقائنا بعد أن ينتهي هذا كله. ربما سنفكّر مليون مرة قبل أن نوافق على احتساء الشاي مع زميل، أو دعوة صديقة إلى تناول العشاء.

أفكّر في اليوم الذي سأقابل فيه العالم بلا أدوات تعقيم. جميعنا الآن عمّال تعقيم. حتى حين يزورنا أحد إخوتي، نحفظ مسافة أمان بيننا، ويكون على المقبل إلينا أن يخلع حذاءه وسترته خارجاً، ويهرول إلى غسل يديه جيداً بالصابون، قبل أن ينظر إلينا حتى. لا نقترب من بعضنا بعضاً، والسلامات ممنوعة ومؤلمة. وضعنا عند الباب معقمات متنوعة، للأيدي والأسطح والهواء. أشعر بالخوف من إخوتي حتى، أصبحنا نرى الناس على شكل فايروس، ونعاملهم على هذا الأساس. جميعنا مجنّدون للقضاء على الفايروس. وهو أصبح عملنا اليومي في هذا الضجر الكثيف والخوف المطلق. وحين يغادر الزائر بعد جلوس لا يطول أكثر من نصف ساعة، ننشغل في حملة تعقيم نشطة. سألتني أختي قبل أيام: “أيمتا رح إعبطك؟”. شعرت برغبة قاتلة بمعانقتها، لكنني لم أفعل طبعاً. تجسّد الفايروس أمامي فارتعبت.

أفكّر في اليوم الذي سأقابل فيه العالم بلا أدوات تعقيم. جميعنا الآن عمّال تعقيم.

كل شيء معقّم. حتى الفاكهة والخضار وأكياس الفستق والكعك والخبز تبقى على طاولة خارجية، بانتظار التعقيم والتطهير. الحب والمشاعر والقبل والمصافحات والثياب والأحذية والأنفاس والطناجر وأكواب الحليب والقهوة والأطعمة، كلها معقّمة. رائحة التعقيم تفوح من كل صوب.

حتى يوم قررت أن أفعل شيئاً وأصنع “سوشي” في البيت وسط هذا الحجر، لم أستطع أن أدعو ابن أختي إلى الطبق الذي يحبّه. شعرت بأنني خالة شرّيرة. سلّمته حصّته عن الباب وطلبت منه المغادرة والاعتناء بنفسه. وقد فطر قلبي حين وصلتني رسالة منه يمدح فيها مواهبي في الطبخ ويشكرني.

أفكّر في اليوم الذي قد لا أفكّر فيه بتعقيم يديّ قبل معانقة أحد وبعدها. أفكّر بأنني بعد “كورونا” قد لا أجد وقتاً لتحضير “السوشي” ودعوة ابن أختي لنستمتع معاً، وأعتذر منه على خوفي وسرسبتي في المرة الفائتة. ونضحك معاً من “كورونا” الرهيب الذي رحل إلى غير رجعة.

تطلّ جارتي وتدعوني إليها. أقول لها إنني ربّما مصابة بـ”كورونا”. نضحك قليلاً، ثمّ تهمس ريتا: “وأنا أيضاً”. بعدها تلتقي أمي الجارة ذاتها ومن دون قصد تتصافحان مع قبلة عفوية، وجدتني أصرخ بهما: “توقّفا!”.

أمي تحضر القداس على التلفزيون، لأن الكنيسة مقفلة، ربما يكون حرمان أمي من قداسها اليومي أشدّ أنواع الحرمان بالنسبة إليها. إلا أنها تحاول التعويض، تبخّر البيت والحيّ كل يوم وتضيء شمعة بعد تعقيمها وتعقيم يديها، حتى أننا أحياناً نجتمع للصلاة من أجل البشرية مساءً. لا نملك الكثير لنواجه به زمن التعقيم هذا.

كل شيء معقّم. حتى الفاكهة والخضار وأكياس الفستق والكعك والخبز تبقى على طاولة خارجية، بانتظار التعقيم والتطهير.

أخاف كثيراً على والديّ المسنين، أتبرّع بالذهاب إلى التبضّع بعد وضع قفازين وكمامة. أذهب كالمجنونة وأعود بمزيد من الجنون. أرتعب من الناس، من التجمعات في محل البقالة والسوبرماركت، أبدو كهاربة من وجه العدالة أو وجه الفايروس وأنا أنسلّ بين الناس باحثة عن مسافة أمان وأنا أشتري الخضار والحاجيات الضرورية. وحين أعود أهرول لوضع ملابسي جانباً والاستحمام مباشرة كأنني موبوءة. 

نلجأ إلى اللقاء عبر تطبيقات فيديو افتراضية، نحن وإخوتي، حتى نخفف من وقع العزلة. لكننا غالباً ما لا نجد حديثاً سوى “كورونا” وعدد الإصابات، وننهال كلنا على أختي بالتنبيهات لأنها ممرّضة في أحد مستشفيات بروكسيل، وقد طُلب منها أن تترك وظيفتها الإدارية لتنضمّ إلى الطاقم الطبي. 

يداي تعانيان جفافاً مزمناً بسبب كثرة التعقيم، وأظنّ أن البشرية المترقبة حدث إيجاد دواء ولقاح لـ”كورونا”، ستكون على موعد مع نقص جماعي في المناعة بسبب كثرة التعقيم والنظافة المفرطة. إنها فكرة مفجعة! هل ننتهي من “كورونا” لننسل في دوامة نقص جماعي في المناعة؟ 

كابوس، إنه كابوس!

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

خالد منصور- كاتب مصري
يظهر لنا الغضب في مينيابوليس ومدن أميركية أخرى من جديد عمق العداء المتفشي للسود. هذه الخصومة العميقة تنبع من قلب الاجتماع الأميركي بل كانت عاملاً مؤسساً للولايات المتحدة حيث السود لم يصبحوا أبداً من البشر!
نور يوسف – صحافية لبنانية
“اللبناني بلبنان مذلول وحالياً عم ينذل برا”. بهذه العبارة اختصر الطالب حسن حديد الوضع المأساوي الذي يعيشه طلاب لبنانيون في الخارج في ظل جائحة “كورونا” والوضع الاقتصادي السيئ
ربيع فخري – باحث في علم الاجتماع
شكّل حديث المفتي الجعفري الممتاز عن نهاية صلاحية الميثاق الوطني عنواناً رئيساً لاستقراء معالم المرحلة المقبلة من الرسائل الحامية بين مكونات السلطة في لبنان.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
من نكد الدهر أن يُطرح قانون العفو العام في البرلمان اللبناني قبل طرح قضية استقلالية القضاء وقبل رفع أيدي الزعماء السياسيين عن المحاكمات.
نصري حجاج – سينمائي فلسطيني
لماذا كرهنا صورة المطران كبوتشي التي قدمها المسلسل الرمضاني “حارس القدس” من إنتاج فريق من الناس الذين لا يشبهوننا ولا يشبهون صورة المطران الأيقونية القديمة؟ لا بل يكرهونها كما ثبتت في ضمائر محبيه وأرادوا أن يحطموها لتليق باللحظة الراهنة…
إيلي عبدو – صحافي سوري
يحار المتضامن مع الصحافي المغربي سليمان الريسوني، كيف يصوغ تضامنه من دون أن يشوب هذا الموقف ظلماً لطرف ثان. فرئيس تحرير “أخبار اليوم”، المعروف بمقالاته الناقدة للسلطة في بلاده، اتهمه مثلي باغتصابه …
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني