من إيخمان إلى عامر الفاخوري

لا ترتقي ارتكابات الفاخوري للهولوكوست ولكنه يتساوى مع إيخمان بكونه هرب من ضحاياه وتنكّر لأفعاله متذرعاً بكونه عبد مأمور، ويتمايز بأنه حصل على فرصة قتل ضحاياه وتعذيبهم مرة في المعتقل ومرة في الهروب ومرة في العودة
ادولف ايخمان خلال محاكمته

في 11 أيار/ مايو 1960، وبعد 12 عاماً على “تأسيس إسرائيل”، تمكنت مجموعة من الجهاز السرّي للموساد من خطف أدولف إيخمان النازي المسؤول الأول عن ترحيل ملايين اليهود الأوروبيين وتجميعهم في مخيمات الاعتقال، تمهيداً لما عُرف لاحقاً بالهولوكوست. كانت تصفيته في منفاه في الأرجنتين الخيار الأسهل، بخاصة أن معظم أفراد مجموعة الكومندوس كانوا ممن فقدوا معظم أفراد عائلاتهم في المحرقة. إلا أن ما حال دون ذلك، حاجة الكيان الوليد إلى إظهار نفسه بمظهر الدولة المدنية التي تسعى إلى تحقيق العدالة بعيداً من العقلية الثأرية. جُلِب إيخمان للمحاكمة أمام محكمة إسرائيلية وقُدمَت شهادات مئات الناجين والناجيات من الجحيم الذي صنعه. كان الفعل أمنياً بحتاً لكن الهدف سياسي بامتياز. عملياً سعى الكيان الإسرائيلي وبعد نحو العقد والنيف على انتهاء الحرب العالمية الثانية من إعادة تذكير العالم الذي مضى سريعاً في عملية إعادة الاعمار بأنه في هذه البقعة من الأرض، ذات الإشكالية الكبرى، هناك من لم ينسَ عذابات ضحاياه وما زال يسعى للعدالة، بعيداً من عقلية الثأر التي حكمت رد الفعل الأولي بُعيد انتهاء الحرب. لكنها أيضاً سعت إلى تحويل محاكمة إيخمان استعراضاً للبنيان الحقوقي المدني للدولة الناشئة، بعيداً من مرويات العصابات المؤسسة للكيان على أرض فلسطين والمظلومية الفلسطينية الآخذة في التشكّل.

بعد 7 عقود ومع الكثير من التحولات والتغيرات، عاد جلّاد لبنان عامر الياس الفاخوري، المسؤول المباشر عن معتقل الخيام والمتهم بممارسة أبشع جرائم التعذيب والقتل، لمصلحة إسرائيل في لبنان، بحق المقاومين والأبرياء من الجنوبيين، زائراً وليس مخفوراً مكللاً بصور جمعته بقيادات لبنانية رسمية وحزبية في مناسبات جرت في الخارج. 

لم ترسل الدولة اللبنانية فريق كومندوس لاستعادة جلّاد أبنائها ولم تقرر حتى معاقبته أو مسآلته. لا بل على العكس، عاد مزهواًّ بوعد “وطني” و”حر” تعهد له بعدم التعرض بعدما تم تنظيف سجله وإبطال الملاحقات بحقه. بالتأكيد قد لا ترتقي ارتكابات الفاخوري للهولوكوست ولكنه يتساوى مع إيخمان بكونه هرب من ضحاياه وتنكّر لأفعاله متذرعاً بكونه عبد مأمور، ويتمايز بأنه حصل على فرصة قتل ضحاياه وتعذيبهم مرة في المعتقل ومرة في الهروب ومرة في العودة ومرة أخيرة بالخروج من لبنان من دون محاكمة.

لكن اللافت هو ما لم تتعلمه الدولة اللبنانية من عدوها اللدود، فهي لليوم وفي مئويتها لا تزال محجورة في قبضة أمراء الحرب والعقلية الثأرية عاجزة عن القيام بما نجحت فيه إسرائيل ولو صورياً عام 1962 (تاريخ إعدام إيخمان) وهو الانتقال نحو الدولة المدنية السيّدة المحافظة على مصالح المنتمين إليها ولو صورياً وعلى رغم بنيانها العنصري. 

 لكن ما لم يقله سياسيو لبنان، الممانعون منهم على الأقل، هو ماذا يفعلون في دولة نصفها راضخ للإرادة الأميركية كما يقولون؟ وما ثمن تحليل المساكنة الحرام مع النصف الأميركي من الدولة (بحسب تصنيفهم)؟

هكذا دخل الفاخوري إلى لبنان بتسوية وأُخرج منه بأخرى، وفي الحالتين تنصلت الأطراف السياسية مجتمعةً من المسؤولية ورُميت التهمة على الدولة وأجهزتها المرهقة بالمحاصصات السلطوية والحزبية. ومع مغادرة الفاخوري الأراضي اللبنانية أضيفت الضغوط الأميركية القاهرة وسيف العقوبات، فيما يبرر رضوخ الدولة وتنحيتها سيادتها تفادياً لما هو أعظم. 

 لكن ما لم يقله سياسيو لبنان، الممانعون منهم على الأقل، هو ماذا يفعلون في دولة نصفها راضخ للإرادة الأميركية كما يقولون؟ وما ثمن تحليل المساكنة الحرام مع النصف الأميركي من الدولة (بحسب تصنيفهم)؟ لكن يبقى أبرز ما تمكن ملاحظته في المشهد ككل؛ هو أن دولة أعاد بناؤها أمراء حرب وتجار ومرابون على أنقاض حيوات 17 ألف مخطوف لبناني مجهولي المصير، على رغم مرور ثلاثة عقود من عمر جمهورية الطائف، هذه الدولة لا يمكنها أن تحاكم الفاخوري بتهمة ارتكاب جرائم حرب. هكذا هو المنطق، فكما أن إيخمان لا يمكنه أن يحاكم إيخمان؛ هكذا الفاخوري لا تمكن محاكمته كمجرم حرب من قبل فاخوريي جمهورية الطائف محدودة السيادة. 

لكن تبقى الإشارة اللغز في تأكيد “حزب الله”، عبر أمينه العام، على اقتصار علمه بالقضية من وسائل الإعلام. فإذا أسأنا الظن، سنقول إن الحزب الأكبر والأقوى والأكثر تنظيماً ووجوداً وقوة داخل لبنان وخارجه، يتنصل بكاريكاتورية غير معهودة من تسوية أفضت الى خروج الفاخوري من لبنان في الشكل الذي حصل. 

وإذا أحسنّا الظن سنقول إن الحزب صادقٌ في بيانه وأنه حقيقة لم يعلم بالقضية الأبرز في لبنان والتي تعنيه بالدرجة الأولى، إلا عبر التلفزيون، حتى أن أمينه العام ذا الشخصية المعنوية العابرة للحدود والجنسيات وقلوب الجماهير، قال إن من نكد الدهر عليه أن يخرج لتبرير موقف الحزب من قضية الفاخوري. 

في الحالتين هناك مشكلة، في الأولى نحن أمام “فائض قوة” لا يمكن صرفه داخلياً إلا على المتظاهرين العُزل السلميين الخارجين ضد ظلم السلطة وفي الحالة الثانية نحن أمام سيناريو “في شي أكبر مني ومنك”، معكوس بمعنى أن إخراج الفاخوري بهذا الشكل إنما يعبر عن تسوية ما حصلت على مستوى أعلى من الحزب اللبناني النواة والإقليميّ الامتداد، وهكذا يحمل الخطاب الأخير للأمين العام رسائل لداخله الخارجي أكثر منها للبنانيين وجمهوره وبيئته الصديقة التي لربما كانت كبش محرقة. 

إلا أننا وكمتابعين لشؤون الشرق الأوسط لا يمكننا إلا أن نلاحظ الترابط الزمني والجيوبوليتيكي لما نشاهده عبر شاشات التلفزيون، من تهريب الفاخوري ذات صباح، والإفراج عن المواطن الأميركي المحتجز في إيران والمفاوضات حول مبادلة مواطنين فرنسيين بعالم نووي إيراني محتجز في فرنسا وحديث غير موثوق عن التباحث في احتمال الإفراج عن المواطن الأميركي المحتجز في سوريا. 

في المحصلة كانت محاكمة إيخمان محاولة لتكريس انتقال الكيان من دولة العصابات المسلّحة التي لا تحكمها سوى غريزة البقاء والعقلية الثأرية إلى دولة “مدنية” تقوم فيها الأجهزة الأمنية (العصابات سابقاً) بدورها التقني البحت، في أي مكان من العالم، في مسار قضائي مدني يسعى إلى إحقاق العدالة لمواطنيه. 

وأتت محاكمة الفاخوري لتعلن استمرار سقوط الدولة المدنية في لبنان لمصلحة دولة العصابات التي لا يمكن لها أن تأتي بالعدالة لمواطنيها المنتمين لها ولو على اراضيها. فتاريخ إسرائيل الدموي منذ تأسيسها كان دوماً موجهاً إلى الخارج أكثر منه إلى الداخل. الدولة التي أصبحت يهودية الانتماء بحسب التعديل الدستوري الأخير، لا يوجد فيها من ارتكب مجازر بحق يهود، أما السلطة اللبنانية التي قامت على تقاطع المصالح بين أمراء الحرب والمرابين والتجار تعج بمن تلطخت أيديهم بدماء اللبنانيين وغابت عنها العدالة الانتقالية، فلا يمكنها الانتقال من العدالة الثأرية إلى عدالة الدولة المدنية الكاملة السيادة. 

 أنريد العدالة؟ فلنسقِط جمهورية امراء الحرب.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني