الخوف من الموت خوفًا

أجد نفسي وحيدًا في خضمّ حفلة الجنون هذه، لا شيء واضح سوى الخوف. حتّى أنّ القطط في الشوارع تبدو مرعوبة من الهدوء الذي هبط عليها فجأة. ليست المشكلة في اعترافنا بخوفنا، بل إنّه حاجة أساسيّة للعبور. المشكلة تكمن في تطبيعنا معه بهذه السهولة

“هل هزمكِ الخوف أم أخافتكِ الهزائم؟ أم أنّ الموت والحياة يتعريّان بلا حياء ويتضاجعان على فراشكِ وأنتِ بلا حول ولا قوّة تراقبين. وتصرخين بلا صوت. تقولين هذه كلّها أوهام”. 
لا تفارق رأسي كلمات رضوى عاشور في روايتها “أطياف” منذ أن بدأ هذا الكابوس، أكرّرها في قلبي كلّما سألني أحدهم “كيفك؟” متعجّبًا من دقّة وصفها وجماله. لستُ بخير، كلّنا لسنا بخير. نكتفي بالترقّب والانتظار بلا حول ولا قوّة لحدوث شيء ما لا يد لنا في حدوثه لمعالجة مصيبة لا يد لنا فيها أيضًا. نصحو كلّ يوم متأملّين أن يكون كلّ هذا مجرّد حلم سمج سينتهي. فيروس دخيل خرج من مدينة صينيّة ليحتلّ الأرض ويجبر البشريّة جمعاء على الركوع أمامه، السيناريو الهوليوودي المبتذل نفسه. لكن ما أن تظهر على الطاولة أمامنا زجاجة السائل المعقّم البشعة وجعبة الكفوف حتّى يخيب أملنا ونعرف أنّ هذا كلّه لم يكن حلمًا ولا فيلم خيال علميّ. إنّها الحقيقة الأكثر جلاء في العالم اليوم، مع كلّ سرياليّتها. إنّها الكورونا.

متى أصبحت الحياة هكذا فجأة وكيف اعتدنا عليها بهذه السرعة القياسية؟! صار كلّ شيء خارج باب بيتنا مخيفًا وخطرًا، كلّ شخص آخر هو تهديد مباشر لحياتنا وحياة من نتقاسم معهنّ مسكننا. العالم نفسه الذي كان يطلق علينا أسماء غريبة مثل الانطوائيين والمنعزلين المضطربين وضحايا الوحدة لأننا نفضّل العيش في عالم بنيناه في غرفنا على العيش في عالم مجنون بناه النظام في الخارج، صار يدعونا اليوم للبقاء في البيوت بالقوة تحت طائلة دفع الغرامات المالية في حال المخالفة! 

حتمًا لا أريد حياة مرعبة كهذه، ولكنّني في الوقت نفسه لا أريد ميتة كهذه. لا أقصد الموت بالفيروس، بل أقصد الموت خوفًا. رعبنا يكبر رويدًا رويدًا دون أن نشعر ويلتفّ على أعناقنا ليخنقنا. من منّا يريد ميتة كهذه؟

اعتدنا فجأة على مستوى عالٍ من الخوف حتّى صرنا ننظّر به ونفتخر بتفاصيله. لا نلمس أي انسان، نُخضع كلّ غرض قادم من خارج البيت ولو كان بحجم قشّة إلى جلسة تعقيم دقيقة. لا نرى احبابنا، وإن اضطررنا لرؤيتهم لسبب ما نترك بيننا وبينهم مسافة أمان لأننا نشكّل تهديدًا لبعضنا البعض ببساطة. تطبّعنا فجأة على الخوف حتّى صار أسلوب حياتنا الجديد، الذي سيستمرّ ربّما إلى الأبد.

لماذا يحدث كلّ ذلك؟ لا أعرف. لماذا أكتب كلّ هذا أساسًا إن كنت لا أعرف؟ لا أعرف أيضًا. أشعر أنني ممثّل ثانويّ بديل عن ممثّل ثانويّ في فيلم لن يشاهده أحد. أكتفي بعدّ الأموات والدقائق. لا أقتنع بكلّ الخزعبلات التي تملأ صفحات الأرواح الحرّة عن انتقام الطبيعة الأمّ من الإنسان المتوحّش وطحن جبروته بفيروس لا يُرى، أجدها لا تختلف في جوهرها عن الخطاب الديني الذي يروّج لانتقام السماء من الإنسان لشدّة كفره وفسقه وابتعاده عن دينه. وأخيرًا التقى عشّاق الشجر الباكي في الغابة مع عشّاق الشجر المحروق في جهنّم أنّ ما يحدث هو يوم القيامة ونهاية البشريّة. لا أتابع قراءة أي نصّ يحمل في عنوانه كشف المؤامرة الخفيّة خلف الفيروس (هي مؤامرة أمريكيّة في إيران والصين، كما أنّها مؤامرة روسيّة – صينيّة في الولايات المتحدّة الأمريكيّة، ومؤامرة ضدّ الشيعة في حارة حريك…) 

لديّ ما يكفيني من المؤامرات في رأسي ذاتًا. من تبقّى لي أخيرًا؟ ذلك الخبير الذكي الذي يقارن أعداد ضحايا فيروس كورونا بأعداد ضحايا الانفلونزا الموسميّة والأمراض المزمنة ليخبرنا أنّ ما يحدث كلّه تهويل إعلام وحكومات وأنّ الكورونا مرض عاديّ جديد سنعتاد عليه. من قال إننا بحاجة مرض عاديّ آخر أساسًا لنعتاد عليه؟ 

أجد نفسي وحيدًا في خضمّ حفلة الجنون هذه، لا شيء واضح سوى الخوف. حتّى أنّ القطط في الشوارع تبدو مرعوبة من الهدوء الذي هبط عليها فجأة. ليست المشكلة في اعترافنا بخوفنا، بل إنّه حاجة أساسيّة للعبور. المشكلة تكمن في تطبيعنا معه بهذه السهولة، بتكيّفنا السريع مع روتين الرعب الدائم مع كل شهيق وزفير. 

حتمًا لا أريد حياة مرعبة كهذه، ولكنّني في الوقت نفسه لا أريد ميتة كهذه. لا أقصد الموت بالفيروس، بل أقصد الموت خوفًا. رعبنا يكبر رويدًا رويدًا دون أن نشعر ويلتفّ على أعناقنا ليخنقنا. من منّا يريد ميتة كهذه؟

الخوف في الغربة يأتي مضاعف دائمًا، كأنّ روحي مشتّتة بين أرضين منكوبتين. أخاف على نفسي حيث أعيش هنا بعيدًا عن أهلي، وأخاف عليهم هناك حيث تركتهم في بلد ينهش لحمهم أحياء. أقضي نهاري متفحّصًا آخر تطوّرات الفيروس واحصاءاته هنا وهناك، أشاهد صور الشوارع والساحات الفارغة هنا وهناك، أضطرّ للإصغاء إلى خطاب وزير الصحّة هنا وهناك، مثل مريض بحاجة ماسّة إلى أيّ أمل كان. 

أتصّل بأمّي للاطمئنان، هذه التنهيدة التي تسبق الألو منها كأنّها تنزل في قلبي. كنت ألعن الدولة في السابق، ألعن النظام، ألعن العائلة ونفسي… لكن من سألعن الآن؟ مشكلتي اليوم مع من تقع تحديدًا؟ “كيفك ماما؟” تسألني، “أووه!! غير شكل” أجيبها. أُخبرها عن فرحتنا بالانتقال إلى بيتنا الجديد، عن البراد وفرن الغاز وتفريغ الصناديق، عن القطط وفرحتهم بالشبابيك، أخبرها عن الطقس والأصدقاء والعمل… أخبرها عن كلّ شيء إلّا عن خوفي، عن الرعب الذي يغلي تحت قلبي كالنار تحت الرماد مع كلّ ثانية إضافيّة في هذا الكابوس.

سأستمرّ بتكرار مقولة أنّ هذا كلّ سيمرّ، شدّة وبتزول. سأستمرّ بمقاومة هذا الخوف الهائل ومنعه من خنقي. سأستمرّ بالتفكير كلّ ليلة قبل أن أغمض عينيّ في فراشي أنّني سأستيقظ وأخبر ميرا صباحًا عن كابوسي المزعج حول فيروس احتلّ العالم وركّع البشريّة. عن موت وحياة تعريّا بلا حياء وتضاجعا على فراشي وأنا بلا حول ولا قوّة أراقب. أصرخ بلا صوت. أقول هذه كلّها أوهام.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
يُوكّد بولسونارو في تصريحاته دائماً أن قدوته في الحكم هو ترامب، فالأخير هو أستاذه الذي يستقي منه فن الجنون السياسي والانحياز للمصلحة لا المواطن. والمخيف حقاً في ذلك، هو أن يتفوّق التلميذ على أستاذه، كما يحصل أحياناً بدافع رغبةٍ لا واعية لدى التلميذ لإثبات الذات.
“درج”
يبدو أن فايروس “كورونا” بات جزءاً من حياة الشعوب، و”الغرافيتي” سيتوثّق ذلك…
علاء رشيدي – كاتب سوري
وكأن الجسد ممنوع من استخلاص هويته عبر تجربته الشخصية بل عليه اللهاث وراء كمال غير حقيقي أصلاً، وغير موجود في الزمن الدنيوي…
وردة بوضاهر – أخصائية نفسية لبنانية
كثيرون يناقشون فكرة أن هذه الجائحة علمتهم درساً في الحياة بأن يقدروا النعم الممنوحة لهم وأن يزدادوا قوة. فهل هذه استجابة ممكنة للصدمة؟
“درج”
دار سجالاً بين الأفراد والحكومات، هل الأولوية للاقتصاد أم للحفاظ على الأرواح؟
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
العمل عن بُعد هو تحدٍ كبير يتطلب إرادة والتزام، وهنا بعض النصائح والإرشادات لتحقيق الإنتاجية المطلوبة أثناء العمل من المنزل.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني