fbpx

مصر: “الوشايات الأمنية” وراء ترحيل بيسان عدوان وتهديد “دار ابن رشد”

بسبب الوشايات بدأت الدولة المصرية فتح" ملفي السياسي الذي أفتخر به- فأنا مشاركة في ثورة يناير وعضوة في حركة "كفاية" ونشيطة مثلي مثل المصريين، لأنني أعتبر مصر بلدي وبلد أجدادي ولست فلسطينية وحسب".

اقتبست الناشرة بيسان عدوان في تعريفها بنفسها على حسابها الشخصي على “فايسبوك”، جملة الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني “الوطن ليس شرطاً أن يكون أرضاً كبيرة، فقد يكون مساحة صغيرة حدودها كتفان”. 

بدا هذا الاقتباس ملخصاً للحالة التي تعيشها عدوان بين مصر وغزة، وهي حالة تشبه وضع غالبية الفلسطينيين في الشتات، في البحث عن وطن مراوغ طوال الوقت، حتى إن تماهوا مع فكرة أن يكون الوطن هو حدود ذواتهم، إلا أن هذه الذوات أصبحت هي الأخرى مهددة ومسلوبة، مثل الأرض.

والأحداث في حياة الفلسطينية عدوان يصعب تجاهلها لحساب الحدث الأبرز، لأن أحداثاً بارزة كثيرة في حياتها ارتبطت بأوضاع سياسية ومسائل فكرية وأحداث إقليمية ضخمة، حفرت مسارات واضحة في حياتها وشخصيتها، لكن على مستوى الحدث –الأحدث- كان ترحيلها السياسي الفوري عن مصر أخيراً، بعد عقود من الإقامة فيها، مفجعاً واتسم بالغموض والتكتم. 

فهي التي ارتبطت بمصر وعاشت فيها منذ طفولتها إذ كبرت وتعلمت وانشأت دار ابن رشد للنشر والطباعة وكانت جزءا من الحركة الثقافية السياسية في مصر وجدت نفسها فجأة تساق الى التحقيق ومن ثمّ ترحل خارج البلاد.

تواصلنا مع عدوان على مدار أيام بعدما تم ترحيلها من مصر إلى تركيا، وبعدما خف تأثير الصدمة قليلاً عليها. روت لنا القصة الكاملة، والتي يمكن إيجازها في جمل مختصرة وهي، “الوشاية الأمنية داخل الوسط الثقافي المصري ضخمة وخطيرة وتصفية الحسابات قد تصل إلى ترحيل الخصوم”.

تعتبر عدوان أن المجتمع المصري استوعب الفلسطينيين بمحبة على عكس التنمر السياسي ضدهم

البداية 2019

سردت عدوان لـ”درج” بدايات الأزمة وقالت: “المشكلات كلها ظهرت عام 2019، إنذارات وتهديدات على وسائل التواصل الاجتماعي، ومكالمات تهددني بالترحيل عن مصر، بعدما أصدرت دار ابن رشد التي أملكها مع مجموعة من الورثة كتابين أثارا جدلاً كبيراً، وسعة واضحة في المبيعات، وهما كتاب “قبل تشييع الجنازة” لسعد القرش، وكتاب” أرواح على الهامش” لخيري حسن. كتاب سعد القرش يتناول مسألة موت الصحافة المصرية وعسكرة المؤسسات الصحافية وأزمة الورق والشللية داخل المؤسسات، ورؤساء التحرير وعلاقتهم مع الدولة. وهذا الكتاب أحدث ضجة كبيرة لدرجة أن رئيس اتحاد الناشرين المصريين اتصل بي وطلب مني نسخة من الكتاب بطريقة غريبة، تعني أن ثمة أشخاصاً من جهات أمنية يسألون عن هذا الكتاب. وقال لي بطريقة استنكارية، إلى أين أنت ذاهبة بهذه الاصدارات؟ بمعنى أنني بالفعل دخلت عش الدبابير بسبب إصداري هذا الكتاب”.

وتتابع: “ثم جاء إصدار كتاب “أرواح على الهامش” الذي أحدث ضجة كبيرة وهو عبارة عن تحقيقات صحافية تبحث عن أولئك المهمشين الذي تم وأد تجاربهم وتضييق الخناق عليهم وعلى إبداعهم، نتيجة عدم ارتباطهم بالدولة وبسبب أرائهم السياسية والفكرية، مثل الشاعر زكي عمر، وهو شاعر من شعراء اليسار المصري في مدينة المنصورة والكاتب الحقيقي لأغنية “مدد مدد شدي حيلك يا بلد”. والكتاب يثبت بالمستندات أن أغنية “مدد” سُرقت ملكيتها لمصلحة الشاعر إبراهيم رضوان، وتم تهميش زكي عمر عمداً لأسباب كثيرة أغلبها سياسية. هذا الكشف بالطبع أغضب الشاعر إبراهيم رضوان ونفاه، وبدلاً من أن يتوجه إلى القضاء لإثبات صحة كلامه ومقاضاتي، ظل يهددني بالترحيل والوشاية ضدي أمنياً بشكل علني وواضح أمام الناس وعلى صفحات التواصل الاجتماعي”.

وتضيف عدوان: “آخر أحداث 2019 ومشكلاتها أنني تضامنت مثل المصريين جميعاً مع انتفاضة أيلول/ سبتمبر ضد الغلاء وفوجئت بناشر مصري يهددني بأن يشي ضدي لدى الأجهزة الأمنية بأنني جاسوسة ومُطبّعة. وبسبب هذه الوشايات بدأت الدولة المصرية فتح ملفي السياسي الذي أفتخر به- فأنا مشاركة في ثورة يناير وعضوة في حركة “كفاية” ونشيطة مثلي مثل المصريين، لأنني أعتبر مصر بلدي وبلد أجدادي ولست فلسطينية وحسب”.

وتقول: “تقدمت عام 2019 بطلب للحصول على إقامة لمدة ثلاث سنوات باعتباري مستثمرة في مصر- قبل ذلك كنت أحصل على إقامة لمدة عام فقط- لكنني فوجئت بتعسفات وتأخير في إصدار الإقامة وصلت إلى 8 أشهر، وخلالها كنت أتلقى مكالمات أشبه بتهديدات، بأن يتم ترحيلي واعتقالي، وبالفعل بعدما تم احتجازي لساعات علمت بأن ما حدث معي وشاية ضخمة جداً قام بها أحد الناشرين وكاتب كبير سرق إبداع كاتب آخر مهمش”.

استغرق التحقيق مع عدوان قرابة 10 ساعات لم تخبر أحداً بما حدث معها وتفكر اليوم في رفع قضية ضد الدولة المصرية، لأنها رُحلت سياسياً بشكل تعسفي، على رغم أن عائلتها تعيش في مصر منذ الستينات وجدتها مصرية من الشرقية وهي تحمل أوراق المستثمر، ولها مشروع في مصر وهو مشروع دار ابن رشد.

جدتي مصرية

تروي عدوان تاريخ عائلتها المرتبط بمصر منذ الستينات، تقول “أبويا وأمي جاءوا إلى مصر عام 1967، جدتي مصرية من محافظة الشرقية وأجدادي من مدينة عسقلان في فلسطين، هُجروا قسراً عام 1948 إلى غزة، عندي جدان عملا في مصر منذ الخمسينات، يتحركان بحرية من فلسطين لمصر حتى حدثت نكسة 1967 واستقرا في مدينة حلوان. أحد أجدادي كان يعمل في الحديد والصلب، والآخر كان يعمل في بناء السد العالي، وكانت حلوان المدينة التي أرادها أجدادي مقراً لإقامتهم. أبي وأمي تزوجا بعد حرب أكتوبر مع النصر في مصر، وبعدها سافرا إلى ليبيا وأنا ولدت في طرابلس، وجئت إلى مصر مع عائلتي، حيث التحقت بمدارس خاصة، ثم بجامعة الأزهر وهذا بسبب الضائقة المالية، إذ فُرض في الثمانينات، على الفلسطينيين دخول الجامعات بأسعار كالأجانب، 1000 استرليني لكليات الآداب في السنة الواحدة، وللكليات العلمية 3000 استرليني. وهذا كان قرار الدولة المصرية في أوائل الثمانينات بسبب أحداث اضطراب في العلاقات بين الفلسطينيين والمصريين. لذلك دخلنا أنا وأخوتي جامعات الأزهر لأن مصاريفها أرخص بكثير”.

وتضيف عدوان: “أبي جهاد أحمد إبراهيم عدوان وهو خريج كلية الحقوق في مصر، لكنه لم يعمل في المحاماة بل في الأعمال الحرة. كانت لديه شركة مقاولات في مصر، واجه مشكلات اقتصادية في مصر فاضطر إلى الرحيل بمفرده إلى ليبيا عام 1992 للعمل وعاش في ليبيا 25 سنة ولم نره حتى مات هناك”.

تعتبر عدوان أن المجتمع المصري استوعب الفلسطينيين بمحبة على عكس التنمر السياسي ضدهم من حكومات مصرية متعاقبة: “طول عمرنا لما جينا مصر مش منعزلين عن المجتمع المصري، أبويا محبش أنه يعزلنا بالعكس كنا نروح نوادي وسينما وحفلات ورحلات مع أصحابنا المصريين كانت في أجواء لطيفة في حلوان”. وتردف: “لم يمارس ضدنا أي تنمر أو تمييز من الأهالي في حلوان، والمدهش أن وعيي السياسي بفلسطين تشكل في مصر في أول يوم في الجامعة، أتذكر هذا اليوم جيداً. كان أول يوم دراسي لي بجامعة الأزهر ودخلت الحرم الجامعي وفوجئت بتظاهرة ضخمة على أثر مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل، وكانت التظاهرة تنديداً بما يحدث ضد الفلسطينيين وما يحدث في الخليل وخرجت معهم في التظاهرة، كنت منبهرة تماماً. وعندما عرفوا أنني فلسطينية فرحوا، وبصراحة زملائي المصريين بالجامعة شكلوا جزءاً كبيراً من وعيي عن القضية الفلسطينية، مع أنني أحمل هم القضية الفلسطينية بحكم الجذور. كنا نشارك في تظاهرات كثيرة وأنشطة تثقيفية تخص القضية الفلسطينية حتى انتهت مرحلة الدراسة في الجامعة عام 1998 وسافرت إلى غزة”. 

وتضيف عدوان: “عملت في غزة صحافية ومنتجة أخبار حتى أوائل 2002، حتى بدأ شارون خطة المئة يوم في مواجهة انتفاضة 2000، وكانت كمية الاعتقالات والقتل وتدمير البيوت كبيرة جداً، وكان هناك خطر على حياتي، بحكم عملي. وبذلك كان قرار العودة إلى مصر ضرورياً، في أوائل 2002. عملت صحافية في جريدة “البديل” ومراسلة “وكالة معاً الإخبارية”، وعملت في الصحافة حتى عام 2010 وكانت آخر تجربة لي في الصحافة مع جريدة “الشروق”.

كان قيام الثورة المصرية جسراً مفصلياً في حياة عدوان بين انتهاء مسيرتها في مجال الصحافة وبداية التأسيس لحلم صناعة الكتب، تقول: “شاركت في الثورة المصرية من 2011 حتى 2013، وبعد 2013 قررت أن أحقق حلماً كنت أتمناه منذ الطفولة، أن أؤسس دار نشر وأصبح صانعة كتب، وبدأت مع شريكي في الدار الراحل أحمد إبراهيم، بإمكانات متواضعة، بخط التنوير والقضايا العلمانية وحقوق النساء، وكنا محظوظين أن أول كتاب فكري تنشره الدار كان كتاباً جديداً لنوال السعداوي. وعام 2014 أصبحت الدار معروفة أكثر. ففيما كان سوق النشر المصري أغلبه غارقاً في إنتاج الروايات، كنت مقتنعة بأن هذه موضة وستنتهي والناس يبحثون عن الرواية من أجل الهروب من الواقع إلى الخيال”. 

وتتابع: “كانت مهمة إيجاد باحثين شباب ضرورية، وقد وفقنا في هذا عام 2014 بعدما نشرت الدار كتاب “دولة الإمام متى تخلع مصر عمامة الفقيه” لرباب كمال، وكتاب “أحاديث تؤسس لدونية المرأة” للباحث حسام الحداد، وكتاب “عن فلسطين مائة عام على وعد بلفور قراءة جديدة في القضية الفلسطينية” لحسين عارف، و”إسرائيل في أفريقيا اريتريا نموذجاً” لرائد حسانين”.

ترصد عدوان مسار دار ابن رشد منذ عام 2015 حتى 2019، تقول “بدأنا نشتغل على كتب تاريخية تقرأ الواقع الاجتماعي والاقتصادي ونشرنا كتاب “أيام محمد علي قراءة اقتصادية في الأقاليم المصرية”، للباحث الراحل محمد حاكم، وكتاب “الصين وطريق الحرير والدولة العربية” لأحمد السيد النجار، كنا نمضي بخطوات واثقة وبهدوء ننتج ما بين 20 إلى 30 كتاب في السنة، كتبنا رخيصة لا تتعدى الخمسين جنيه كي تبقى في متناول الجميع، وتعاونت مع البريد المصري لتوصيل الكتب للأقاليم نوزع رغم ان في مصر ليست هناك خطة توزيع جيدة على الإطلاق”.

وتضيف “تطورت أمورنا أكثر عام 2017، أثناء مشاركتنا في معرض الكتاب حين نفدت النسخ وطبعنا طبعات ثانية، وبدأنا خطة ترجمات هي قليلة لكنها منتقاة للغاية”.

يبدو أن عام 2017 ذروة نجاح دار ابن رشد ونهاية العام كان بداية انزلاقها أيضاً، مع بداية انزلاق مصر وتضييقها على حرية الفكر والإبداع وحبس الناشرين وأصحاب المكتبات، مثل اعتقال الناشر المصري خالد لطفي صاحب “مكتبة تنمية” ومنع شركائه من المشاركة في معرض الكتاب، ومنع كتب بلال فضل القديمة من إعادة الطبع والتوصية بعدم طبع أي إصدار جديد له. تقول عدوان إنها ستلاحق مسألة رفع قضية للنظر في ترحيلها لأن حلمها في مصر ومسيرتها التي ترغب في استكمالها تنتظرها، وهي الآن تعمل من تركيا على أمل “العودة إلى مصر” على غرار “العودة إلى فلسطين”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
لا خيار أمام أحد سوى بحكومة حيادية ومستقلة، وعلى سعد الحريري ألا يعرقل وصول سني مستقل فعلاً وحيادي فعلاً، وإلا فإن مسؤوليته لن تكون أقل من مسؤولية “حزب الله” عن “نهاية لبنان الكبير”.
جنفييف زينج – باحثة قانونية في المركز السوري للعدالة والمساءلة
مناهل السهوي – كاتبة وصحفية سورية
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني