“كورونا” روج أفا: لا نملك رفاهية العزل المنزليّ!

في شمال سوريا يواجهون الوضع باللامبالاة، وكأنهم استسلموا أو سلّموا مصيرهم للمجهول، فلا إجراءات احترازية ولا وقاية تُذكر.

يغيب موضوع فايروس “كورونا” عن الأحاديث الرسمية في شمال سوريا وتحديداً منطقة حزام المدن والبلدات الكردية، في مقابل شكوك مشروعة حول تفشي الفايروس أو على الأقل وصوله إلى منطقة روج آفا. وسط ذلك، تبدو الأجواء الشعبية مناسبة تماماً لانتقال عدوى الفايروس، في ظل استمرار الحياة الاجتماعية على ما هي عليه، من مناسبات، ومصافحات وتقبيل وعناقات، إضافة إلى خيم العزاء وغيرها. 

في الشوارع، تتجمّع نساء هنا وهناك، يجلسن شبه ملتصقات بعضهن ببعض، وتدور الأحاديث حول الفايروس الذي يعجزن عن لفظ اسمه. 

حين أغلقت وزارتا التربية للحكومة السورية والإدارة الذاتية، المدارس والجامعات والمعاهد، كان الطلبة يضحكون في “عبهم”، وبقيت الشوارع تعجّ بهم، ركضاً ولعباً بكرة القدم، أو “شرطة وحرامية”، وكأن الدنيا بألف خير.

الطريق بين المنطقة الكردية ودير الزور سالك بسهولة، للمنظمات المحلية والدولية والصحافيين والنازحين. هناك في دير الزور معابر برّية ومثلها مائية، تُستغل لحركة الإيرانيين وتواصلهم مع معبر البوكمال، ورُبما جاز السؤال استفساراً: هل يجوز أن ننفتح هكذا على منطقة تسهل إصابتها بالفايروس؟

هذا الفايروس لمّ الشمل المعنوي للعائلات، وإن كان ذلك صعباً بسبب الهجرة، فإن من بقي في الداخل ومن رحل، تتقاطع همومهم في رؤية مستضعفيهم في دائرة خطر يعجز العالم كُله عن التصدي له. المُسنون والمرضى، وهم الأكثر عرضة للإصابة، يواجهون الوضع باللامبالاة، وكأنهم استسلموا أو سلّموا مصيرهم للمجهول، فلا إجراءات احترازية ولا وقاية تُذكر.

لا يُمكن تحميل الإدارة الذاتية الحالية مسؤولية الفايروس، لكن لا مناص من تحملها الجزء الأكبر لعدم الاكتراث الشعبي لهذا الوباء. درجة اللامبالاة وغياب الجدّية الشعبية تجاه الفايروس لا يفسرهما سوى 3 أمور مركبة، أولاً: هؤلاء فقدوا أيَّ رغبة في المستقبل، ولا وضوح في الرؤية لديهم، بخاصة بعد سلسلة الإخفاقات التي مُنيت بها مناطقهم نتيجة الصراعات العسكرية، وانتهاك القلق والتفكير حول مستقبل أبنائهم. ثانياً: لسان حال الغالبية، “لم نمَتْ حتى اليوم في هذه الحرب الكبيرة، فلن يتمكن فايروس صغير من قتلنا”. وإن كانت هذه الجائحة أربكت الناس وأسقطت الكثير من قصص الاستعداد الذهني والنفسي لمواجهة أي خطر مُحدق، وهو ما تمكن قراءته بالخصائص الجديدة للمجتمع المحلي في المنطقة، بخاصة أننا نحن الذين بقوا في الداخل، لم نشعر بالتغيرات التي حلمنا بها. وإن شكلت الإدارة الذاتية هياكل حُكم محلية، لكن الأساس المطلوب هو العنصر الأكثر تغييباً. فحتى اللحظة، لم نشهد وجود ما يبعث على الطمأنينة عبر مؤسسات أمنية خارج سياق الأمن المتعارف عليه. إذ غدا الأمن المُشتغل عليه من قبل الإدارة الذاتية هو نفسه الأمن الذي كُنا جميعاً مفزوعين منه. في الوقت ذاته ما زالت المنطقة تفتقد الأمن الغذائي، والأمن البيئي، والأمن الصحي، والأمن التربوي والتعليمي، بسبب غياب مفهوم الأمن الوطني والأمن القومي الخاص بهذه المنطقة التي ظّن البعضُ أن مصيرها حُسم. بيد أن ثالث الأسباب الدافعة للمحليين إلى الاستهزاء بالفايروس، ينحصر بالإدارة الذاتية وحدها، فغيابها المبكر عن الحدث، واستمرار الأنشطة والفعاليات لمجمل الأطراف السياسية، وعدم شعور الناس بوجود جهة مُدافعة عنهم سياسياً وشخصياً بعيداً من ضرورة الارتباط المركزي بالمشاريع الحزبية، خلق فكراً جديداً سينعكس سلباً على المجلس الكردي، والإدارة الذاتية، وإلى حدًّ ما، المد الواضح لإقليم كوردستان العراق في المنطقة.

كردستان العراق

وضمن سلسلة الإجراءات التي بدأتها الإدارة الذاتية، لمواجهة وصول “كورونا”، قدّ تتجه إلى فرض حظر تجول قريباً. رُبما يستمر لأيام، لكن المشكلة المركزية الصلبة لهذا الحظر أنه سيصطدم بنوعية التركيبة المعيشية للمواطن في المنطقة. فغالبية الناس تعيش على العمل المياوم، وما أن يتوقف العمل، حتى يطفو على السطح المشكلات المترتبة عن فقدان الأرزاق، وعدم القدرة على تأمين الحاجات الأساسية. غياب الخطط الإستراتيجية وتحديداً، عدم وجود مؤسسة للأمن الوطني في المنطقة دفع صوب غياب التنبؤ بالمشكلات، ووضع مخطط الاستجابات الفورية لها. رُبما يحتوي تحميل الإدارة الذاتية الحالية وحدها كامل المسؤولية، شيئاً من الإجحاف، فتأسيس الإدارة الذاتية، وتراكم الفساد وغياب التشبيك منذ بدايات تشكلها، ثم البحث عن أرضية وقواعد، عوامل أضعفت عمل الإدارة. يُضاف إلى ذلك، الضغط الدولي عليها نتيجة إصرار العقل السياسي المتحكم بعمق عملها، الاستفراد بكل شيء، جعل ذلك التشكيلات الإدارية اللاحقة للهيكل الحكومي، فاقدة الروح والانتماء، بخاصة أن ثقافة فصل الهيكل الحكومي عن الإطار السياسي العام، تعتبر من النوادر في الوسط السياسي والحزبي الحالي. كما أن فقدان الاندماج المجتمعي مع الجسم الإداري خارج إطار التوظيف، جعل الإدارة هشّة أمام أي مُشكلة داخلية أو خارجية.

حتى اللحظة، لم نشهد وجود ما يبعث على الطمأنينة عبر مؤسسات أمنية خارج سياق الأمن المتعارف عليه. إذ غدا الأمن المُشتغل عليه من قبل الإدارة الذاتية هو نفسه الأمن الذي كُنا جميعاً مفزوعين منه


إجمالاً، فرض حظر التجول لأكثر من 3 إلى 7 أيام سيحمل مخاطر مجتمعية لا تقل عن مخاطر الوباء العالمي… وبشكل أكثر دقة وفي العمق، لم نعهد من الإدارة الذاتية أن تكون الجهة الممولة أو المتكفلة بحيوات الناس. فمثلاً: هل سنجد تكفل الإدارة الذاتية بجزء من مصاريف الناس، كثمن الكهرباء، الخبز، جزء من مواد التموين، وإن بدرجات متفاوتة، حتى يستطيع الناس التزام منازلهم. ما يُطلب اليوم خطة جمعية مُحكمة، فلا مناص من تضافر جهود مختلف الأطراف والجهات. هذا الوباء، سيفتك بالمجتمع في شمال سوريا، إن وصل، فلا بنيتنا الصحية ولا الوضع المادي يتحملان، ولا المستشفيات مجهزة لاستقبال المصابين، عدا عن عدم قدرة معظم المستشفيات عن خدمة المرضى العاديين في حال انتشار الوباء. 

المشكلة العميقة في عمل أهالي المنطقة، أن قلة قليلة جداً استفادت من التكنولوجيا والمعلوماتية والعمل من بُعد، عدا عن عدم توفر أعمال بهذه التقنيات أصلاً، باستثناء العمل الصحافي والبحثي. فالغالبية العظمى تعتمد في عملها على التواصل اليومي والذهاب إلى المكتب أو مكان العمل والتعاطي مع الآخرين. تلك القلة ستحمي نفسها بعد أن تتبضع ما تحتاجه للعيش بعزلة تامة. ربما تملك هذه الفئة رفاهية العمل من المنزل وتأمين الحاجات الأساسية خلال العزل، لكن الآخرين وهم الأكثرية سيتضررون بشكل كبير، إذا أصبح الخروج من المنزل يتطلّب إذناً من الإدارة الذاتية مثلاً، فهؤلاء كيف يأكلون ويشربون مع عائلاتهم؟

ومع إغلاق المعبر الحدودي بين كوردستان والمنطقة الكوردية في سوريا، فإن الرئة الاقتصادية الوحيدة تتجه صوب الاختناق. 

حظر تجوّل، فقدان المواد الغذائية تدريجاً، منعٌ من العمل حرصاً على السلامة المجتمعية العامة، مقابل رغبة شعبية في تأمين متطلباتها. أيامٌ قليلة إذاً، تفصل روج أفا عن محنتها الجديدة الأكثر سوءاً، ورُبما الأكثر ضرراً من نتائج المعارك العسكرية الخاسرة، إنما لا بدّ أنها أقل وطأة من انتشار الفايروس بالتأكيد.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

نور يوسف – صحافية لبنانية
“اللبناني بلبنان مذلول وحالياً عم ينذل برا”. بهذه العبارة اختصر الطالب حسن حديد الوضع المأساوي الذي يعيشه طلاب لبنانيون في الخارج في ظل جائحة “كورونا” والوضع الاقتصادي السيئ
شفان ابراهيم – صحافي سوري كردي
“قبل القفزة الجنونية للدولار كان الفقراء يكتفون بشراء ربع كيلو من اللحم وبالدين حتّى نهاية الشهر، الآن لا نبيع في اليوم كله 15 كلغ، وأغلبه بالدين”…
خالد سليمان – صحافي وكاتب كردي عراقي
تؤكد الأبحاث إمكانية انتشار فايروس كورونا عبر مياه الصرف الصحي وهذا مؤشر خطير، بخاصة في بلد مثل العراق لا يبدو مهتماً بمعالجة الأمر. واقع قد يجعل العراقيين عرضة لجموح الوباء…
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“أبناء العميل” صفة تلازم الأبناء منذ ابلاغهم بأن والدهم متخابر مع إسرائيل، فالأذى يطال العائلة بأسرها…
مناهل السهوي – كاتبة وصحفية سورية
يدرك السوريُّ أن السقوط هو عنوان المرحلة، والعبء النفسيّ يبدو مجرد مناجاة بائسة من جسد التهمته الحرب والجوع والخوف وعدم الاستماع لهذه المناجاة هو خيانة لهذا الجسد.
علي ابراهيم – صحافي سوري
مع توقف عمل المؤسسات التعليمية، واعتماد أسلوب التعليم عن بُعد، حلاً موقتاً، يعتبر خبراء في التعليم أن هذا النظام لا يمكن اعتماده لفترة طويلة في الشمال السوري لعدم توفر وسائل تطبيقه الضرورية.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني