الوباء… عن خوفنا الذي صار كبيراً ومتوحشاً

من ينقذنا؟ وكيف سننجو؟ نصرخ أمام الكاميرات، وفي المؤتمرات الصحافية، وفي الرسائل النصية، والمكالمات الهاتفية، نصرخ من عزلتنا، ومن الحجر الصحي، وخلال حظر التجوال، ومنع التجمعات البشرية، نصرخ، ونصرخ، ونخاف

أستطيع رؤيته بوضوح، في العيون الشاردات إلى البعيد، وفي الخطوات المسرعة نحو الاختباء، وفي الصمت الجليل، يمكنني أن أراه، في الدروب الموحشة، والمقاعد الخالية، والأبواب الموصدة، والنوافذ، النوافذ التي صارت لافتات للغياب، وتقويماً للانتظار، أستطيع رؤيته في كل شيء، في السكون والحركة، وإيماءة الملوحين بالوداع، إنه خوفنا، خوفنا الذي صار كبيراً ومتوحشاً.

بيوتنا التي صارت محطات انتظار

“الليل يُطبق مرةً أخرى فتشربه المدينة… والعابرون إلى القرارة مثل أغنية حزينة” أرددها وأنا أحد العابرين إلى القرارة، أحمل الأغنيات الحزينة وأنثرها على الأرصفة الباردة، وأعلقها على المصابيح الوحيدة، وأغرسها على العتبات، وفي بدايات الأزقة والبيوت، ثم أجمع ما تبقى من مواويل البلاد، وأناشيدها الوطنية، وأقطع بها إشارات المرور، عابراً نحو الملاذات الصغيرة، نحو البيوت، بيوتنا التي صارت محطات انتظار.

الأسئلة

من أيقظ الخوف القديم فينا؟ من كسر جرة هواجسنا وأربكنا إلى هذا الحد؟ من أسلمنا لكل هذا الموت والعزلة؟ من قيَّد البلاد بالعمى وجرَّح معصميها بالوباء؟ أسئلة تسيل في رأسي الممتلئ بأخبار الموت، كما يسيل الظلام في المدن الموبوءة، والبلاد المريضة. الله؟ نحن؟ الوهم؟ وهكذا… لا إجابات؛ حتى تنحسر الأضواء، ويغادر الليل إلى جهة أخرى، وتنهض الشمس من الأفق البعيد. 

مشهد نهاري

في الصباح، أشقُّ نافذتي، وأعرك عينيَّ الذابلتين، تباً؛ يقولون لا تلمس وجهك! تباً لهم أيضاً، أقولُ ثم أواصل عرك عينيَّ اللعينتين، الآن يمكنني أن أرى بوضوح، أحدِّق بما حولي من النوافذ والأبواب، كلها موصدة، الشوارع خالية من المارة، وكذلك من القطط والكلاب، والصباح كئيب بما يكفي لأتابع نشرات الأخبار. عداد الفقد يرتفع بوتيرة مجنونة: هنا في تركيا ارتفع عدد الوفيات بالفايروس إلى 21 والإصابات إلى 947، في إيطاليا هناك 4825 حالة وفاة فيما عدد الإصابات بلغ 54 ألفاً، في إيران بلغ عدد الوفيات 1685، والإصابات ارتفعت إلى 21638، أما إسبانيا فودعت 1326 شخصاً، وسجلت 25 ألف إصابة، تقول “بي بي سي” إن إجمالي عدد الإصابات بلغ 234 ألف حالة في شتى أرجاء العالم، وما يزيد على 10405 أشخاص لقوا حتفهم بهذا الوباء “كوفيد-19”. اللعنة!

ذاكرة عشوائية

أخرج من دوامة الأخبار والموتى، وأدخل في نوبات أخرى من الخوف، الخوف الذي يلدغ القلب، ويخدش الروح، الخوف الذي يدبُّ في الدم ويتشبث بالأعصاب، الخوف الذي ينبش في حيرتي ويستخرج سؤالاً يعجّ بالحسك: ماذا يحدث غداً؟ ثم يستدعي الذاكرة، فتأتي بكل ثقلها وعشوائيتها، وتتبدى في الغرفة، أتذكر تلك المرأة العجوز في الباص، عندما كنت ذاهباً إلى العمل، كانت الأخبار حينها أقل كابوسيةً مما هي عليه الآن، ولم يكن الفيروس قد تفشى بهذه الطريقة المرعبة، وكانت مدينة إسطنبول لا تزال مثل راقصة الباليه، يومها، داهمتني العطسة في “الباص” المزدحم بالركاب، حاولت تفاديها واستخدمت الأساليب التقليدية والخرافية لتفاديها، لكنني فشلت، وعندما وقع الأمر جفل مَن حولي وكأنني أريد تفجير نفسي، عاد الركاب إلى وضعهم الطبيعي، لكن تلك العجوز الأنيقة ظلت ترمقني بنظرات مريبة حتى نزلتُ من الباص. 

أتذكر أيضاً ذلك اليوم البعيد، الذي كاد أن يكون آخر أيامي أنا وصديقي زياد، كان ذلك بسبب أغنية للأطفال، يومها ذهبنا على دراجتي الكهربائية لحضور درس كيمياء خصوصي في منزل الأستاذ علي نجم في مدينة الرمادي، كان زياد خلفي ويحرضني على الغناء، غنينا في أوَّل الطريق: “على شان إحنا مع بعضينا ومحدش بيبص علينا… غير فرحة قلبنا وعنينا”، على رغم أنّ الجميع كانوا ينظرون إلينا بغرابة، وربما تساءلوا: مَنْ هؤلاء المجانين؟ ولكنَّ دهشتنا بالجمال والبساطة كانت أكبر من آداب الطريق. بعدها بدأنا نغني: “قال الأرنب لأمّو… يا ماما بدي ألعب” كنّا نعيد غناءها كلّما انتهينا منها، ثمَّ نزيد ما نشاء من الكلمات عليها بلهجتنا العراقية استحضاراً للضحك وتناسياً لهموم الدراسة ومعادلات الكيمياء المزعجة.

لم نكن نعلم- ونحن نغنّي ونضحك- أنَّنا سلكنا طريقاً عسكرياً مسوَّراً بالأسلاك الشائكة، حتى أيقظنا من دهشتنا صوت الرصاص باتجاهنا وصيحات الجنود علينا بالتوقف. لا تزال كلمات ذلك الجندي المذعور ترنُّ في أذني، قال لنا يومها: “إنتوا مخابيل! شنو طببكم بهذا الطريق؟ ما تشوفونه عسكري والّي يقترب منه نقتله؟ ارجعوا بسرعة”. رجعنا ولم نستطع أن نتفوه بكلمة مع ذلك الجندي الخائف من أن نكون انتحاريّيَن، هو لم يترك لنا مجالاً للكلام! وعندما وصلنا جسر الحوز انفجرنا ضاحِكَين من “عملتنا السوداء” وواصلنا الغناء.

من أيقظ الخوف القديم فينا؟ من كسر جرة هواجسنا وأربكنا إلى هذا الحد؟ من أسلمنا لكل هذا الموت والعزلة؟

مشهد ليلي

في ليالي المدينة الغريبة، يزعجني دبيب الوقت في رأسي، رأسي الفارغ من النعاس وأفكار النوم، هذا الهدوء يصيبني بالهلع والحنين، ألتصق بالنافدة، ألتصق بها أكثر؛ لعلّني أعالج خوفي بالوشوشات وأضواء الشوارع الناعسة، مزلاج النافذة متآمرٌ عليَّ، كما في كلِّ مرة، صريره يخدش صمت الغرفة وارتباكي المزمن من رأس الشمعة الذي يبث الضوء إلى زوايا الغرفة المعتمة، زوايا غرفتي، لا! زوايا الغرفة الغريبة، اضطرابه يصيبني بالارتباك، أفتح النافذة، فتصفعني نسمة باردة،
كانت تتجول وحدها في الشارع الهادئ إلا من صفير الريح وأنين أعمدة الكهرباء، أنا المصابُ بشمِّ الحواف، أتشمم رائحة المطر في حواف نافذتي، لا! حواف النافذة الغريبة، برودة الرخام تتسرب الى رأسي من أرنبة أنفي المصلوبة في البرد، أواصل شمّ الحواف دونما داعٍ لهذا الجنون المضحك
سوى أنَّني أدمنتُ شمَّ الحواف في نافذتي هناك، نافذتي التي باتت كوَّةً لدخان الحرب والغبار، نافذتي التي تشهد كلَّ يوم ولادة الشمس من رحم البحيرة، نافذتي التي كنت أتعرض من خلالها للضوء الأول، والشروق الأول لنهار المدينة الصغيرة، مدينتي التي انتصرت عليها الطائرات الحربية وأجيال القنابل والرصاص، مدينتي التي أصابتني بداء التفاصيل، ثُمَّ أسلمتني لهذا الشتات.

البداية

الكهنة عاطلون من العمل، والأديان تخلت عن فكرة الحشود، والذاهبون إلى الصلاة وجدوا المعابد مغلقة، فعادوا مثقلين بالخطايا، ومختبئين خلف الأقنعة، العالم كله كذلك، في الشركات الكبيرة والمصانع العملاقة والمدارس، في محطات المترو والأسواق، وفي المقاهي والنوادي الليلة، وملاعب كرة القدم، الحشود أينما وُجدت كان الهلاك، وكان الوباء.

من ينقذنا؟ وكيف سننجو؟ نصرخ أمام الكاميرات، وفي المؤتمرات الصحافية، وفي الرسائل النصية، والمكالمات الهاتفية، نصرخ من عزلتنا، ومن الحجر الصحي، وخلال حظر التجوال، ومنع التجمعات البشرية، نصرخ، ونصرخ، ونخاف، بينما كان ينبغي أن نحتفي بفكرة الواحد، بالفردية التي نمارسها الآن، كان ينبغي ذلك منذ القديم، لكي نستطيع ترويض خوفنا، خوفنا الذي صار كبيراً ومتوحشاً.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني