كورونا إيطاليا : الـ “بيلّا تشاو” في مواجهة “فاشية الفايروس”

البيلا تشاو تصدح من شرفات المنازل ويغنيها كثيرون بصوت واحد في أحياءهم. ربما هي إشارة إلى فاشية من نوع جديد تصعد مؤخراً إلى جانب قوى واحزاب فاشية تستثمر في ما يحصل وتضخ خطابات الكراهية يومياً، إنها "فاشية الفايروس" او "الهولوكوست الكوروني" الذي تشهد له عملية إرساله جثث ضحاياه إلى المحارق
الجنائز تقام بدون معزين في ايطاليا خوفاً من انتشار الفايروس

كلما ازدادت حدة ودرجة وسرعة انتشار فايروس مرض “كوفيد19” في العالم، ازداد الوضع سوءاً في إيطاليا بشكل خاص، وأصبح أكثر جنائزية في بلد كان حتى شباط الماضي واحداً من دُرر بلدان هذا العالم على الصعيد الثقافي. ليس فقط لأن “التكافل العالمي” في مواجهة هذا التهديد هو في أسوأ حالاته اليوم، في ظل انشغال كل بلد بمكافحة المرض على صعيده “الوطني” وهو ما قد يكون “مفهوماً”، ولكن أيضاً لأن إيطاليا صارت البؤرة والبلد الأكثر معاناة من هذا الفايروس في العالم بعد الصين، تشهد لذلك أرقام الإصابات والوفيات المتضخمة يومياً، مع حالات شفاء ترتفع أيضاً لكن بشكل خجول.


ما حصل قد حصل! لا جدوى الآن من مساءلة الإيطاليين حكومتهم على تأخرها وتقصيرها في إعلان حالة الطوارئ وفي إعلانها كل إيطاليا منطقة محمية. بدت الحكومة الإيطالية منذ البداية وكأنها تخوض تجربة في غير محلها، مع سلسلة إجراءات “بالقطّارة” خلال شهر واحد، وحيث الموت هو النتيجة حتى الآن، والأرجح أن حكومة جوزيبي كونتي ستدفع ثمن هذا التأخر من رصيدها وشعبيتها في الانتخابات المقبلة. خارج موضوع الحسابات السياسية وسلوك النخبة السياسية في البلاد، تمكن مشاهدة مظاهر كثيرة في البلاد وخصوصاً في إقليم لومبارديا في الشمال الإيطالي، مظاهر وتحركات يبدو كل منها مؤشراً إلى كيفية تعاطي المجتمع مع المرض ومع نكبته به. 

“جدنا العزيز، لقد اشتقنا لك. تمنينا أن نكون معك في يوم عيد ميلادك، لكنّ هذا الفايروس مستبد ولا يمكن المزاح معه، وهو لا يتساهل مع الأحضان والقبلات، لذلك نحن نلوح لك بيدنا من بعيد، وعندما سينتهي كل شيء سوف نتقابل مرة ثانية ونحتفل معاً من الغداء وحتى العشاء”.

 

ابتكر الإيطاليون طرقاً ووسائل مختلفة في طريقة تعاملهم مع الجائحة، ومحاولات بث الطمأنينة وخصوصاً في مرحلة ما قبل الحجر الصحي العام الذي أُعلن قبل حوالي عشرة أيام. في بداية تفشي المرض في البلاد وفي إقليم لومبارديا بشكل خاص (عاصمته ميلانو)، قام شبان وشابات إيطاليون بحملة حملت عنوان: Tutto andrà bene، أي “كل شيء سيكون على ما يرام”، في محاولة لضخ جرعة من الأمل والتفاؤل بتجاوز الأزمة والحد من الخوف الذي بدأ يخيم على البشر هنا، ووُزعت ملصقات في الشارع تحمل تلك العبارة، كما ألصق بعضها على واجهات المحلات والمطاعم والبارات والمكتبات ومداخل الأبنية. من المؤكد أن الزمن الكوروني الراهن قد سبق وتخطّى مبادرات مثل هذه الآن، لسببين رئيسيين: أولهما لأن التحرك نحو أي مبادرة جماعية بات بحكم المستحيل اليوم تبعاً لإجراءات حظر التجول الحالية (والضرورية) في البلاد، والثاني لأن الكثيرين فقدوا الثقة بأن “كل شيء سيكون على ما يرام” في القريب العاجل، بالنظر إلى حجم قوافل الإصابات والموت اليومي حالياً.

معظم “القتلى” هم من المسنين، و98% من ضحايا الفايروس هم ممن تجاوزت أعمارهم الـ 65 عاماً بحسب أرقام “إدارة الحماية المدنية الإيطالية” وهي جهة رسمية تقدم إحصاءات يومية للإصابات والموتى والمتعافين. تمتلئ غرف العناية الفائقة بهؤلاء المسنين في وقت يُعالج فيه آخرون، ممن لم تظهر عليهم أعراض أو ظهرت عليهم أعراض خفيفة، في منازلهم. يسيطر الخوف على المسنين بشكل أساسي وخصوصاً مع تدفق الأخبار اليومية عن سقوط أقران لهم في السنّ في كافة أنحاء البلاد، وغالباً ما يعيش هؤلاء في عزلة مضاعفة نتيجة القوانين الجديدة التي شملتهم وشملت غيرهم من مختلف الأعمار من جهة، ونتيجة انتمائهم إلى أكثر الفئات ضعفاً وأقلها قدرةً على مقاومة الفايروس من جهة ثانية. هكذا، كان شفاء “الجدة ألما” من فايروس “كوفيد 19” وهي سيدة من مقاطعة مودينا في الشمال الإيطالي تبلغ من العمر 95 سنة، كان حالة تستدعي الاحتفاء بها باعتبارها أكبر المسنين الذين تم شفاؤهم من المرض حتى الآن في إيطاليا، علّ ذلك يبعث بعض الدفء في أوصال مسنين آخرين يعيشون عزلتهم بصمت وترقّب.

مدينة البندقية

وعلى صعيد هذه الفئة العمرية بالتحديد، وكما هو الحال في مبادرة من نوع “Tutto andrà bene ” من ناحية الإمكانية، كان التواصل مع المسنين بالمعنى الشخصي والعائلي متاحاً أكثر قبل إعلان الحجر العام  في البلاد، وقد تناقلت صفحات التواصل الاجتماعي في بداية آذار الجاري، رسالة من حفيدين يقفان في الشارع أمام شرفة جدهما في مدينة بولونيا، يوم عيد ميلاده، وهما يرفعان لافتة كتب عليها: “جدنا العزيز، لقد اشتقنا لك. تمنينا أن نكون معك في يوم عيد ميلادك، لكنّ هذا الفايروس مستبد ولا يمكن المزاح معه، وهو لا يتساهل مع الأحضان والقبلات، لذلك نحن نلوح لك بيدنا من بعيد، وعندما سينتهي كل شيء سوف نتقابل مرة ثانية ونحتفل معاً من الغداء وحتى العشاء”.  

مشهدية الأعلام الوطنية وعزف غناء النشيد الوطني الإيطالي من على شرفات المنازل وبشكل جماعي، هي طريقة جديدة ابتكرها الإيطاليون للتواصل فيما بينهم اليوم، حيث الخروج من المنزل لغير الضرورات بات امراً يعاقب عليه القانون بغرامة مالية، وحيث مسافة الأمان الفاصلة بينهم على أبواب السوبرماركت والتي يمنع الدخول إليها لأكثر من شخصين، مهما كان حجمها واتساعها. النشيد الوطني وأغنية “بيلا تشاو” الآتية من زمن يساري إيطالي قاوم فيه الإيطاليون فاشية موسوليني، تبدو بدورها شعاراً يعاهدون فيه أنفسهم على تجاوز الكارثة. 

البيلا تشاو تصدح من شرفات المنازل ويغنيها كثيرون بصوت واحد في أحياءهم. ربما هي إشارة إلى فاشية من نوع جديد تصعد مؤخراً إلى جانب قوى واحزاب فاشية تستثمر في ما يحصل وتضخ خطابات الكراهية يومياً، إنها “فاشية الفايروس” او “الهولوكوست الكوروني” الذي تشهد له عملية إرساله جثث ضحاياه إلى المحارق في مقبرة San Cataldo Di Modena. سيارات الجيش تمر في موكب جنائزي وهي تحمل جثامين لأشخاص قتلهم فايروس كورونا المستجد، تمهيداً لإحراقها كإحدى طرق الحد من انتشاره، من دون حتى أن يتاح لذوي الموتى توديعهم، حرصاً عليهم من إصابة محتملة.

وعلى صعيد هذه الفئة العمرية بالتحديد، وكما هو الحال في مبادرة من نوع “Tutto andrà bene ” من ناحية الإمكانية، كان التواصل مع كبار السن بالمعنى الشخصي والعائلي متاحاً أكثر قبل إعلان الحجر العام  في البلاد، وقد تناقلت صفحات التواصل الاجتماعي في بداية آذار الجاري، رسالة من حفيدين يقفان في الشارع أمام شرفة جدهما في مدينة بولونيا، يوم عيد ميلاده، وهما يرفعان لافتة كتب عليها: “جدنا العزيز، لقد اشتقنا لك. تمنينا أن نكون معك في يوم عيد ميلادك، لكنّ هذا الفايروس مستبد ولا يمكن المزاح معه، وهو لا يتساهل مع الأحضان والقبلات، لذلك نحن نلوح لك بيدنا من بعيد، وعندما سينتهي كل شيء سوف نتقابل مرة ثانية ونحتفل معاً من الغداء وحتى العشاء”.  

مشهدية الأعلام الوطنية وعزف وغناء النشيد الوطني الإيطالي من على شرفات المنازل وبشكل جماعي، هي طريقة جديدة ابتكرها الإيطاليون للتواصل فيما بينهم اليوم، حيث بات الخروج من المنزل لغير الضرورات أمراً يعاقب عليه القانون بغرامة مالية، وحيث مسافة الأمان الفاصلة بينهم على أبواب السوبرماركت والتي يمنع الدخول إليها لأكثر من شخصين، مهما كان حجمها واتساعها. النشيد الوطني وأغنية “بيلا تشاو” الآتية من زمن يساري إيطالي قاوم فيه الإيطاليون فاشية موسوليني، تبدو بدورها شعاراً يعاهدون فيه أنفسهم على تجاوز الكارثة. 

البيلا تشاو تصدح من شرفات المنازل ويغنيها كثيرون بصوت واحد في أحيائهم. ربما هي إشارة إلى فاشية من نوع جديد تصعد مؤخراً إلى جانب قوى وأحزاب فاشية تستثمر في ما يحصل وتضخ خطابات الكراهية يومياً، إنها “فاشية الفايروس” او “الهولوكوست الكوروني” الذي تشهد له عملية إرساله جثث ضحاياه إلى المحارق في مقبرة San Cataldo Di Modena. سيارات الجيش تمر في موكب جنائزي وهي تحمل جثامين لأشخاص قتلهم فايروس كورونا المستجد، تمهيداً لإحراقها كإحدى طرق الحد من انتشاره، من دون حتى أن يتاح لذوي الموتى توديعهم، حرصاً عليهم من إصابة محتملة.


لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

خالد منصور- كاتب مصري
يظهر لنا الغضب في مينيابوليس ومدن أميركية أخرى من جديد عمق العداء المتفشي للسود. هذه الخصومة العميقة تنبع من قلب الاجتماع الأميركي بل كانت عاملاً مؤسساً للولايات المتحدة حيث السود لم يصبحوا أبداً من البشر!
باسكال صوما – صحافية لبنانية
من نكد الدهر أن يُطرح قانون العفو العام في البرلمان اللبناني قبل طرح قضية استقلالية القضاء وقبل رفع أيدي الزعماء السياسيين عن المحاكمات.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
في النزاع الدائر حالياً بين الأسد وزوجته من جهة، ورامي مخلوف من جهةٍ أخرى، يُطرح سؤال عن مدى قدرة النظام على تصفية مخلوف …
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هشام طلعت ومحسن السكري يعيشان أحراراً اليوم، فمن سيهتم لعدالة امرأة ابتذل كلام كثير حولها، وها قد مرت بضع سنوات كافية لينسى العالم أمرها، فليعد المقاول الى حظوته، وليخرج الضابط الذابح من سجنه.
ماجد كيالي – كاتب فلسطيني
ثمة تاريخاً غامضاً للنظام السوري، في الحقبة الأسدية، هو التاريخ المحجوب، لمصلحة سردية تحيل كل شيء في سوريا، للنظام الذي أسسه، أو سيطر عليه، حافظ الأسد…
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني