“كورونا” لبنان: من يطعم الفقراء يا دولة الرئيس؟

هدّئ من روعك يا دولة الرئيس، وأنت تتحدث عن شعبك الجائع والفقير، فهؤلاء من مسؤوليتك حمايتهم من الموت، ليس فقط بسبب وباء مستجد، بل من سياسات غير مدروسة، تتولى إحكام السيطرة على الناس وتحركاتهم، مقابل تركهم في حجورهم يموتون ببطء.

وأنت تُعلمنا بأنّ كل شيء خرج عن السيطرة وأننا لم نلتزم تعليماتك وتعليمات حكومتك بالمكوث في منازلنا وفرض حجر عام على أنفسنا وعلى عائلاتنا، هناك أب يفكّر بأنّ عائلته ستموت من الجوع وليس من “كورونا”. هناك بائع يجول بعربته ليبيع الفستق والفوشار، وهو الآن مضطر لركنها وارتضاء الموت ليس بـ”كورونا”، بل بسبب العوز.

يا دولة الرئيس حسان دياب، أعلمتنا أنّك ستشدد إجراءاتك وستفرض منع تجوّل بمؤازرة القوى الأمنية والجيش، بعدما وصل عدد الإصابات المعلنة بفايروس “كورونا” إلى 230 إصابة. وهو إجراء اتخذته دول كثير مع تفشي وباء “كورونا”. ولكن لعلمك هذه الدول منتبهة جداً إلى أنّ بين شعبها ناساً فقراء، وهي تؤمّن لهم على الأقل قوتهم وحصصاً غذائية وتخفف عنهم دفعاتهم الشهرية، حتى لا يضطروا إلى مغادرة بيوتهم. أما أنت فتقدّم للفقراء مشكوراً خيارين، الموت بـ”كورونا” أو الموت جوعاً وعطشاً وعزلةً.

ولكن يا حسّان، الفقراء، ماذا عن الفقراء؟ هل ستؤمّن لهم رواتب شهرية؟ هل ستشتري أدويتهم؟ هل ستمنحهم حصصاً غذائية يومية؟ هل ستدفع فواتيرهم؟ هل ستسأل عنهم؟ هل تنتهي أزمة “كورونا” وقد فقدنا كثيرين لأنهم لم يجدوا ما يأكلونه

وفد البنك الدولي أطلعنا قبل مدة قصيرة على احتمال ارتفاع نسبة الفقر في لبنان إلى 50 في المئة إذا تفاقم الوضع الاقتصادي سوءاً (وهو تفاقم طبعاً). وكذلك سيرتفع معدل البطالة بشكل حاد، خصوصاً في صفوف الشباب. وتشير التقديرات إلى ارتفاع عدد اللبنانيين الفقراء التي لامست ثلث عدد السكان (نحو 33 في المئة) عام 2018.

كما أن خبراء اقتصاديين أوضحوا أننا أمام وصول عدد الرازحين تحت خط الفقر إلى 700 ألف مواطن.

والآن يا دولة الرئيس أتى “كورونا” وحظر التجوّل الذي لن لا تُلاحق به سوى المياومين والعمّال المجبرين على الذهاب إلى عملهم حتى يأكلوا ويشربوا.

يا دولة الرئيس الموقّر، يا صاحب الملامح الرصينة المهذّبة، هل تعلم بفطنتك أن هناك عائلات تنتظر أن يمنحها المصرف 50 دولاراً أو مئة دولار في الأسبوع لتعيش؟ ماذا عن هؤلاء وقد أعلمتنا بالقصاص الأكبر الآن، بحظر التجوّل من دون آلية لحماية الناس والبنية الاجتماعية المفككة أصلاً؟

إنه قصاص نعم. بقيتم تراوغون والآن بات الفقراء هم المذنبون، وعليهم أن يدفعوا الثمن ولن يأبه لهم أحد طبعاً.

هدّئ من روعك يا دولة الرئيس، وأنت تتحدث عن شعبك الجائع والفقير، فهؤلاء إن كنت لا تعلم من مسؤوليتك حمايتهم من الموت، ليس فقط بسبب وباء مستجد، بل من سياسات غير مدروسة، تتولى إحكام السيطرة على الناس وتحركاتهم، مقابل تركهم في حجورهم يموتون ببطء.

سمعنا خطابك الجدّي والصارم وكنا ننتظر أن تذكر المياومين والعاطلين من العمال والذين يجمعون التنك والبلاستيك حتى يعيشوا. لكنك لم تفعل. تحدّثنا عن حظر التجوّل ومنع الناس من الخروج بمساعدة البلديات والقوى المسلحة، وكأنّ لدى الجميع ترف الجلوس في المنزل لأسابيع أو أشهر أو سنة ربما، من دون عمل أو مردود.  

أما “البلا مخ” و”الجهلة” كما سمّتهم وسائل الإعلام و”السوشيل ميديا” فشملهم القصاص الآن وربما يستحقونه، إذ لا شكّ في أنّ عدداً من المواطنين يتحمّلون مسؤولية التنزّه والخروج إلى الشواطئ وكأن لا “كورونا” في الأجواء. هؤلاء يا دولة الرئيس عليك بهم بالمزيد من التوعية في المجتمعات المحلية والمزيد من التشدد في إجراءات الحظر ومنع التجوّل. ولكن يا حسّان، الفقراء، ماذا عن الفقراء؟ هل ستؤمّن لهم رواتب شهرية؟ هل ستشتري أدويتهم؟ هل ستمنحهم حصصاً غذائية يومية؟ هل ستدفع فواتيرهم؟ هل ستسأل عنهم؟ هل تنتهي أزمة “كورونا” وقد فقدنا كثيرين لأنهم لم يجدوا ما يأكلونه أو لأنّهم أصبحوا في الشارع بعدما تراكمت الفواتير والإيجارات ولم يدفعوها؟ 

هذا ليس حظراً للتجوّل… إنه انتحار، إنك تنتحر شعبك يا دولة الرئيس، والسلام.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

زياد ماجد – كاتب وأستاذ جامعي لبناني
سافر كورونا على متن طائرات الحداثة وسفنها وسياحتها ومؤتمراتها، وانتقل من الصين حيث قُمِع الأطبّاء المنبّهون منه بدايةً الى محيطها المباشر، قبل أن يبلغ معاقل الحداثة الغربية. داهم مجتمعات ظنّت أنها دجّنت المخاطر الكبرى وقضت على الأوبئة وأحالتها حكراً على دول فقيرة …
موفق نيربية – كاتب وسياسي سوري معارض
يواجه السوريون كارثة “كورونا” ببرود لافت، ليس لأنهم عاشوا ويعيشون كارثة- سلطة أخرى منذ سنوات، بل لأنهم يعرفون أيضاً كيف أن طغمتهم الحاكمة استخدمت دائماً احتمال وقوع الكوارث المستبعدة كي تبطش بهم
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
عمدت السلطة الى حرق الخيم وكأنها الوباء، تماماً كما تفعل بعض الدول مع جثامين ضحايا كورونا حيث يسارعون الى حرقها ودفنها من دون جنازة ومن دون محبين. أحرقت السلطة في لبنان ساحات الاحتجاج وحاولت دفنها من دون ضجة.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
كثيرونَ أوسعوكَ شتماً وذمّاً ولعناً. لكنكَ تشبهني في خصلة، أو ربما تشبهُ أناساً كثيرينَ أيضاً. واسعُ الخُلُقِ دائماً، وتضيقُ نفسكَ وتنفعل بشدّةٍ لأتفهِ الأسباب. قلَّةٌ قليلةٌ، لاذت بالصّمت والتأمُّل فيكَ، ابتغاءَ معرفتك، وما زالت تجهلكَ.
سمير سكيني – كاتب لبناني
في هذه الظروف، يعيد السكّان اكتشاف منازلهم، مجرين عليها التعديلات المناسبة. أما الظاهرة الأهم هنا، فهي “إعادة إنتاج البلكون”، أو الشرفة.
رامي الأمين – صحافي لبناني
معظم من هاجم خريش ركن إلى غوغل للبحث عن هالا وردي فظهرت النتائج التي تجلد الكاتبة على تجرؤها على الخوض في مسألة حساسة، وأخبار من هنا وهناك عن منع كتابها في بعض الدول الإسلامية بسبب اعتباره مسيئاً للسيرة النبوية.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني