“كورونا” تونس… تنافس بين الرئاسات وإمكانات محدودة للمواجهة

أساليب معالجة المشكلات بالنسبة إلى القيادات في تونس وإن اختلفت قليلاً، فهي تدور في مدار واحد، رمي المزيد من الأثقال على جيب المواطن الفقير والمتعب، بدل البحث عن حلول جوهرية ومستدامة.
السياحة تعطلت تماماً في تونس بسبب مخاوف كورونا

تواجه تونس كغيرها من دول العالم فايروس “كورونا” بعد أن سجلت إصابات لاتزال غير نهائية العدد.

اتخذت جملة من الإجراءات لا يبدو أنها ستؤتي أكلها في ظل غياب خطاب سياسي قادر على طمأنة الناس وفي ظل نقص الإمكانات في المراكز الصحية وضعف الوعي الشعبي. فعلى رغم الجهود الكبيرة المبذولة لتجاوز هذا الظرف المستجد بالحد الأدنى من الخسائر البشرية والاقتصادية، تظهر الوقائع على الأرض خلاف ذلك.

منذ تسجيل الحالات الأولى للمصابين، اعلنت إجراءات استباقية فتتبعت السلطات مساراً تدريجياً في اتخاذ القرارات في تفاعل يومي وفق ارتفاع عدد الحالات ومدى استجابة الناس للتعليمات والتوصيات بخاصة المتعلقة بالتزام البيوت قدر الإمكان وتجنب التجمعات.

أغلقت المدارس ورياض الأطفال وأُلغيت النشاطات الثقافية والرياضية والتجمعات وتم تعليق صلاة الجمعة وأغلقت الأسواق الأسبوعية، والمقاهي والمطاعم والملاهي. كما تم تعليق العمل في المحاكم والفضاءات العمومية، وفرض العمل بنظام الحصة الواحدة لخمس ساعات يومياً وبزمنين مختلفين، لتقليص الضغط على التنقل. كما أن رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ أعلن إغلاق الحدود الجوية والبرية للبلاد غداة إغلاق الحدود البحرية في مسعى للحد من تفشي فايروس “كورونا” المستجد.

وعلى رغم أهمية الإجراءات الاستباقية الهادفة إلى الحد من انتشار الفايروس، إلا أن الخطاب الرسمي للرئاسات الثلاث بقي دون المأمول ولم ينجح في اقناع التونسيين، ما عمّق أزمة الثقة بين الجانبين فضلاً عن تعقيدات استمرار الصراع بين السلطة التنفيذية والتشريعية حتى في ذروة هذه الأزمة.

انتظر التونسيون كلمة من رئيس الدولة قيس سعيد لكن ولأسباب غير معلومة تأجلت لليوم الموالي ليلقي بدلاً عنه رئيس الحكومة إلياس الفخفاح كلمة أثارت استياء الرأي العام التونسي. ففيما كان الجميع يترقب خطاباً يبعث على الاطمئنان بشأن جاهزية البلاد لمواجهة هذا الفايروس المستجد، ظهر الفخفاخ مرتبكاً، وألقى بالمسؤولية وإن بطريقة غير مباشرة على عاتق المواطنين. 

اعتبر الفخفاخ أن تجنب مخاطر هذا الفايروس مرتبط بمدى وعي المواطن والتزامه بالتعليمات، وقد يكون محقاً في هذا لأن المتفق عليه اليوم أن تجنب التجمعات والبقاء في البيت قدر الإمكان والالتزام بالحجر الصحي بالنسبة للمصابين هي أهم الحلول الأولية للحد من تفشي المرض. ولكن في الحقيقة لا معنى لهذا الخطاب عندما ندرك أن الدولة لا تلتزم بتوفير الأرضية المناسبة للمواطن لتنفيذ هذه التوصيات. فمن الصعب في تونس الحديث مثلاً عن تجنب التجمعات فيما يشهد النقل العمومي الذي يستقله آلاف التونسيين يومياً اكتظاظا كبيراً. وعليه لا يمكن في ظل هذا الوضع مطالبة الناس بتجنب الازدحام طالما لم يتم إقرار وقف العمل. وبالتالي ليس من العدل في هذه الحالة تحميل المواطن المسؤولية بقدر تلك التي تتحملها الحكومات المتعاقبة التي لم تقدم حلولاً لأزمة النقل في البلاد، على رغم الشكاوى المستمرة والدعوات الملحة للنظر في المسألة.

من جهة أخرى، طلب رئيس الوزراء من التونسيين التبرع لوزارة الصحة، وهي خطوة لم تلقَ تفاعلاً شعبياً، وقوبلت بكثير من السخرية، لا سيما في ظل عدم التوجه إلى رجال الأعمال للمشاركة في تحمل أعباء الأزمة الراهنة وهم الذين حظوا دائماً بدعم الدولة كلما اقتضت حاجتهم، بل أصر الفخفاخ على تحميل المواطن وزر ما يحدث، على رغم إدراكه أن هذا الأخير قد تحمل من الأعباء ما يجعله قاصراً عن المزيد.

في المقابل، لم تلق كلمة رئيس الدولة صدى ايجابياً هي الأخرى، وكررت ما ورد على لسان الفخفاخ مع بعض الإضافات كإعلانه المساهمة بنصف راتبه كحركة تحفيزية للشعب على التبرع. أي أن أساليب معالجة المشكلات بالنسبة إلى القيادات في تونس وإن اختلفت قليلاً، فهي تدور في مدار واحد، رمي المزيد من الأثقال على جيب المواطن الفقير والمتعب، بدل البحث عن حلول جوهرية ومستدامة.

ولم يتوقف سوء تقدير الأزمة عند هذا الحد، بل تجاوزها إلى السقوط في منزلقات أخرى، ففيما تواجه البلاد هذا الفايروس المستجد بإمكانات محدودة على جميع المستويات، يتواصل الصراع على الحكم بين الرئاسات الثلاث. وبدل الاجتماع والالتقاء للخروج بقرارات جريئة في ظل الوضع الدقيق الذي تمر به البلاد كغيرها من دول العالم، يسعى كل طرف إلى الظهور أمام العلن وكأنه الحاكم الحقيقي للبلاد.

فمن جهة حاول رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي الظهور في هذا الظرف مستبقاً تدخل رئاسة الجمهورية داعياً إلى ضرورة عقد اجتماع عاجل للكتل النيابية للنظر في تطورات الفايروس، ليرد مكتب الرئيس أن على كل سلطة الالتزام بصلاحياتها، في رسالة غير مباشرة للغنوشي. مشهد تابعه التونسيون على مدار يومين بالكثير من السخط والاستياء، لأن الآمال كانت متجهة نحو التقاء هذا الثلاثي في هذا التوقيت الدقيق والاتفاق على ترك الكلمة لأحدهم، على أن تكون محملة بقرارات بحجم الكارثة بدل هذا التسابق من أجل ظهورهم الهزيل بشكل فردي.

وعي شعبي محدود

أما على المستوى الشعبي، فقد راهنت السلطات التونسية على وعي الوافدين من الدول التي انتشر فيها الفايروس، لا سيما إيطاليا وفرنسا ودعتهم للالتزام بالحجر الصحي الطوعي لمدة 14 يوماً، للتيقن من عدم التعرض للإصابة ومنع انتقال العدوى. دعوة لم تجد استجابة من المعنيين بالأمر الذين يباشرون نسق حياتهم اليومي بشكل طبيعي، على رغم عدم يقينهم من السلامة من الفايروس. وتؤكد مصادر طبية أن بعض الوافدين من دول أجنبية يتعمدون عدم الإبلاغ عن أنفسهم وعن المناطق التي أتوا منها ويغلقون هواتفهم الجوالة حتى لا يلتزموا بالحجر الصحي الذاتي.

وأدى هذا السلوك إلى انتشار “كورونا” في معظم محافظات البلاد، وتحول الإصابات من إصابات مستوردة إلى عدوى محلية انتقلت بسبب الاحتكاك بشخص لم يلتزم بالحجر الصحي.

ولم تجد دعوات سلطة الإشراف وحملات التوعية التي يطلقها الكثير من التونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي صدى لدى الكثيرين الذين يواصلون الاستخفاف بخطورة هذا المرض. ولكن بعد تمرير الأمر الحكومي الذي اعتبر فايروس “كورونا” من الأمراض السارية، من المحتمل أن تتراجع حالات عدم احترام الحجر الصحي نظراً إلى العقوبات الممكنة بناء على هذا القانون والتي تترواح بين الخطية المالية والسجن لكل من لا يتقيد بهذا الأمر.  

وتلجأ تونس إلى الحجر الذاتي بسبب غياب المرافق الاستشفائية القادرة على استيعاب حالات الحجر الصحي وغياب البنية التحتية الصحية لمواجهة هذا الفايروس. وكشف هذا الوباء المشكلات المتفاقمة في قطاع الصحة الذي بقي وعلى مدار أكثر من عقدين بعيداً من أولويات الحكومات المتعاقبة، على رغم صيحات الفزع التي يطلقها الأطباء في كل مرة.

وفي تصريح لها قبل أيام قليلة، أكدت وزيرة الصحة السابقة سميرة مرعي أن تونس تمتلك 240 سرير إنعاش فقط على مستوى الجمهورية وأنها تفتقر للإمكانات التي يمكن أن تجابه هذا المرض إذا ما وصل إلى المرحلة الثالثة.

من جهة أخرى، وبسبب المخاوف من استفحال المرض وانتشاره تزايد الإقبال على المحلات التجارية الكبرى والتهافت على اقتناء المواد الغذائية بشكل جنوني، فضلاً عن استغلال بعض الباعة الظرف الراهن لرفع أسعار منتوجات التعقيم والتطهير. وأدى التهافت على الشراء إلى نقص الكثير من المواد الغذائية الأساسية على غرار المعجنات والحليب والزيت والخبز في وقت قياسي. وفي إطار حملاتها الرقابية لمكافحة الاحتكار والتلاعب بالأسعار هذه الأيام، حجزت فرق المراقبة الاقتصادية أكثر من 90 ألف كمامة طبية و125 ألف قفاز طبي واقٍ و2700 علبة سائل معقم لليدين أثبتت التحريات إخفاءها للتلاعب بأسعارها بعد ارتفاع الطلب عليها، عدا عن التلاعب بأسعار المواد الغذائية واحتكارها.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

خالد منصور- كاتب مصري
يظهر لنا الغضب في مينيابوليس ومدن أميركية أخرى من جديد عمق العداء المتفشي للسود. هذه الخصومة العميقة تنبع من قلب الاجتماع الأميركي بل كانت عاملاً مؤسساً للولايات المتحدة حيث السود لم يصبحوا أبداً من البشر!
باسكال صوما – صحافية لبنانية
من نكد الدهر أن يُطرح قانون العفو العام في البرلمان اللبناني قبل طرح قضية استقلالية القضاء وقبل رفع أيدي الزعماء السياسيين عن المحاكمات.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
في النزاع الدائر حالياً بين الأسد وزوجته من جهة، ورامي مخلوف من جهةٍ أخرى، يُطرح سؤال عن مدى قدرة النظام على تصفية مخلوف …
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هشام طلعت ومحسن السكري يعيشان أحراراً اليوم، فمن سيهتم لعدالة امرأة ابتذل كلام كثير حولها، وها قد مرت بضع سنوات كافية لينسى العالم أمرها، فليعد المقاول الى حظوته، وليخرج الضابط الذابح من سجنه.
ماجد كيالي – كاتب فلسطيني
ثمة تاريخاً غامضاً للنظام السوري، في الحقبة الأسدية، هو التاريخ المحجوب، لمصلحة سردية تحيل كل شيء في سوريا، للنظام الذي أسسه، أو سيطر عليه، حافظ الأسد…
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني