fbpx

عن عصر صناعة الرغبة والديكتاتوريات المستنيرة(1):فرويد و إدوارد بيرنيز

أخبرَ بريل بيرنيز أن السجائر يمكن أن ترمز لقضيب الرجل وقوته الجنسية، ثم أخبره أنه لو كان بالإمكان إيجاد طريقة لربط السجائر بفكرة تحدّي الذكورية فستدخّن النساء، لأنهن حينئذٍ سيمتلكن أعضاءهن التناسلية الذكرية الخاصة بهن.

سيظلّ حدث خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت) يُلقي بظلاله على الدور الذي من الممكن أن تلعبه تكنولوجيا المعلومات كوسيلة فعّالة في حشد الجماهير، تعبئتها، والتلاعب بها، وذلك بعد أن تم الكشف عن ضلوع شركة تحليل البيانات البريطانية “كامبريدج أناليتكا” في عملية التأثير على الناخبين.

كذلك، كان فوزُ ترامب بمنصب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية بمثابة صفعة مشابهة حين اعتمدَت أناليتكا في تورّطها لصالح حملتهِ الانتخابية على معلومات جمَعَها عن ملايين المستخدمين موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك؛ الأمر الذي يثيرُ بدورهِ الكثيرَ من الأسئلة حول مدى قدرتها وفاعليّتها -تكنولوجيا المعلومات- في تقويض العمليّة الديموقراطية بحدّ ذاتها.


بيرنيز أدرك حقيقة أنه بإمكانه إقناع الناس بالتصرف لاعقلانياً عبر ربط المنتجات برغباتهم العاطفية ومشاعرهم؛ إن فكرة أنَّ السجائر قد جعلت المرأة أكثر حرية هي (فعلياً) غير عقلانية بالمرّة، لكن ربط التدخين بحقوق المرأة عزّز لديهن “الشعور” بالاستقلالية

قبل أكثر من مائة عام، كان سيغموند فرويد قد وضع نظريةً جديدة حول الطبيعة الإنسانية؛ اكتشفَ ما أسماهُ بـ “قوى بدائية جنسية عدوانية مدفونة عميقاً داخل عقول البشر جميعاً”، وأنه من الضروري أن تخضع تلك القوى للسيطرة، وإلا فإنها ستودي بالأفراد والمجتمعات نحو الفوضى.

ستحاول هذه السلسلة من المقالات التي ستُنشر تِباعاً في “درج” أن توضّح كيف استَخدمَ مَن بِيدهم زمام الأمور نظرياتِ فرويد ليَحكموا الجموع “الخَطِرة” في بداية عصر الديموقراطية الشاملة، والإجابة كذلك على سؤال: كيف اتخَذَت الحضارة الإنسانية ذاك المنعطف الذي أودى بها اليوم ضحيّةَ صُنّاعِ الرغبات، شركاتِ الإنتاج، الاستهلاكية العالمية، وسائل الدعاية، ومن ثم الديكتاتورية بشكلها “المستنير” الحديث.

البداية

لم يكن فرويد لبّ الحكاية وحده، إنما آخرون من أفراد عائلته، أبرزهم ابن اخته الأمريكي “إدوارد بيرنيز“.

يكاد بيرنيز المولود في فيينا عام 1891 ألا يكون معروفاً على نطاق واسع اليوم، لكنّ تأثيرهُ على القرن العشرين يكاد يُقارب عَظمة تأثير فرويد نفسه؛ كان بيرنيز أول من أخذ بأفكار خالهِ فرويد عن الإنسان، واستعملها في عمليات تلاعُب واسعة بالجموع.

إدوارد بيرنيز في جادة برودواي – نيويورك حيث عمل مستشاراً للعلاقات العامة

علّم بيرنيز المؤسسات الأمريكية للمرة الأولى كيف تكون قادرة على جَعل الناس يرغبون بأشياء ليسوا بحاجة إليها، وذلك عبر ربط بضائعِهم غَزيرةِ الإنتاج برغباتهم اللاواعية، الأمر الذي ستتولد عنه فيما بعد رؤية سياسية في كيفية السيطرة على الحشود وإدارتها، علّمَ المؤسسات الأمريكية أنها بإشباعها “الرغبات الأنانية” لدى البشر فإنها تستطيع أن تجعلهم “سعداء” وبالتالي مُنصاعين؛ إن ذلك يمثل بداية “الذات الاستهلاكية” التي تسيطر على عالمنا اليوم.

قبل أكثر من مائة عام، رَفضَ مجتمع فيينا نظريات فرويد وكرهها، في ذلك الوقت كانت فيينا مركز الإمبراطورية الشاسعة المسيطرة على أوروبا الوسطى، وبالنسبة لطبقة نبلاء “هابسبورغ” أو “آل النمسا” لم تكن نظريات فرويد مُحرجة فحسب، إنما جوهر فكرة أن يَفحص الإنسان مشاعرهُ الداخلية ويحلّلها كانت بمثابة تهديد لسيطرتهم المطلقة آنذاك. 

كان لأولئك الناس (طبقة نبلاء هابسبورغ) في ذلك الوقت قوة كبيرة لم يكن مسموحاً معها إظهار المشاعر الدفينة أو الشكوى، كان ذلك يبدو وكأنك تقلّل من احترام نفسك أمام الآخرين، لذا حين جاء فرويد بفكرة تجعل من ذاتك والعالَم موضع مساءلة، وحينَ كان قادراً على النظر إلى المجتمع البرجوازي الفيينّي والقول: “ما تعتقدون أنه عقلاني يعتمد على دوافع لا تتحكمون بها تماماً”، إنه بذلك إنما يجعل الإمبراطورية الشاسعة التي صنعها الإنسان لنفسه عرضةً لخطر الإنهيار؛ لكن، ما أخاف حكام الإمبراطورية أكثر هو أنه وبحسب فرويد “مدفون داخل عقول جميع البشر محركات خطرة وغرائزية”.

اخترع فرويد طريقة أسماها “التحليل النفسي” لاستكشاف ذاك الجزء المخفي من عقولنا، والذي نطلق عليه اليوم “اللاوعي”، وهذا الجزء مجهول كلياً بالنسبة لوعينا، قال بأنَّ هناك حاجزاً في عقولنا يمنع تلك الومضات من القوى الخفية والمنبوذة من الخروج من اللاوعي، وأنه بتحليله الأحلام والجَلَسات التي قام بها قد اكتشف “قوىً جنسية وعدوانية” اعتبرها “بقايا من ماضينا الحيواني”. 

في العام 1914 أدت الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية بأوروبا للحرب، ولما سادَ الرعب رأى فرويد أن هذا هو الدليل الرهيب على صدق ما خَلُصَ إليه، “أسوأ ما في الأمر -يقول فرويد- أن هذا بالتحديد ما يجب أن نتوقّعه من تصرفات الناس بناءاً على ما عرفناه من التحليل النفسي، لقد أطلقت الحكومات قوىً بدائية من داخل الإنسان، ويبدو أنه ليس ثمة من يدري كيفية إيقافها”.

حين اندلعت الحرب العالمية الأولى كان إدوارد بيرنيز يعمل وكيلاً صحفياً في الولايات المتحدة، هاجر والداه إلى أمريكا حين كان لايزال في عامه الأول، لكنه ظل على اتصال بخالهِ وزوج عمّتهِ سيغموند، كانا يلتقيان في الإجازات في جبال الألب، لكن في 6 أبريل عام 1917 قرر بيرنيز السفر إلى أوروبا لسبب آخر تماماً حين أعلنت الولايات المتحدة أنها ستدخل الحرب ضد ألمانيا والنمسا، وكجزء من المجهود الحربي، أسست الحكومة الأمريكية لجنة للمعلومات العامة، وتم توظيف بيرنيز لترويج الغاية من الحرب الأمريكية صحفياً. 

أعلن الرئيس وودرو ويلسون أن الولايات المتحدة ستحارب ليس لاسترجاع الإمبراطوريات القديمة إنما “لترسيخ الديموقراطية في جميع أنحاء أوروبا”، وقد بدا أن بيرنيز كان بارعاً للغاية في الترويج لهذه الفكرة سواءً داخل أمريكا وخارجها، حتى أنه في نهاية الحرب طُلبت منه مصاحبة الرئيس في مؤتمر باريس للسلام.

بيرنيز إبان التحضيرات لمؤتمر باريس للسلام 1918

اندهش الفرنسيون مستضيفوا ويلسون في باريس من بيرنيز والدعائيين الأمريكيين الآخرين الذين صوّروا ويلسون على أنه “محرر الناس”، الرجل الذي يستطيع خلق “عالم جديد يكون فيه الأفراد أحراراً”؛ وبينما كان يشاهد تدافع الحشود حول الرئيس ويلسون، بدأ يفكر بأنه لو كان بالإمكان استخدام عملية خداع مشابهة للجموع وقت السلام.

يقول في تسجيل مصور عام 1991: “عندما عدتُ للولايات المتحدة فكرت أنه إن كان بالإمكان استخدام البروباغندا للحرب، فإنه بالتأكيد يمكن استخدامها لإحلال السلام (…) لقد كانت كلمة البروباغندا سيئة لاستخدامها من قبل الألمان، لذا ما قمت بفعله لاحقاً هو محاولة إيجاد تعبير آخر، فأوجدتُ (مجلس العلاقات العامة)”.

عاد بيرنيز إلى نيويورك، واستقر بصفته “مستشار علاقات عامة” في مكتب صغير في Broadway، وقد كانت تلك هي المرة الأولى التي يتم فيها استخدام هذا المصطلح.

مع نهاية القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة قد أصبحت مجتمعاً صناعياً كثيفاً بملايين المتكتّلين في المدن؛ كان بيرنيز عازماً على اكتشاف طريقة ليدير ويغير الطريقة التي تفكر وتشعر بها الجموع، ولفعل ذلك توجه لكتابات خاله فرويد.

أثناء وجوده في باريس، أرسل بيرنيز لفرويد هدية من سيجار “هاڤانا”، وفي المقابل أرسل فرويد له نسخة من كتابه “مقدمة عامة للتحليل النفسي”؛ قرأه بيرنيز، وسحرته صورة “القوى اللاعقلانية الدفينة في داخل الإنسان”، وتساءل عما إذا كان باستطاعته جلب المال عن طريق تسخير (اللاوعي الإنساني)؛ لقد كانت علبة سيجار هاڤانا زواجاً بين التحليل النفسي والعلاقات العامة، جعلت من بيرنيز رجلاً ثرياً، وغيّرت العالم إلى غير رجعة.

ما نقله إدوارد بيرنيز عن فرويد هو فكرة أنَّ في اتخاذ الإنسان للقرارات ثمة ما لم يتم الكشف عنه بعد، ليس على مستوى الأفراد، إنما الجماعات، وهو الأمر الأكثر أهمية، وهو أن المعلومات التي يتلقّاها الناس تؤدي لتصرفات، لذلك فقد اشتغل بيرنيز على صياغة تلك الفكرة، بأن عليك أن تأخذ جدياً وبعين الاعتبار كلّ ما من شأنه الوصول للمشاعر اللاعقلانية لدى الناس.

حاول بيرنيز ربط تدخين النساء بتحدي الذكورية

بدأ بيرنيه رحلةَ تجاربه بعقول الطبقات الشعبية، وتجربته الأبرز والأكثر دراماتيكية كانت أن يقنع النساء بالتدخين -في ذلك الوقت كان تدخين المرأة محظوراً- كان “جورج واشنطن هيل” رئيس شركة التبغ الأمريكي من أوائل عملائه؛ جاءَه يطلب منه طريقة لرفع ذاك الحظر، يقول بيرنيز: “جاءني يُخبرني بأنه يخسر نصف السوق لأن الرجال حظروا على النساء التدخين في العلن، هل يمكنك فعل شيء حيال ذلك؟ فقلت: دعني أفكر، ثم قلت: لو أمكنني فقط الولوج إلى محلل نفسي لاكتشاف ما تعنيه السجائر بالنسبة للنساء، فقال: كم سيكلفنا ذلك؟ فاتصلتُ بالدكتور (بريل) والذي كان أفضل محلل نفسي في نيويورك في ذاك الوقت”.

كان “أبراهام بريل” أحد أوائل المحللين النفسيين في أمريكا وأكثرهم شهرة، بدأ ترجمته لفرويد عام 1909 بـ “بضعة أوراق عن الهستيريا”؛ وبكلفة باهظة أخبرَ بريل بيرنيز أن السجائر يمكن أن ترمز لقضيب الرجل وقوته الجنسية، ثم أخبره أنه لو كان بالإمكان إيجاد طريقة لربط السجائر بفكرة تحدّي الذكورية فستدخّن النساء، لأنهن حينئذٍ سيمتلكن أعضاءهن التناسلية الذكرية الخاصة بهن.

في كل عام كانت مدينة نيويورك تقيم موكباً بمناسبة عيد الفصح يحضره الآلاف، قرر بيرنيز وقتها أن ينظّم فعالية أثناء تلك المناسبة، حيث أقنع مجموعة من الشابات الثريات بإخفاء السجائر أسفل ملابسهن والمشاركة في الموكب، وعند إشارة محدّدة منه يُشعلن السجائر (لاكي سترايك) جميعاً بحركات لافتة؛ ثم اتجه بيرنيز لمجموعة من الصحفيين في المكان يُخبرهم أنه سَمِع عن مجموعة من الشابات المطالِبات بحق التصويت يَنوين التظاهر والاعتراض عبر إشعال ما أسمينه “مشاعل الحرّية”.

كان بيرنيز يَعلم أن ذلك سيكون صيحةً فريدة، وقد كان على عِلم بأن كل المصورين سيكونون هناك ليلتقطوا اللحظة، لذا كان قد أعدّ واستعدّ بعبارة “مشاعل الحرّية”؛ وبهذا فإن رمزاً (نساء شابات ثريات يدخّنَّ السجائر على الملأ)، مع جملة (مشاعل الحرية)، تعني بأن أي أحد يؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة يجب أن يدعم أولئك السيدات في خضمّ الجدل القائم حول الأمر بسبب “مشاعل الحرية”، ومشاعل الحرية تثير في الأذهان تمثال الحرية، والشعلة المطبوعة على العملة الأمريكية آنذاك، وهكذا فإن كل تلك الأشياء ستجتمع، مشاعر الناس، ذكرياتهم، إقراراتهم العقلانية -حتى وإن كانت مبالغ بها- اجتمعت مع بعضها البعض في مشهد فريد، لم تستطع الصحافة الأمريكية أن تقاوم القصة، فكتبت: “مجموعة من السيدات يدخّن السجائر باعتبارها مشاعل للحرية”. ومن تلك النقطة فصاعداً بدأت مبيعات السجائر للنساء تأخذ منحاها ارتفاعاً.

لقد جعل بيرنيز المدخّنات مقبولات اجتماعياً بمجرد مشهد رمزي، وما أحدثهُ من تأثير على اللاوعي الخاص بهن هو أن المرأة إذا ما دخّنت فسيجعلها ذلك أكثر قوة واستقلالية.

لقد دفع ذلك بيرنيز إلى إدراك حقيقة أنه بإمكانه إقناع الناس بالتصرف لاعقلانياً عبر ربط المنتجات برغباتهم العاطفية ومشاعرهم؛ إن فكرة أنَّ السجائر قد جعلت المرأة أكثر حرية هي (فعلياً) غير عقلانية بالمرّة، لكن ربط التدخين بحقوق المرأة عزّز لديهن “الشعور” بالاستقلالية، وهذا هو ما ابتغاه بيرنيز، كان متعمّداً جعل أشياء غير ذات صلة، تصبح رموزاً شديدة القوة عاطفياً لتعبّر عن “كيف تريد أن يراك الآخرون”.

رأى بيرنيز أن الطريقة لبيع منتج ليست ببيعه لعقلك المُدرِك (يجب عليك شراء سيارة مثلاً)، إنما بـ (ستشعر أفضل لو كنت تمتلك سيارة)، الطريقة الصحيحة لبيع خدمة أو مُنتج ما هيَ ربطك شخصياً وعاطفياً به؛ ليس للأمر علاقة بأنك (تعتقد أنك بحاجة لملابس جديدة)، إنما للأمر علاقة بأنك سـ (تشعر أفضل بشرائك هذه القطعة الجديدة من الملابس)؛ وهذا ما ساهم به بيرنيز ببساطة، وهو أول من أنشأ تلك الفكرة، فكرة الارتباط العاطفي بسلعة أو خدمة. 

في المقال المقبل سنعالج كيف ستصبح هذه الفكرة عِماد الاقتصاد في عصر الاستهلاكية الذي يزداد ضراوة، قبل أن تتداخل في السياسة وتثير الكثير من الشكوك والأسئلة حول الديموقراطية نفسها في عصرنا الحديث.

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هالة الدوسري – باحثة وناشطة حقوقية سعودية
أثارت وفاة كاتب الرأي الشهير صالح الشيحي بسبب إصابته بفايروس “كوفيد-19” قلقاً واسع النطاق على مصير آلاف المعتقلين في سجون المباحث السعودية.
صهيب أيوب – صحافي وكاتب لبناني
جنفييف زينج – باحثة قانونية في المركز السوري للعدالة والمساءلة
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني