هيهات من الحجر والضجر وخوف يتساقط كالمطر!

في ساعات الحجر فكر بمن حجر نفسه لسنوات ولم يتفوه بكلمة واحدة. الحجر بأنواعه الصحية كالمرض، والسياسية كالقمع، والاجتماعية كنظرة مجتمع، والاقتصادية كالفقر والعوز، والنفسية، نتيجة كل ما ورد

أزعجتنا العزلة؟ لا. بل أدمنا الترف، هل الترف أفسدنا؟ نعم. نسينا عزلة الآخرين متناسين أو متجاهلين كل ما هو نفسي تحت خانة الشعور. حجر 48 ساعة هذا، ما هو سوى مثل بسيط عن حياة كثر من حولنا. هناك من لا يغادر الفراش، وهناك من تحجره وحدته، وآخر توحده، وآخر كآبته وآخر وآخر وآخر ثم نحن، الذين ننعم بالترف.

الترف هنا ليس “ليموزين” ولا ثياباً ذات علامة تجارية معروفة. الترف هنا ليس مطاعم وملاهي ليلية ولا سهرات ولا زيارات ولا اجتماعيات. الترف هنا نقصد به حرية الحياة بين التنقل والتخيل والراحة. أن أتنقل من دون أن أكون أسير فراش في مستشفى أو بيت، بسبب “سرطان” أو مشكلة في التنفس أو بتر رجل أو يد. التخيل الذي يتيح لعقلي أن يبسط الأمور من تعقيدها وأنعم بأفكار أريدها من دون اضطراب أو طنين في أذني أو وجع يخترق خلايا عقلي لعطب تقني في الأوعية الدموية أو نقص هرمون أو أي خلل بيولوجي يعتليني. الراحة بعيداً من الخوف والقلق، كسر حواجز كل ما يحجرني عن التفاعل مع الآخر… كل هذا هو حجر، فما هو أمام حجر الكورونا؟ المذكور لا لتسخيف ما نمر فيه، بل لرؤية مصائب غيرنا.

كلنا من دون استثناء هناك من يحتجرنا في السر، محجور في رأسي يحاصرني القلق، وتغلفني جفون متعبة لا تملك رفاهية الدمع. يخنقني صوت من دون أن يجاهر بمشاعر قد تريح اضطرابي.

الترف هنا ليس “ليموزين” ولا ثياباً ذات علامة تجارية معروفة. الترف هنا ليس مطاعم وملاهي ليلية ولا سهرات ولا زيارات ولا اجتماعيات. الترف هنا نقصد به حرية الحياة بين التنقل والتخيل والراحة.

الجنون متاح، التعرف إلى الذات متاح، التعرف إلى إنسانية الآخر متاح… وما هو غير متاح فهو لأننا نرفض الواقع خارج مزاجنا ونرفض أن نقبل بما هو متاح ولا يخطر على بالنا في الحجر. 
يقودني إلى سواد معتم ما هو مجهول، ولا أعرف ماهية السواد، هل هو نفق، هل هو فكرة، أم ظلام يخيفني؟ بكل الأحوال أن أسيره وأرتعب منه، وكما متعارف عليه “الإنسان عدو ما يجهل” فما بالك إن كنت مجهولاً، أنا عدو نفسي وأفكاري وخوفي وطباعي ومشاعري وتصرفاتي ولا أقوى على الاختلاط لعدم ثقتي بما هو “أنا”.
أخافكم كلكم، وأحتجز نفسي بعيداً من “نحن”، أطلق العنان لعدائيتي كي أحافظ على حديقة من الخيال تطوّق عقلي. 
أحدق فيما أفكر، وأفكر فيما أحدق والنتيجة صفر، لا شيء مفهوم. أشتاق للحب وأشتاق للذاكرة وأخاف الاستذكار والبوح بالشعور. لماذا؟ لأنني في حجر نفسي لا أعرف كيف بدأ، لكن على الأقل تحضرني الخيبات وتفسر حاضري وتأسر مستقبلي. لا يمكن أن أتعب من حجر صحي، فأنا في حجر من الأساس وغيري كذلك ولكل منا طاقته. في ساعات الحجر فكر بمن حجر نفسه لسنوات ولم يتفوه بكلمة واحدة.
الحجر بأنواعه الصحية كالمرض، والسياسية كالقمع، والاجتماعية كنظرة مجتمع، والاقتصادية كالفقر والعوز، والنفسية، نتيجة كل ما ورد، يحاصرنا، يخيفنا، يرهبنا، يعتصرنا، يكبلنا، يشد على أوردتنا ويقتلنا، ثم يعيدنا إلى الحياة. ونعيد المعادلة المذكورة ونقع ونقوم ونعيد الكرة حتى الموت، هذا هو الأمل.
في أحيان كثيرة، كنت أعتبر أن الحياة مأساة، يجب الهروب منها، لكن في الحقيقة هي كوميديا الواقع الحي بسبب تناقضاتها. في كل مرة نعيد “روتين” حياتنا، نحلم بخلل تقني يكسر الجمود ويفسح لنا المجال لنعيش مختلفين، سعيدين. هيهات من الحجر والضجر وخوف يتساقط كالمطر.


لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

باسكال صوما – صحافية لبنانية
أفكّر أحياناً في أنني وحدي على سطح الأرض وقد اختفى الجميع تماماً.
فهد جمال الدين – باحث وتربوي لبناني
أعاد كورونا تعريف دور الطلاب واستقلاليتهم وإدارتهم لأنفسهم والروتين اليومي للمعلمين وأدوار المشرفين. والآن، ألا يجب علينا أن نفكر في كيفية تقديم مبادرة إصلاح أكثر كفاءة وديمومة؟
فرح شقير – مدونة لبنانية متخصصة في الاقتصاد
تستقبلني ابنتي على الباب عند عودتي ، ألوّح لها وأطلب منها أن تبتعد. هي تريد تقبيلي وأنا لا أريد منها الا أن تبتعد. أهرع إلى الحمام وابدأ بعملية الاغتسال. ولا أعود أعرف ما اذا كنت أقوم بعملية غسل للفيروس أو أغسل عني ذنوبي…
باتريك رزق الله – تربوي وصحافي
لقد حمل إلينا “كورونا” الرسالة. لكنّنا لم نفهمها. أن نعود إلى هدوئنا. أن ندرك ماهيّته ورسالته قبل أن نهمّ بأداء رسالتنا التّعليميّة. لكن للأسف، نحن المعلّمين، في كثير من الأحيان، لا نفهم الدّرس.
“درج”
إليكم لائحة بالأمور المجانية، التي يمكنكم فعلها للاستفادة بوقتكم والاستمتاع أثناء فترة الحجر المنزلي…
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
أجد نفسي وحيدًا في خضمّ حفلة الجنون هذه، لا شيء واضح سوى الخوف. حتّى أنّ القطط في الشوارع تبدو مرعوبة من الهدوء الذي هبط عليها فجأة. ليست المشكلة في اعترافنا بخوفنا، بل إنّه حاجة أساسيّة للعبور. المشكلة تكمن في تطبيعنا معه بهذه السهولة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني