حين قال المؤذن “حيّ على الصلاة” خارج المساجد

بينما سمح العالم الذي تسوده العولمة بوجود نطاق واسع من المرونة فيما يتعلق بالهوية الإسلامية أو المسيحية، سلط فيروس كورونا، الآن أكثر من أي وقت مضى، الضوء على صدعٍ قديم قدم الدهر بين المتدينين والمناهضين للأديان

في سياق التفشي الشرس لفيروس كورونا، شق الدين طريقه إلى صدارة المناقشات العالمية المفزعة في الوقت الراهن. وليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة، فمن الطبيعي أن تجد هذه العقائد الدينية نفسها في مواجهة مع وباء فيروسي على عدة مستويات.

تتمثل أبرز تلك المواجهات في التجمعات الكبرى للأجساد البشرية خلال إقامة الشعائر والطقوس في الديانات الرئيسية، سواء من خلال اصطفاف المسلمين للصلاة كتفاً إلى كتف في أحد المساجد أو من خلال التناول الجماعي في الكنائس لرقائق الخبز التي من المفترض أن ترمز إلى جسد يسوع المسيح. 

ففي مختلف أنحاء العالم، ومؤخراً لِحُسن الحظ في الشرق الأوسط أيضاً، أغلقت الكنائس والمساجد أبوابها، بل أقدمت المساجد على القول بعد الفراغ من الأذان، “صلوا في بيوتكم”، أو بدلاً من قول “حَيَّ عَلى الصَّلاةِ” كما هو معتاد في الأذان للصلوات. فضلاً عن أن السّعوديّة حظرت السّفر، ما منع ملايين المعتمرين من الدخول إلى الأماكن المقدّسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة. وألقى البابا فرنسيس صلاة أنجيلوس في بث مباشر عبر شبكة الإنترنت هذا الأحد، بدلاً من ساحة القديس بطرس بالفاتيكان في روما.

بيد أن الأمر الأشد ترويعاً من حظر التجمعات الكبيرة، هو المعضلة النفسية بين المعتقدات الدينية واليقينيات العلمية، التي سلّطت الضوء على الفجوة الأزلية العميقة بين مجموعة المواقف والآراء المختلفة التي تتبناها المذاهب الدينية المتطرفة من جهة والفلسفات الانتقائية الحديثة من جهة أخرى.

يُعزى ذلك إلى أن الشخص المتدين وجد نفسه فجأة عند مفترق طرق. فمن ناحية، يوصي خبراء الطب بالإبعاد أو التباعد الاجتماعي، وهو الخيار المنافي تماماً لواقع التجمع في الأماكن المقدسة المُخصصة للعبادة. ومن ناحية أخرى، كيف للمرء أن يجتهد في الصلاة من أجل الحماية من هذا الوباء، إذا كانت الأديان منذ الأزل تشترط أن تؤدى الصلوات في كنف أماكن العبادة اللائقة لضمان قبولها واستجابتها؟ وإذا كان الله هو مخلصنا الوحيد من هذه الأوبئة، فما الذي سيفعله حين نغلق هذه الأماكن المقدسة، ونمنع كثيرين من التفاني في عبادته؟

أثارت قرارات إغلاق المساجد والكنائس والمعابد في جميع أنحاء العالم ردود فعل متفاوتة. فقد شعر كثيرون بالغضب الشديد عند إغلاقها، في الوقت الذي يرون أن الحاجة تشتد للغاية لطلب الرحمة والعافية من الرب، في حين أعرب آخرون عن شعورهم بخيبة الأمل إزاء التأخر في اتخاذ قرار إغلاقها. وبينما سمح العالم الذي تسوده العولمة بوجود نطاق واسع من المرونة فيما يتعلق بالهوية الإسلامية أو المسيحية، سلط فيروس كورونا، الآن أكثر من أي وقت مضى، الضوء على صدعٍ قديم قدم الدهر بين المتدينين والمناهضين للأديان. ولكن ربما كان الأمر الأكثر أهمية، هو ذاك الصدع بين المتدينين والمتطرفين.

لعل النقطة الأولى التي أظهرت عمق الفجوة بين الفئتين، هي مدى تأثير إيمانهم؛ هل يمدهم إيمانهم بالله، أو ببعض القديسين أو الأنبياء أو ما شابه ذلك، بالقوة الكفاية للتصدي لفيروس مدمر وهزيمته سواء اقتصر ذلك عليهم فقط، أو على كبار السن من أفراد عائلاتهم؟ يكمن الصدع بين التطرف والتقوى في الإجابة على هذا التساؤل إما بنعم أو لا. فبين أولئك المختبئين في منازلهم وهم يتلون القرآن ، وأولئك الذين يلعقون الأضرحة في إيران، أصبح الانقسام الذي تشهده العقيدة الإيمانية أكثر وضوحاً على الإطلاق، وكذلك الخوف الناشئ عن رؤية التطرف رؤى العين. وهذا لا يعني أن هذه الفجوة لم تكن موجودة دوماً، جُلّ ما في الأمرِ أنها أصبحت الآن حتمية.

فبين أولئك المختبئين في منازلهم وهم يتلون القرآن ، وأولئك الذين يلعقون الأضرحة في إيران، أصبح الانقسام الذي تشهده العقيدة الإيمانية أكثر وضوحاً على الإطلاق، وكذلك الخوف الناشئ عن رؤية التطرف رؤى العين.

على الرغم من السهولة والمتعة الشديدة التي قد تنطوي على نشر مقاطع فيديو لبعض المتعبدين المتطرفين الذين يظهرون وهم يتحدون هذا المرض شديد العدوى، فقد آن الأوان لكي ندرك أن ذلك لم يعد كافياً للنأي بأنفسنا عن هذه الحقائق الواقعة. مؤكد أننا إذا لم نكن قد تعلمنا أي شيء، فعلى الأقل أظهر لنا معدل انتشار فيروس كوفيد-19 جلياً أننا نعتمد بشدة على الالتزام بالإجماع من جانب كل إنسان على وجه الأرض داخل أي حدود يقيم فيها، بحماية أولئك المعرضين للخطر (مثل كبار السن أو الأفراد أصحاب المناعة الضعيفة). وهذا يعني أن الاستهزاء بأولئك الذين يتبنون ميولاً متطرفة قد يؤدي في المقابل إلى عواقب متطرفة.

عندما تضرب القناعات أعماقاً أبعد من الخوف، فإن أولئك المحرومون من ممارساتهم العقائدية سوف يتبنون ردود فعل حادة، وسوف يجدون طرقاً مختلفة لتلبية احتياجاتهم. ففي كوريا الجنوبية، ثمة طائفة شبه كنائسية تسمى “كنيسة المسيح في سينتشيونجي” تقع في مدينة دايجو، يُقال إنها المسؤولة عن تفشي الفيروس في كوريا الجنوبية، بسبب حضها أتباعها على الاجتماع في جلسات سرية صغيرة للعبادة على الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة لفرض الحجر الصحي.

بينما في إيطاليا، تنظم الجماعات الكاثوليكية المتدينة اجتماعات سرية مع قساوسة في سراديب الموتى بروما عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال التواصل الشفهي، وبالرغم من إقامة الكثير من تلك الفعاليات، ما زال يتعين على السلطات الدينية احتواء هذه الظاهرة.

أما في الهند، فقد أقيمت فعالية كبيرة لشرب “بول البقر” خلال عطلة نهاية الأسبوع، نظمها رئيس منظمة “هندو مهاسابها” الهندوسية سوامي تشاكراباني، الذي جمع المئات من الأشخاص وأقنعهم بأن فيروس كوفيد-19 هو فيروس ينتقم من أولئك الذين يتناولون اللحوم.

في حين كانت مدينة قُم المقدسة في إيران، والتي تستقبل عادة نحو 20 مليون حاج شيعي سنوياً، نقطة الانطلاق وأصبحت الآن مركزاً لتفشي الفيروس في إيران؛ فقد سُمِح لآلاف الحجيج بإعمار الأضرحة المحيطة بمدينة قُم حتى آخر لحظة. ومجدداً تأصل المنطق وراء ذلك في العقيدة: كيف يمكن أن يجتاح المرض أقدس الأماكن في الدولة بأكملها؟ من منطلق ديني، ما دلالة ذلك بالنسبة للمتعبدين وآلهتهم؟

إذاً، الفكرة هي أنه حتى عندما تكون الأفكار المتطرفة بعيدةً كلَّ البعد عن مخيلتنا، فإنها تضرب بجذورها في مخاوف حقيقية للغاية، مخاوف لا يمكننا تجاهلها لمصلحتنا. ففي الأوقات العصيبة تجنح غرائز البقاء إلى القوالب الفكرية وغالباً ما تتحول الأوضاع للأسوأ. ولذا من الأهمية بمكان في مثل هذا الوقت أن نضع الحدّ الفاصل بين التفضيلات الدينية والمواقف المتطرفة والقرارات التي قد تؤثر على سلامتنا جميعاً. ويتعين على الحكومات، بينما تلتزم بقواعد الحجر الصحي الصارمة، أن تجد السبل اللازمة لاستيعاب أولئك الذين يحتاجون إلى الإصلاح الروحي والتوصل إلى حلول توافقية معهم، إذ لم يعد الوقت الآن مناسباً لتأجيج المزيد من التطرف.

وقد قدمت شبكة الإنترنت مؤخراً، من بين العديد من الفوائد الهامة الأخرى، خلال هذا الحجر الصحي العالمي يد العون للأديان المنظمة في كل مكان. إذ تبثّ الأسر المتدينة الموسيقى الدينية والصلوات والعظات الدينية مباشرة على اليوتيوب، فضلاً عن البث المباشر لقنوات كنائس على الإنترنت. فهل يمكن أن تُقدم الأديان والطوائف الموجودة في الشرق الاوسط على فعل ذلك أيضاً؟


لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

خالد منصور- كاتب مصري
يظهر لنا الغضب في مينيابوليس ومدن أميركية أخرى من جديد عمق العداء المتفشي للسود. هذه الخصومة العميقة تنبع من قلب الاجتماع الأميركي بل كانت عاملاً مؤسساً للولايات المتحدة حيث السود لم يصبحوا أبداً من البشر!
باسكال صوما – صحافية لبنانية
من نكد الدهر أن يُطرح قانون العفو العام في البرلمان اللبناني قبل طرح قضية استقلالية القضاء وقبل رفع أيدي الزعماء السياسيين عن المحاكمات.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
في النزاع الدائر حالياً بين الأسد وزوجته من جهة، ورامي مخلوف من جهةٍ أخرى، يُطرح سؤال عن مدى قدرة النظام على تصفية مخلوف …
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هشام طلعت ومحسن السكري يعيشان أحراراً اليوم، فمن سيهتم لعدالة امرأة ابتذل كلام كثير حولها، وها قد مرت بضع سنوات كافية لينسى العالم أمرها، فليعد المقاول الى حظوته، وليخرج الضابط الذابح من سجنه.
ماجد كيالي – كاتب فلسطيني
ثمة تاريخاً غامضاً للنظام السوري، في الحقبة الأسدية، هو التاريخ المحجوب، لمصلحة سردية تحيل كل شيء في سوريا، للنظام الذي أسسه، أو سيطر عليه، حافظ الأسد…
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني