كورونا ليس “خبراً زائفاً” 

كيف أربكت الجائحة خطط "اليمين الشعبوي" وأسقطت الكثير من دعاويه

لا أريد التهوين من خطورة فيروس “كورونا”، لسبب بسيط، هو أنني لست متخصصاً فيه. لكن يمكن استقراء حالة الفزع العالمي من الفيروس المستجد، من وجهة نظر “اليمين الشعوبي”، بالنظر إلى الخصائص الغامضة التي طورها كائن مجهري، ليصير على هذا النحو الطموح والمربك. 

في أقل من 3 أشهر، تحوّل “كورونا” وباء عالمياً، بعد اختراقه الدوائر المغلقة لقادة العالم الذين اعتقدوا أن بإمكانهم “إعاثة” الفساد، ومن ثم الاحتماء بأبراجهم العالية. 

11 مارس/أذار قال اليميني المتطرف رئيس البرازيل جير بولسونارو، إن “كورونا” لا يعدو عن أن يكون خبراً زائفاً، مقتضباً جملة بعناية، من الماكنة الدعائية التي يستخدمها اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة لإعادة انتخاب  الرئيس ترامب لولاية رئاسية جديدة. بعد يوم واحد فقط من تصريحات الرئيس البرازيلي، أصبح ما هو “زائفاً”، حقيقة ناصعة كالشمس: تناقلت وكالات الأنباء إصابة المساعد الإعلامي لبولسونارو بـ”كورونا”.

الرئيس البرازيلي ومساعده فابيو واجنجارتن، كانا قد حضرا في الأسبوع الأول من مارس/أذار حفل عشاء، في البيت الأبيض دعاهم إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وبعد التأكد من إصابة مساعد بولسونارو بـ”كورونا”، عادت الوكالات التي غطت حفل العشاء للتمعن في الصور التي نشرها فابيو في حسابه على تويتر، فعثرت على لقطات تذكارية تجمع المسؤول البرازيلي بشكل لصيق مع الرئيس الأمريكي ونائبه. مما يعني أن الرجل أقترب إلى المسافة صفر، من رئيس أهم وأقوى دولة في العالم. ومع عجز الأنظمة الصحية عن الإجابة على أسئلة كانت تعتبر مجرد بديهيات في تعامل البشر مع الأوبئة، تبقى إصابة دونالد ترامب بـ”كورونا” محتملة. وكالات الأنباء أعلنت في 13 مارس/أذار، إصابة الرئيس البرازيلي بـ”كورونا”. حالة اليقين المتعلقة بسرعة انتقال الفيروس، تلعب هنا دوراً رحيماً لصالح “أمنا الأرض”.

ترامب وبولسونارو

قدسية تقدم رأس المال

ينطلق تضامن “اليمين الشعبوي” مع بعضه من التشكيك في كل شيء، عندما يتعلق الأمر بالأمن البيئي. أي أن القدسية تقدّم رأس المال، على مسائل الخلاص الجمعي وتضامن الشعوب مع بعضها. لقد قام البرنامج الانتخابي، لترامب، على التشكيك من مشكلة “الاحتباس” الحراري، باعتبارها “خبراً زائفاً” يراد منه تحجيم الدور الريادي للولايات المتحدة في مسألة الصناعات. وبعد توليه منصبه، قاد ترامب حرباً تجارية مع الصين، في محاولة منه لإعادة الشركات الأمريكية للعمل من داخل بلاده.

تقرير رسمي، صادر عن “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” بداية 2019 قال أن “الولايات المتحدة الأمريكية، تتصدر المركز الأول على لائحة أكبر الدول المصدِّرة للأسلحة في العالم”، ومصانعها الأكثر انبعاثاً لغاز ثاني أكسيد الكربون، المتهم الأول في ارتفاع حرارة الأرض.

تحرص الأنظمة، في عالم أحادي القطب، على استثمار، حالة التفاوت واللامساواة لصالحها. ينعم الأغنياء بالسيارات الفارهة، بينما يحصل الفقراء على غاز الكربون المتصاعد من مصانعها

وكان بولسونارو، أول المستفيدين من فكرة “اليمين” التي تقترب من كل شيء مثير للجدل، وتشكك في القضايا التي ينظر لها دعاة السلام والأمن على أنها أساساً في التنمية والاستقرار في العالم. بعد أقل من ثلاثة أشهر على انتخابه رئيسا للبرازيل، شهدت غابات الأمازون في منتصف أغسطس/آب 2019  أسوأ الحرائق في تاريخها. وتنتج الأمازون 20 في المئة من الأكسجين الذي يحد من الاحتباس الحراري، ما دعا إلى إطلاق لقب “رئة العالم” على غاباتها. 

الثلاثاء 28 أغسطس/ آب 2019، رفض بولسونارو، مساعدة دول مجموعة السبع لإخماد حرائق الأمازون، وأعتبر أي تدخل بمثابة حرب وانتهاك سيادة.

وكان الباحث في في البيئة رومولو باتيستا قد قال إن “تربية البقر المكثّفة هي السبب الأبرز لقطع الأشجار في الأمازون. وتحتلّ المراعي اليوم أكثر من 65 بالمئة من الأراضي التي قطعت أشجارها في الأمازون”. وضاعف قطع الأشجار لمساحات كبيرة في انتشار الحرائق، التي انتقلت بسرعة كبيرة في الحقول التي تستخدمها المزارع لتربية الأبقار.

وتعدّ البرازيل أكبر مصدّر في العالم للحم البقر. وبلغت صادراتها من لحوم البقر كمّية قياسية سنة 2018 تقدّر بـ 1.64 مليون طنّ، بحسب جمعية الصناعات المصدّرة للحوم في البرازيل. ويعتقد أن الماشية ذات الأمعاء “المستجرة” مسؤولة عما يصل إلى 14 في المئة من انبعاثات الغازات المُسببة للاحتباس الحراري الناجمة عن أنشطة بشرية أو حيوانية.

لكن بولسونارو أطل في 21 أغسطس/ آب على وسائل الإعلام متهماً المنظمات غير الحكومية بإشعال الحرائق عن عمدٍ رغم أنه لم يقدم أيّ دليلٍ يَدعم هذا الاتهام.

بداية العام 2020 تواردت أنباء أن السلطات الصينية، تتكتم على وباء غاية في الخطورة، في ذات الوقت، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعيد مشاركة تغريدة على حسابه في تويتر، ساخراً فيها من الناشطة البيئية السويدية جريتا تونبرج ابنة الـ16 عاماً، التي ألقت خطاباً أمام قادة العالم بشأن التغير المناخي.

ويظهر الفيديو الشابة تونبرج خلال كلمتها في الأمم المتحدة، بقمة المناخ التي عقدت قبيل انطلاق أعمال الدورة الـ74 للجمعية العامة، وعلق عليه: “يبدو أنّها شابة سعيدة جداً. من الرائع مشاهدتها”. في ديسمبر 2019، وقّع ترامب مرسوماً نهائياً للانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، لتعيد مصانعه العملاقة العمل بكامل طاقتها.

خطراً مصيرياً

مع “كورونا” تبدو كل الأخبار زائفة، إلا من كون البشرية تواجه خطراً مصيرياً، لا يحتمل “الأنانية”، التي يدير بها اليمين الشعوبي العالم. في فبراير الماضي، صدّر الزعماء الصينيون، خطاباً هلعاً وواضحاً، من أنهم يتعاملون مع مشكلة تهدد العالم، وعصية على السيطرة. فيما كان الحزبان الرئيسيان في الولايات المتحدة يخوضان غمار الانتخابات التمهيدية المؤهلة لرئاسة الولايات المتحدة. 

في الـ26 من فبراير اتهم الرئيس الأميركي خصومه الديمقراطيين وبعض وسائل الإعلام -مثل شبكة “سي إن إن”- بإثارة “الهلع” بشأن فيروس كورونا المستجد والتأثير سلباً على الأسواق.

وقال ترامب في تغريدة على “توتير” إن وسائل الإعلام الكبرى تعمل على تقديم فيروس كورونا بأسوأ ما يمكن، “مما يخلق حالة هلع في الأسواق”. في 12 مارس/آذار أعلنت إدارة الصحة في ولاية أوهايو الأمريكية أن عدد المصابين بفيروس كورونا قد يتخطى الـ 100 ألف مصاب فقط في الولاية، وأن المنظومة الصحية لا تستطيع القيام بعملها أمام هذا العدد الفلكي. وحملت بعض المصادر أن الإدارة الأمريكية المسؤولية، لأنها لم تتعاطى مع انتشار الفيروس في ظل حملات الدعاية الانتخابية بمسؤولية، أرجأت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي إلى وقت لاحق.

إيران هي الأخرى، فضّل نظامها الثيوقراطي، تمرير الانتخابات، على حياة شعب بأكمله، ومالم يكن في حسبان المسؤولين الشائخين، هو أنهم سيكونون وقوداً هم أيضاً، لهذه الجائحة. 

استثمار التفاوت

تحرص الأنظمة، في عالم أحادي القطب، على استثمار، حالة التفاوت واللامساواة لصالحها. ينعم الأغنياء بالسيارات الفارهة، بينما يحصل الفقراء على غاز الكربون المتصاعد من مصانعها، تحمل الفوائد ومكافآت البنوك المسؤولين الأمريكيين إلى كراسي الحكم، فيما توصل القروض الميسرة الفقراء إلى التشرد على جادات منهاتن وول ستريت؛ كعارض لسياسات الإفلاس التي تهز أسواق المال، كلما قرر رئيس مصرف أن يكافئ نفسه. ليأتي أخيراً، ما هو عادل في هذا الكوكب المتداعي: فيروس كورونا!

أمام تقهقر الإنسان، واضمحلال خياله، طوّرت الفيروسات التاجية أداءها، على نحو متسارع منذ بداية الألفية الجديدة. كانت اللحظة الفارقة، حين قرر كائن ميكروسكوبي دقيق، أن يطوّر من خصائصه الحيوانية، ليصبح بشرياً، على النحو الذي تنبأت به أفلام هوليود.

رأينا بعد ذلك، كيف تمكنت نسخ غريبة من أنفلونزا شرسة من مهاجمة الأجهزة المناعية البشرية، والانتصار عليها. لكن الجدل يظل قائماً، حول ما إذا كانت هذه الفيروسات من صنع بني البشر، وفيما إذا تم استخدامها في الحروب التجارية الحديثة.

في 12 مارس/آذار اتهم المتحدث باسم الخارجية الصينية الولايات المتحدة بالتسبب في فيروس كورونا، وقال في تغريدة على تويتر: قد يكون الجيش الأمريكي هو من أدخل فايروس كورونا إلى مدينة ووهان الصينية، الولايات المتحدة مدينة لنا بالتفسير، وعليهم أن يكونوا شفافين في شأن تقارير انتشار الفايروس في أمريكا. 

من جهتها، استدعت الخارجية الأميركية السفير الصيني على خلفية اتهام بكين الجيش الأميركي بجلب فيروس كورونا إلى ووهان.

ريان الشيباني

نشر هذا المقال في موقع خيوط اليمني 


لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
مناهل السهوي وميزر كمال
حين فكرنا بمادة تجمع العراق وسوريا معاً بدا أن الجوع هو البوابة، العراقُ من الماضي وسوريا الآن، كيف يبدو شكل المجاعةِ الآتية إلى سوريا اعتماداً على الزمن الماضي الذي عاشه العراق في حصار قاس؟
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني