موقف طبقي عنصري من العزل المنزلي!

أنا من الميسورين، ولدي عمل تمكن تأديته من بعد. وإن توجب علي التوقف عن العمل لمدة، فأنا قادر على الصمود. لقد أحسنت الثورة المعلوماتية والتكنولوجية تجاهي. ولكن ماذا عنهم؟ الآخرين؟

لقد عزلت نفسي. نعم، عزلاً كاملاً ومحكماً. تبضعت ما أحتاجه من أساسيات وبعض ما يسليني من “نقرشات”. القليل من المخلوطة، الفوشار، مشروبات غازية وكحولية. لم أكن مشتركاً في “نتفليكس”، ولكن زميلي في المكتب نصحني به لقتل الوقت. لكنني أحب القراءة أيضاً، لهذا طلبت خمسة كتبٍ من المكتبة التي لديها خدمة توصيل. أعتقد أن هذا سيكفيني لأسبوعين من العزلة. لا تحكموا عليّ بالسوء، فمنكم من انتقدني لأن ما أفعله أشبه بالتحضير لعطلة، وليس لعزل منزلي خوفاً من وباء، لا أبالي طبعاً… أتصفح “السوشيل ميديا”، وأبتسم، أحياناً أشعر بالفخر والأمان، فأنا معزول، وأؤدي دوري الإنساني في التسطيح والتخفيف من انتشار “كورونا”، وأتعجب من الذين لا يفعلون مثلي. ما الذي يدور في رؤوسهم؟ لماذا لا يأبهون للإنسانية وسلامتها مثلي ومثل أصدقائي في المكتب؟ لمَ هناك من لا يتقيد بالإرشادات الصحية وقد أصبحنا في 2020؟ أشارك منشورات تدعو الناس إلى العزوف عن الاختلاط مع الآخرين في العمل وعدم استعمال وسائل النقل العامة… أحلل، ثم أستنتج أن قسماً من المواطنين يتحمل الملامة، وأن سخطي وسخط أصدقائي عليهم مبرر لأن السلامة فوق كل اعتبار ونقطة انتهى!

في بلد موبوء اقتصادياً وسياسياً، عليّ أن أتفهم أن العزلة والعطلة، والتزام المنزل مع القدرة على تأمين لقمة العيش هي رفاهية لا يحظى بها إلّا القّلة

تشاركني الرأي وسائل الإعلام، فهم يعرفون أكثر مني، لهذا عندما وجب الالتزام بالمنازل طالبوا بحالة طوارئ، نعم، أفضل حل هو منع أي شخص من الذهاب إلى أي مكان وممارسة أي شيء، وإن تطلب الأمر، كالعادة في شتى الأمور، فليبسط الجيش سلطته على الأرض (كما يطالب البعض)، ويعاقب كل من يخالف. توجه فاشي قليلاً، ولكنه مفهوم في أحوال عصيبة كهذه. لا بأس، فسلامة الناس تأتي أولاً. 

ولكن لو توقفت لبرهة للتفكير بدينامية الحياة الاجتماعية والاقتصادية، لكان بإمكاني أن أستوعب أن من أنعتهم بالجهلة وغير المبالين بالصحة العامة، هم على عكسي، مجرد غير محظوظين. فأنا من الميسورين، ولدي عمل تمكن تأديته من بعد. وإن توجب علي التوقف عن العمل لمدة، فأنا قادر على الصمود. لقد أحسنت الثورة المعلوماتية والتكنولوجية تجاهي. زملائي من الطبقة الوسطى والغنية في “سيليكون فالي” عملوا جاهدين على اختراع تطبيقات وإنشاء شركات لحل الكثير من مشكلات طبقتنا، فعملي يرسل عن طريق خدمة، أؤدي بحثي مستعملاً ما تعلمته واكتسبته من خبرات حاسوبية، أعقد اجتماعاً بتطبيق وأطلب طعامي بتطبيق آخر… أما مادياً، فلدي مدخرات تكفيني وتكفي عائلتي.

 ولكن ماذا عنهم؟ الآخرين؟

هل أنا قاسٍ بحق من أصفهم بالجهلة المتجاهلين؟

هل انا قاسٍ بحق سائق الأجرة الذي إذا لم يخرج من بيته يومياً لن يطعم عائلته؟ هل أنا قاسٍ بحق من لا قدرة له على الصمود ومتابعة المسلسلات حاجراً نفسه، لأنه سيفصل من عمله إذا لم يحضر كل يوم؟ ثم ماذا عن سائقي “الدليفري”؟ لقد شتمتهم حين نزلوا لرؤية البحر المجاني نهار العطلة، هؤلاء الـ”بلا مخ”، هل هم مذنبون بحق البلد ومن فيه؟ هل علينا وبمساعدة إعلامنا الشهم ملاحقتهم وتوبيخههم فرداً فرداً؟ ومن أنا كي أعتبر أن جميع الناس يمكنهم التجهيز لعطلة، عذراً، لعزلة، مثلي ومثل أصدقائي؟ ألم يتبقَّ أسبوعان على نهاية الشهر؟ من سيدفع لهم إيجارات بيوتهم إن عزلوا أنفسهم هذه المدة؟ هذه الفئة من الناس تتقاضى ما يعادل الـ500 ألف ليرة في الشهر، وخصوصاً مع الأزمة التي تمر فيها البلاد. كيف يمكن أن يبقوا في المنزل ومنهم من ليس من ضمان اجتماعي له أو لعائلته، أو لأحد المقربين الذي يعاني من أمراض مزمنة؟ من سيشتري الدواء؟ الدولة؟ طبعاً لا!

ليس لدي ما أقوله أو أفعله، فمواقفي متشابهة. ثورة، غلاء، فن معاصر، وباء، كلها تكرار لموقعي الطبقي سيئ الرؤية، وقدرتي على إصدار الأحكام والنظريات والنصائح الحياتية أو الفنية المحدودة بسبب قصر النظر، لذلك من الأفضل أن أعتمد سياسة النأي بالنفس وألا أتفوه بما قد يدينني ويضعني في خانة من لا قلب ولا “مخ” لهم. وأيضاً، لا بد من أن أفهم الواقعية التي أعيش فيها، والتي تجعلني أطلق الاتهامات بحق الآخرين لأنهم لا يفعلون ما أفعله. 

هذه الواقعية أنانية، لا تعترف بوجود تفاوت واختلاف في المجتمع. هي حقاً واقعية ساذجة وبسيطة، تعتبر أن الجميع قادر، بكل بساطة، وليس لديها القدرة على معرفة ما حولها واستيعابه ضمن منظومتها. لقد حالفها الحظ بأنها أفضل حالاً من غيرها، وفي بلد موبوء اقتصادياً وسياسياً، عليّ أن أتفهم أن العزلة والعطلة، والتزام المنزل مع القدرة على تأمين لقمة العيش هي رفاهية لا يحظى بها إلّا القّلة. إضافة إلى ذلك فإن موقعي الطبقي لا يخولني أن أتفوه بكلام فاشي ويحتقر الغير، لأنني وكما قلت سابقاً، قصير النظر، فماذا أريد؟ أن أحتجز الناس خوفاً على نفسي؟ أن أسمح لهلعي بأن يخلق عنصرية وحشية تجاه فئة معينة من الناس؟ من أصيب ومن لم يصَب، من لم يعزل نفسه، أو من ذهب إلى العمل أو استقل حافلة؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

شربل الخوري – ناشط سياسي لبناني
مجدداً وتحت ستار غطاء اجراءات الحجر ومنع التجول، باغتت القوى الأمنية عدداً من الناشطين لأنهم تجمهروا لانتقاد استمرار المصارف في “حجر” أموال المودعين.
سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري
في الظروف العادية، قد تقرر الانقطاع عن الناس لأيامٍ لسببٍ أو آخر، ربما لا تغادر خلالها بيتك. لكن هذا اختيارك، الشعور مختلفٌ تماماً حين يُفرض عليك الأمر. فما بالك إن كان السجان جرثومة لا تُرى!
أسعد حنّا – صحافي سوري
هل ستقوم الأمم المتحدة بإيقاف تعداد ضحايا “كورونا” لكثرتهم وصعوبة الإحصاء والاكتفاء برقم 100 ألف مصاب كما فعلت بوقف تعداد ضحايا سوريا؟
حسن الحفار – باحث لبناني في علم الألسنية
لا يمكنك أن تنقل قطاعاً بالأساس يفتقد إلى المساواة بين المناطق والتلاميذ وأحوالهم الاقتصادية والاجتماعية، إلى شاشات “اللابتوب” و”الايباد” والانترنت الثابت والسريع.
حسن الحفار – باحث لبناني في علم الألسنية
كأن “كورونا” جاء بقدرة كونية كوزمية حجةً على طبقٍ من ذهب، للمتعطشين لقمع الناس كل فترة وأخرى، بحجة الثورة وبسبب تعطيل البلد، والآن من أجل سلامة البلد وأهله
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
“داعش” قضى ومضى على نحو ما تفعل الفايروسات. استمر مقيماً في مكانٍ ما بعد أن فعل ما فعله، وقتل ما قتله. “كورونا” يتوقع له العلماء مساراً مشابهاً.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني