كورونا لبنان: مهزلة تصوير النواب أنفسهم يتبرعون برواتبهم

انطلقت حملة حض النواب والوزراء والرؤساء على التبرع بمعاشاتهم ومخصصاتهم للمستشفيات الحكومية لمواجهة وباء “كورونا”.

وبدأت الحملة (طيبة القلب وصافية النية) تلقى بعض الردود الإيجابية من نواب قرروا المساهمة برواتبهم، كصهر رئيس الجمهورية النائب شامل روكز (الذي يتقاضى راتبين من الدولة وليس واحداً لكونه ضابط متقاعد ونائب). كذلك شارك في الحملة النواب فادي علامة وياسين جابر وديما جمالي وجورج عقيص إلى الآن.

خطوة الإقدام على التبرع بالراتب هذه سبق أن جرى طرحها سابقاً في سياق البازارات والمزايدات السياسية، فعند أي أزمة اقتصادية أو جلسة تشريعية يتكرر الحديث عن مخصصات النواب ورواتبهم، والتي هي بالمناسبة مرتفعة بالنسبة إلى الحد الأدنى للأجور في لبنان. وشهدنا على امتداد جلسات نيابية عامة عديدة سجالات بين رؤساء الكتل والنواب عمن يريد أن يخفض الرواتب (كبولا يعقوبيان التي لا تحتاج أصلاً إلى الراتب، وكانت سبقت الجميع بتقديم مشروع قانون بهذا الخصوص عام 2018)، وبعض من يريد إلغاءها بالكامل كبعض رجال الأعمال النواب حديثي السلطة، في مقابل من يريد الإبقاء على الأمور كما هي، كونه لا يزاول مهنة أخرى.

شعبوية التبرع بالراتب تكمن في أن النواب رجال الأعمال الجشعين الساعين إلى إلغاء الراتب من أساسه سيبدون أمام الشعب بمنظر كريمي الأخلاق (لكنهم يسرقونهم بطريقة أخرى أبشع وأقصى وغير مرئيّة)

الخطورة في هذا الموضوع ليست خفض الراتب بحد ذاته إنما تلطي النائب (الميسور بخاصة) خلف تبرعه براتبه وكأنه يقول للناس “أديت قسطي للعلى وعلى الدنيا السلام”، مستقيلاً من أي إصلاح آخر إذا ما اعتبرنا هذا الأمر إصلاحاً في الأساس.

للوهلة الأولى تظن أن رواتب النواب هي التي أفشلت القطاع العام، لا سيما المستشفيات الحكومية، وليس سياسات الخصخصة الّتي وضعتها الحريرية السياسية منذ التسعينات والتي جعلت قطاعات حيوية تملكها شركات ومستشفيات تخص الطبقة الحاكمة بطريقة أو بأخرى، فتصبح مسألة التبرع كالذي يعطيك قرشاً من فوق الطاولة ويأخذ منك 100 من تحتها.

المفارقة أن معظم النواب مؤيدي التبرع بالرواتب هم أنفسهم تثار حميتهم عندما تُطرح قوانين كالرعاية الطبية الشاملة أو فرض ضرائب تصاعدية على أرباحهم وشركاتهم، أو ضرائب على أرباح المصارف.

وإذا ما دخلنا بالأسماء، نرى واحدة من المفارقات الصارخة مثل حالة فادي علامة نائب “حركة أمل”. فرجل الأعمال هذا الذي يملك مستشفى الساحل، قرر التبرع براتبه إلى مستشفى رفيق الحريري الحكومي. والتبرع هنا عدا كونه قد لا يكفي لعلاج مصاب واحد بالكورونا لكن المفارقة تكمن في أنه وبدلاً من أن يتبرع السيد علامة عبر وضع المستشفى الذي يملكه بتصرف المستشفى الحكومي أو على الأقل أن يساعد طبياً في التخفيف من هذا العبء. والمفارقة الأبرز في حالة علامة هي أنه صرف لموظفيه نصف راتب خلال أزمة 17 تشرين وما بعدها بحسب ما أكد موظفون عاملون عنده، وهو النائب الّذي يتبع فريقاً سياسياً ساهم بشكل أساسي في ترهل القطاع العام وإفساده تماماً كفريق النائب ديما جمالي (التي بكت بكاءً شديداً على النموذج الاقتصادي الذي أوصلنا إلى الإفلاس عندما أصدر المدعي العام المالي علي إبراهيم قراراً بتحييد أصول أملاك المصارف الذي لم يصمد أكثر من 5 ساعات). وجمالي اعترفت بنفسها على الملأ أنها حصلت على نيابتها “شراية” عبر الرشاوى وهي زلت بلسانها بهذا الأمر، وها هي الآن تتبرع براتبها لمستشفى طرابلس الحكومي.

ومن قصص النواب والتبرعات قصة النائب جورج عقيص الذي تبرع بنصف راتبه للصليب الأحمر، وصور ذلك عبر فيديو، وهو نائب عن “حزب القوات اللبنانية” المتهمة بتخفيض ميزانية المستشفيات الحكومية على عهد وزيرها غسان حاصباني، وبسوء إدارته لهذا القطاع ولقطاع الأدوية أيضاً.

في المحصلة، شعبوية التبرع بالراتب تكمن في أن النواب رجال الأعمال الجشعين الساعين إلى إلغاء الراتب من أساسه سيبدون أمام الشعب بمنظر كريمي الأخلاق (لكنهم يسرقونهم بطريقة أخرى أبشع وأقصى وغير مرئيّة)، في المقابل هناك نائب فقير متواضع الحال كأسامة سعد (محتاج فعلاً لراتبه كي يعيش)، سيبدو بمنظر غير المبالي لأمور الناس وهمومهم أمام الشعبوية الخبيثة التي عبّر عنها هؤلاء.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

خالد سليمان – صحافي وكاتب كردي عراقي
الأمراض الناشئة هي نتيجة طبيعية للتغيرات البيئية الناتجة عن النشاط البشري، وما فايروس “كورونا” سوى وجه من وجوه هذه التغيرات التي لا تتوقف ما لم يتوقف البشر عن إجهاد الأرض.
مصطفى إبراهيم – صحافي فلسطيني
أزمة حكومة حماس في غزة أنها لا تملك الإمكانات المطلوبة لمواجهة الكوارث والأزمات، إضافة إلى المبالغة والحرص على إثبات أن غزة خالية من “كورونا”، وما يهمهما إظهار أن غزة المدينة الفاضلة.
محمد خلف – صحافي عراقي
لا أحد ممن يمتلك قدراً ولو محدوداً من التفكير السليم في روسيا سيصدق تأكيدات الرئيس فلاديمير بوتين عن أن جائحة “كورونا” تحت السيطرة في البلاد.
عبدالله أمين الحلاق – صحافي سوري مقيم في إيطاليا
ما يميز شارع بادوفا أو “شارع العرب” كما تحلو للإيطاليين تَسْميتُه، هو أنه شارع يضم خليطاً من مهاجرين ولاجئين من جنسيات وبلدان مختلفة، من مصر والعراق والمغرب وتونس ومن دول آسيا الوسطى…
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
لا يمكن أن نتحدث عن رقم حقيقي لأعداد المصابين بكورونا في إيران ولا لأعداد الوفيات أيضاً، وكل ما يخرج إلى الإعلام، إذا كان صادراً عن جهة رسمية فهو “كاذب”، أما إذا كان صادراً عن جهة غير رسمية فهو “غير دقيق”.
أحمد عيساوي – كاتب لبناني
دخلت شركة سانوفي الفرنسية ومعهد باستور في سباق مع ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل للتوصّل إلى لقاح ضدّ الكورونا. المسألة لن تكون سهلة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني