القبلة الأخيرة قبل الحجر

تشعر بالتفوّق على الكائنات، تشعر بأنها انتصرت على الفايروس، يوم اختلست قبلة، قبل أن تصبح القبلات ممنوعةً وغير آمنة.

لم تكن أكيدة من قدرتها على تحمّل تبعات المجازفة، تتحوّل القبلات الصغيرة إلى مجازفات كبيرة، حين تنبت في القلب إسفرجلة حزينة، لا تتوقف عن المراوغة والتهديد.

كانت تراه لأول مرة أمامها ولم تكن قد خطّطت لشيء، كانت آتية برغبة عارمة في إنهاء اللقاء سريعاً والعودة إلى قهوتها أو إلى البيت، حيث يُمكن أن تقتلع من رأسها أي فكرة وأي وجه. 

لم تعتنِ كثيراً بشكلها ليلتها، كان آخر همومها أن تلفت انتباهه. لم تكن تريد أي شيء، كانت تتوقّع لقاءً مملاً، يعج بالمسايرات والحكايات المضجرة. كانت تتوقّع أن يكون الحديث عن الطقس أكثر الأحاديث عمقاً. لكنّ شيئاً ما حدث، هزّ تلك الإسفرجلة، وضعها جانباً، وصارت الحياة تسير كما لو أن لا إسفرجلة حزينة في هذا القلب. تحدّثا كثيراً. كل ما حُكي كان مهماً، حتى أحاديث الطقس بدت ذا قيمة.

حاول مراراً أن يسرق قبلة منها، لكنها ظلّت تتمنّع، خوفاً من المجازفة، خوفاً من ألا تستطيع العودة من يديه. لكنه بقي مصرّاً، يكون الرجال أشدّ إصراراً في مثل هذه الأحوال. أمسك وجهها أخيراً، كمن يُمسك بالعالم، ومنحها قبلة رقيقة. لم تكن أفضل القبلات التي تلقّتها حتى الآن، أخبرته بذلك وضحكا كثيراً، ثم غادرا.

في اليوم التالي، كانت تعرف أنه سيُعلِمها بالنهاية الوشيكة، يهرب الرجال في معظم الأحيان حين تبدو المشاعر جدّية وجارفة.

لم تفتح باب الحزن أبداً. أعادت ترتيب الحياة كما لو أن تلك القبلة لم تحدث أبداً. عادت الإسفرجلة إلى أريكتها، وعاودت رشّ المكان بطعمها الذي يشبه السمّ المسحور. عاد الطقس إلى اعتداله، والقلب الصغير إلى رتابته.

بإمكانها أن تقف أمام الفايروس وتمدّ لسانها في وجهه، لقد هزمته، إنها متأكّدة من ذلك.

في اليوم ذاته، أعلنت البلاد الطوارئ المدنية، اختفى الناس من الشوارع، وأقفلت المحال التجارية. سكت البلد تماماً. اختبأ الجميع في الحجر المنزلي بسبب فايروس “كورونا” الذي يبدو بلا رحمة. أصبحت لقاءات الناس ممنوعة وخطرة، والقبلات ناقلة للفايروس، لن يجرؤ أحد على الاقتراب من وجه الآخر. سيحبس الناس قبلاتهم لوقت آخر ربما، لا نعرف متى سيأتي.

وصلتها رسالة منه، يقول إنه يفكّر فيها، ثمّ أرسل قبلة افتراضية. تقرأ ذلك وتضحك، تشعر بالتفوّق على الكائنات، تشعر بأنها انتصرت على الفايروس، يوم اختلست قبلة، قبل أن تصبح القبلات ممنوعةً وغير آمنة.

تشعر بالامتنان، لقد فعلتها، إنه ترف ربما لم يحصل ملايين البشر عليه حول الأرض، الحصول على قبلة قبل أن يغتال “كورونا” المشاعر والعلاقات والعواطف.

بإمكانها أن تقف أمام الفايروس وتمدّ لسانها في وجهه، لقد هزمته، إنها متأكّدة من ذلك. 

أمّا هو، فلا تملك ما تقوله له، إنها عاجزة تقريباً عن التفكير بشيء.

لكنها تشعر بالاكتفاء كلّما تذكّرت أن تلك المجازفة كانت انتصاراً في وجه “كورونا”، تمكن إضافته إلى الأدوية واللقاحات التي تعمل الدول الكبيرة على توفيرها للقضاء على الفايروس الخبيث. 

أما هي، فتعرف تماماً أنها نجحت في القضاء على “كورونا” قبل الصين وقبل الولايات المتحدة، قبل الجميع.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

باسكال صوما – صحافية لبنانية
أفكّر أحياناً في أنني وحدي على سطح الأرض وقد اختفى الجميع تماماً.
فهد جمال الدين – باحث وتربوي لبناني
أعاد كورونا تعريف دور الطلاب واستقلاليتهم وإدارتهم لأنفسهم والروتين اليومي للمعلمين وأدوار المشرفين. والآن، ألا يجب علينا أن نفكر في كيفية تقديم مبادرة إصلاح أكثر كفاءة وديمومة؟
فرح شقير – مدونة لبنانية متخصصة في الاقتصاد
تستقبلني ابنتي على الباب عند عودتي ، ألوّح لها وأطلب منها أن تبتعد. هي تريد تقبيلي وأنا لا أريد منها الا أن تبتعد. أهرع إلى الحمام وابدأ بعملية الاغتسال. ولا أعود أعرف ما اذا كنت أقوم بعملية غسل للفيروس أو أغسل عني ذنوبي…
باتريك رزق الله – تربوي وصحافي
لقد حمل إلينا “كورونا” الرسالة. لكنّنا لم نفهمها. أن نعود إلى هدوئنا. أن ندرك ماهيّته ورسالته قبل أن نهمّ بأداء رسالتنا التّعليميّة. لكن للأسف، نحن المعلّمين، في كثير من الأحيان، لا نفهم الدّرس.
“درج”
إليكم لائحة بالأمور المجانية، التي يمكنكم فعلها للاستفادة بوقتكم والاستمتاع أثناء فترة الحجر المنزلي…
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
أجد نفسي وحيدًا في خضمّ حفلة الجنون هذه، لا شيء واضح سوى الخوف. حتّى أنّ القطط في الشوارع تبدو مرعوبة من الهدوء الذي هبط عليها فجأة. ليست المشكلة في اعترافنا بخوفنا، بل إنّه حاجة أساسيّة للعبور. المشكلة تكمن في تطبيعنا معه بهذه السهولة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني