fbpx

ظاهرة محمد صلاح: ولع شديد به… وإدراك محدود لمغزى تألقه!

يبحث كل واحد من ملايين المصريين في قصة محمد صلاح عن أمل فردي، بعد أن انحسر الأمل العام الذي جمع كثيرين منهم خلال ثورة 25 يناير وبعيدها. كما يجدون فيه مصدراً للبهجة في مجتمع تعز فيه دوافع الفرح والسعادة. وهذا يفسر احتفاء مهولاً به لا يقف عند حد.

عندما يُقال إن مجموعة عمل في أي مجال تعتمد على قدرات عدد محدود من أعضائها، لا يُقلل هذا من شأن الباقين. وحتى إذا كان اعتمادها الأساسي على واحد فقط، يظل لكل من أعضائها دوره في العمل الذي تقوم به. وينطبق ذلك على الألعاب الرياضية الجماعية، وفي مقدمها كرة القدم. فليست نادرةً، أو قليلةً، الحالات التي يعتمد فيها فريق كرة قدم على لاعب يكون هو محور أدائه، أو لاعبين اثنين يختلف أداء هذا الفريق في حضورهما عنه في غيابهما.

ولكن نظرة معظم المصريين إلى موقع اللاعب، المشهور عالمياً محمد صلاح، في منتخب بلدهم تختلف. إنه ليس اللاعب الأكثر أهمية، الذي يعولون عليه في مونديال موسكو الذي سيبدأ في منتصف يونيو/ حزيران المقبل فقط، بل النموذج الذي لا يُضاهى الآن للنجاح في مجتمع تقل فيه الفرص أو تندر أمام الشباب في مختلف المجالات.

يبحث كل واحد من ملايين المصريين في قصة محمد صلاح عن أمل فردي، بعد أن انحسر الأمل العام الذي جمع كثيرين منهم خلال ثورة 25 يناير وبعيدها. كما يجدون فيه مصدراً للبهجة في مجتمع تعز فيه دوافع الفرح والسعادة. وهذا يفسر احتفاء مهولاً به لا يقف عند حد. وقد بلغ هذا الاحتفاء ذروة جديدة مساء الأحد 22 أبريل/ نيسان  الماضي عندما حصل على لقب أفضل لاعب في الدوري الإنكليزي للعام الحالي.

وليس تشجيع ملايين المصريين فريق نادي ليفربول الإنكليزي، الذي يلعب صلاح ضمن صفوفه، إلا أحد تجليات هذا الاحتفاء. ظاهرة تشجيع فرق أندية أوروبية ليست جديدة في مصر. ولكنها كانت محدودة، ومحصورة غالباً في فريقي برشلونة وريال مدريد الإسبانيين اللذين شُكلت رابطتان غير رسميتين لمشجيعهما المصريين. وعندما بدأت هذه الظاهرة، لم يكن فريق نادي ليفربول على خريطتها، ولا أي من فرق الأندية الأوروبية التي التحق بها صلاح (بازل السويسري، وتشيلسي الإنكليزي، وفيورنتينا ثم روما في إيطاليا) قبل أن يلتحق في حزيران 2017 بفريق نادي ليفربول الذي يستحوذ الآن على قلوب محبي كرة القدم في مصر.

كان متابعو صلاح، ومشجعوه عندما ترك مصر بحثاً عن فرصة تناسب مهاراته في أوروبا، محصورين في بلدته الصغيرة في قلب الدلتا المصرية. وبدأت ظاهرة الولع به في مقاهي بلدته التي يشاهد أهلها مباريات كرة القدم الأوروبية في مقاهيها البسيطة. وكان هو شخصياً قبل سنوات يجلس بينهم في أحد هذه المقاه لمتابعة المباريات.

أصبح هذا المشهد منتشراً الآن في أنحاء مصر، إذ يقل عدد المصريين المشتركين في قناة “بي إن سبورت” التي تحتكر بث مباريات الدوري الإنكليزي، ويكثر بالتالي من يشاهدونها في مقاه تحقق أرباحاً كبيرة من الأسعار المرتفعة التي تحددها لمشاهدة هذه المباريات.

وصار عادياً أن يتكدس عدد كبير من المشاهدين في كل من هذه المقاهي. يفوق هذا العدد في كثير من الأحيان مشاهدي مباريات الدوري المصري في ملاعب الكرة التي يُسمح فيها ببضع عشرات قليلة من مشجعي كل من الفريقين. ولكن الأهم أن عدد مشجعي “ليفربول” الآن يفوق من يشجعون أياً من الأندية المصرية، بما في ذلك النادي الأهلي ذو الشعبية الطاغية. مشجعو “ليفربول”، أو بالأحرى من يشجعونه بسبب وجود صلاح في صفوفه، أكثر حماسة له الآن من أي فريق مصري يؤازرونه. ولذا فما أن يحرز صلاح هدفاً حتى تُسمع صيحات تهليل في المقاهي، لا مثيل لها إلا عندما يحقق المنتخب المصري– الذي أصبح صلاح نجمه الأول– فوزاً في إحدى مبارياته.

تفرض مباريات ليفربول، بسبب الولع بمحمد صلاح، حال طوارئ ضمنية، فكثيرون من المصريين يحددون جدول أعمالهم بحسب مواعيد مبارايات “ليفربول” ليتمكنوا من مشاهدتها.

وهذا كله طبيعي في مجتمع يتوق أفراده إلى ما يبعث على الفرح، وما يُبقي أملاً بتحقيق نجاح. ولا يقتصر هذا على صبية وشبان يحبون كرة القدم، ولدى بعضهم مهارات قد لا تقل عن تلك التي أتاحت لهذا اللاعب التفوق الذي حققه، ولكنهم مهملون تماماً مثلما كان هو في مصر قبل أن يجرب حظه في أوروبا.

ولكن يبدو أن قليليلين فقط من المولعين بظاهرة محمد صلاح، والمسحورين بتألقه، يدركون أن نجاحه يرتبط بعاملين أساسيين، أولهما منظومة حديثة تقوم على قواعد ومعايير موضوعية، فقد اضطر إلى مغادرة مصر بسبب غياب مثل هذه المنظومة أو هشاشتها. فما كان له أن يتألق، ويصبح نجماً عالمياً يُشار إليه بالبنان، لو قُدر له أن يظل لاعباً في مصر. لم يُقدّر المسؤولون عن كرة القدم في النوادي الكبرى موهبته، ورفضه نادي الزمالك عندما سعى إلى الالتحاق به، فظل لاعباً مغموراً في فريق نادي “المقاولون العرب” إلى أن وجد طريقه إلى الاحتراف في أوروبا.

أما العامل الثاني فهو الجدية الكاملة في أدائه، فما كان له أن يحقق هذا النجاح من دون المجهود المهول الذي بذله، والإصرار الحديدي الذي تميز به، منذ أن بدأ مسيرته في ظروف أكثر من صعبة في مصر. كان عليه أن يسافر من بلدته إلى القاهرة للتدريب واللعب، والعودة في اليوم نفسه. ولكنه أخذ نفسه بصرامة فائقة، وصمم على إكمال مقومات النجاح، ولم يفقد ثقته في قدراته عندما تجاهله مسؤولو الكرة في الأندية المصرية الكبيرة، لأنهم لا يريدون بذل جهد مع لاعب صاعد مهما كانت موهبته، ويلجأون إلى شراء لاعبين جاهزين من النوادي الأخرى.

ولا يقل أهمية عن مثلاب ضعف إدراك مغزى نجاح صلاح امتزاج المشاعر الوطنية الطبيعية في ظاهرة الولع به، والموجود مثلها في معظم المجتمعات، بنزعة دينية لا تخلو من تعصب، وتقترن بشيء من التطرف. وتتجلى هذه النزعة في اعتقاد قطاعات من المولعين بصلاح، وربما تمنيهم، أن يؤدي حب جمهور “ليفربول” في بريطانيا له إلى اعتناقهم الإسلام، بما ينطوي عليه هذا الاعتقاد أو التمني من ميل تبشيري، ومن ثم نظرة سلبية إلى غير المسلمين، وتصور أن عليهم أن يعتنقوا الإسلام لكي يصبحوا مؤمنين، وعدم إدراك أن لكل دين إيمانه، وأن النجاح الذي ينشدونه، ويرون في صلاح نموذجاً له، يعتمد على مقومات من أهمها إرساء مبدأ المواطنة الكاملة، إذ تكون لكل المواطنين حقوق متساوية في تحقيق أنفسهم، ومن ثم فرص متكافئة في مختلف المجالات. وعندما يتحقق ذلك في وجود منظومة سياسية ومجتمعية حديثة تضمن هذا التكافؤ وتلك المساواة، وتُنتج الآليات التي تجعل العمل الجاد، وليس النفوذ والجاه والمال، هو الطريق إلى الترقي، يصبح المجتمع مهيئاً لأن يأخذ طريقه إلى التقدم.

وهكذا يبدو أن الولع الواسع بظاهرة محمد صلاح، لا يعني بالضرورة إدراك مغزاها، أو الوعي بالعوامل التي خلقتها، أو مراجعة الكوابح التي تجعلها نادرة في المجتمع المصري.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علاء رشيدي – كاتب سوري
السؤال الإشكالي في التعامل مع الكارثة، هل علينا جبرُ الضرر والاستمرار وإعادة البناء بحيث تتجاوز الذاكرة ما حدث؟ أم علينا أن نحتفظ بالذكريات التي تؤشر إلى الكارثة؟

2:57

2:57

5:34

5:34
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني