fbpx

قضيّتا السوريّين والفلسطينيّين العادلتان ليستا قضيّة واحدة

لم يكن عديم الدلالة أن ينظر معظم الفاعلين السياسيّين في المجال الفلسطينيّ بعداء حادّ إلى الثورة السوريّة. المسألة لم تكن خطأً في التقدير. لقد عبّرت عن تقدير بالغ الدقّة. حتّى تعبير "ثورة" نفسه بدا كأنّ السوريّين يسرقونه من الفلسطينيّين لأنّ التعبير كان لا يعني، ولزمن طويل، إلاّ الثورة الفلسطينيّة حصراً. في المقابل، كان لافتاً أنّ السوريّين ما أن اكتشفوا سوريّتهم، بعد تغريبة فلسطينيّة مديدة أملاها منعهم من السياسة، حتّى تراجع اهتمامهم العمليّ بفلسطين.

ساد تاريخَ الأفكار وتاريخَ الطوبى بحثٌ عن الواحد المنسجم: كلّ ما هو حقّ وعدل في العالم يتلاقى مع كلّ ما هو حقّ وعدل. الإثنان يتّحدان مثلما يتّحد في مواجهتهما كلّ ما هو غلط وظلم وشرّ. الأفكار العلمانيّة ورثت هذا السعي إلى الواحد المنسجم عن الفكر الدينيّ. الأمميّة الشيوعيّة ربّما كانت أنصع هذه الأشكال: عمّال العالم يتّحدون في مواجهة رأسماليّيه. لكنْ ما لبث أن تبيّن أنّ الرأسماليّين “الأشرار”، الذين يتصارعون في ما بينهم على المستعمرات، ليسوا أقلّ تنازعاً في ما بينهم من “العمّال” “الأخيار”: أحزابهم التي أرادت أن تجمع بين “حقّ” البروليتاريا في إقامة ديكتاتوريّتها وحقّ تقرير المصير للشعوب والجماعات داخل الكلّ الإمبراطوريّ، لم تُفلح في مسعاها هذا. بعد ذاك كان النزاعان “البروليتاريّان” الروسيّ – الصينيّ والروسيّ – اليوغسلافيّ…

حركة الوحدة العربيّة عندنا عرفت شيئاً مشابهاً بلغ ذروته في النزاع الناصريّ – البعثيّ، ثمّ النزاع البعثيّ (السوريّ) – البعثيّ (العراقيّ). الانقسام داخل الواحد فجّر هذا الواحد المزعوم وقضى على انسجامه.

نعم: كلّ “خير” قد يلتقي بكلّ “خير” آخر “في التحليل النهائيّ”، وربّما في الأبديّة. وأيضاً، نعم: يُلزمنا الموقف الأخلاقيّ بالتعاطف مع سائر قضايا الحقّ والعدل. لكنْ حين ننتقل إلى السياسة والعمل السياسيّ يغدو الاقتصار على الموقف الأخلاقيّ وعظاً وتبشيراً. هنا، في السياسة، تتعارض قضايا الحقّ وتتناقض وتتصارع لأنّ عوامل الاختلاف هي التي تتحكّم بها: اختلاف التجربة واختلاف المصالح واختلاف الموقع الجغرافيّ والجغرافيا السياسيّة واختلاف التحالفات، وطبعاً اختلاف الفاعلين السياسيّين أنفسهم… ولأنّ “الشرّ” يصعب أن يتلاقى مع كلّ “شرّ” آخر في جبهة واحدة (وإلاّ لكان العدوّان اللدودان صدّام حسين وحافظ الأسد حليفين وطيدين)، فإنّ “الخير” يصعب أن يتلاقى مع كلّ “خير” آخر في جبهة واحدة.

في سوريّا اليوم حقوق لا يرقى الشكّ إليها: حقّ أغلبيّة السوريّين في التخلّص من نظام طغيانيّ. حقّ الأقلّيّات في رفع الخوف الذي يمثّله الإسلام الراديكاليّ المسلّح. حقّ الأكراد في تقرير المصير وربّما الخروج كلّيّاً من سوريّا. هذه الحقوق تصادمت، وسوف تتصادم، حتّى لو حسنت نيّات الفاعلين السياسيّين في الأطراف التي تحملها.

الثورتان التونسيّة والسوريّة كانتا طلبين للعدالة والحرّيّة، لكنّهما، في السياسة، وتحت وطأة الظروف التي خضعت لها كلّ منهما، لم تحتمل واحدتهما الأخرى. لم تتطايقا. التوتّر، في أحسن الأحوال، حكم العلاقة بينهما.

والمسألة ليست مسألة أفكار وتأويل، إلاّ بالمعنى الذي يقوله المؤمنون عن مؤمنين آخرين: “إنّهم لم يفهموا الدين الحقّ” أو “لم  يطبّقوه”.

هذا التمييز أكثر ما يصحّ في القضيّتين السوريّة والفلسطينيّة. مئات التجارب تقول إنّ كلّ واحدة منهما كان شرطها موت الأخرى: “مركزيّة” القضيّة الفلسطينيّة عنت ولا تزال تعني عدم ولادة أيّ قضيّة وطنيّة ينشغل بها شعبها في أيّ واحد من البلدان العربيّة، لا سيّما في سوريّا. الثورة السوريّة خصوصاً، ولكنْ أيضاً سواها من الثورات العربيّة، خطّأت ولا تزال تخطّىء نظريّة “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.

في هذا المعنى، لم يكن عديم الدلالة أن ينظر معظم الفاعلين السياسيّين في المجال الفلسطينيّ بعداء حادّ إلى الثورة السوريّة. المسألة لم تكن خطأً في التقدير. لقد عبّرت عن تقدير بالغ الدقّة. حتّى تعبير “ثورة” نفسه بدا كأنّ السوريّين يسرقونه من الفلسطينيّين لأنّ التعبير كان لا يعني، ولزمن طويل، إلاّ الثورة الفلسطينيّة حصراً. في المقابل، كان لافتاً أنّ السوريّين ما أن اكتشفوا سوريّتهم، بعد تغريبة فلسطينيّة مديدة أملاها منعهم من السياسة، حتّى تراجع اهتمامهم العمليّ بفلسطين.

الفلسطينيّون لم يشعروا بالحاجة إلى التحايل على هذا التناقض. أكّدوه وبالغوا في تأكيده. عرفوا أنّ التوفيق حسم من رصيدهم الثابت والراسخ. تصرّفوا كأنّ السوريّين يمدّون يدهم إلى أملاكهم الحصريّة. بعض السوريّين حاولوا التحايل بحجج من نوع أنّ الأسد يخدم إسرائيل أو إسرائيل تخدم الأسد. إذاً الشرّ واحد، فليكن الخير واحداً بالتالي.

الأمانة للماضي أو الخوف من القطع معه فعلا فعلهما هنا. أيضاً فعل فعله أنّ تقليداً عمره عشرات السنين جعل نيل التأشيرة الفلسطينيّة شرطاً لدخول نادي المقبوليّة السياسيّة في العالم العربيّ.

واقع الحال أنّ الخروج من القسر الوحدويّ يبقى شرطاً لتحسين إدراكنا للواقع ولتحسين التعامل معه. ثورات أوروبا الوسطى والشرقيّة واجهت أسئلة مشابهة: لقد هبّت في وقت واحد (وهو ما أوحى للبعض بهويّة واحدة) لكنّها ما لبثت أن افترقت وكسرت وحدة “المعسكر الاشتراكيّ”. لقد اجتمعت لتتفرّق: إمّا أن تقطع حبل السرّة أو أن ينقطع حبل الوريد.

قد يقال دائماً بضرورة تقريب السياسيّ من الأخلاقيّ. هذا ما لا يُمارى فيه وفي أهميّته. لكنْ أن يتطابق الأخلاقيّ والسياسيّ تماماً فهذا وهم مُضرّ. فإذا زالت الدول ذات يوم لصالح كيانات أكبر وأعلى، وهو مستبعد حتّى في زمن الأحفاد (من دون استبعاد حصوله لصالح كيانات أصغر وأدنى)، بات مثل هذا التطابق أرفع احتمالاً. أمّا في هذه الغضون، فلا بدّ من تعايش قلق بين التعاطف مع كلّ الحقوق وبين العمل لخدمة حقّ واحد يختاره واحدنا تبعاً لمكانه وظرفه واعتباراته وتقديراته وأمزجته.

خدمة هذا الحقّ قد تكون بذاتها صعبة جدّاً، وقد لا يقوى صاحبها عليها. هذا بالضبط ما نعيشه اليوم، وما لا يفيد تكثيرُ الحقوق في الهرب منه.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مبادرة الإصلاح العربي
يتحتّم على أيّ حلّ يهدف إلى استمرار الحصول على الأدوية بأسعار معقولة أنْ يكفل إتاحتها لجميع الفئات السكّانيّة حتّى الذين لا تشملهم التغطية التأمينيّة، لا سِيَّما في ظلّ ارتفاع نسبة البطالة.
Play Video
مضى عامان على حادثة اغتيال رائد الفارس وزميله حمود جنيد، دون فتح تحقيقات أو إجراء محاكمة أو حتّى جمع أدلّة لتحديد هوية القتلة، رغم اشارت منظمات حقوقية إلى وقوف “هيئة تحرير الشام” خلف عملية الاغتيال هذه.

2:50

Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني