fbpx

من زمن بن لادن إلى عصر “كورونا” : لنرفع الأسوار …

التعامل مع المشكلات الكونية عابرة الحدود من طريق منطق معوج كحصار المشتبه فيهم من حاملي الفايروسات أو من الفقراء أو من الشعوب التي لا نحب أن نراها ونتمنى أن تختفي تفشل معظم الوقت...

بعد أشهر قليلة من مقتل أسامة بن لادن في بيته في مدينة أبوت آباد في شمال غربي باكستان في أيار/ مايو 2011، وقفت أستجدي مسؤولاً كبيراً في الأمم المتحدة أن يهاتف من يعرفهم في الإدارة الأميركية من أجل أن تصدر واشنطن بيان اعتذار عن توريط حملات تطعيم الأطفال في هجوم قواتها القاتل على بيت بن لادن، وتنفي فيه أي صلة للمنظمات العاملة في المنطقة بعملية الاغتيال.

كنت في العام السابق على هذا الاجتماع المتوتر أشارك مع فريق كبير في وضع سياسات إعلامية وصحية، للقضاء على شلل الأطفال في العالم في حملة كونية كانت تنفق مئات الملايين من الدولارات سنوياً. وعلى رغم أن عدد الحالات لم يكن يزيد عن 2000 حالة سنوياً منذ عام 2000 تقريباً، إلا أن العالم كان ينفق هذه الأموال الطائلة وينشر آلاف الممرضين والممرضات والأطباء كل سنة عن طيب خاطر، لأن المنظمات الدولية والحكومات الغربية والشرقية كانت كلها تعلم بأنه ما دام الفيروس حياً في مكان واحد فهو خطر يهدد العالم كله.

لست مندهشاً بأن فايروساً آخر، “كورونا”، كشف لنا مدى ازدراء هذه النخب المسيطرة على كوكبنا لمبادئ التعاون الدولي وأفكاره

قلت للرجل الذي كان مسؤولاً كبيراً سابقاً في الحكومة الأميركية: “سي أي ايه استعملت طبيباً ادعى أنه يعمل في حملات تطعيم في باكستان من أجل التأكد من مكان بن لادن واغتياله من طريق الدخول إلى المنزل لتطعيم الأطفال فيه، والآن لدى كل المهاويس والمجانين من باكستان وأفغانستان حتى نيجيريا فرصة لتسويق مزاعمهم الوهمية عن أن حملاتنا الدولية للتطعيم للقضاء على شلل الأطفال وأمراض أخرى هي ستار لأعمال مخابرات ولتعقيم الذكور وإفساد النساء. أصدقاؤك مجانين!”. لم أكن لبقاً بما يكفي وكان احتقاره واضحاً لغضبي الشديد، فالغضب ليس من شيم المهنية والمحترفين كما يتعلم المرء في المنظمات الدولية. نظرت إليه وهو يجلس خلف مكتبه ومن خلف الجدران الزجاجية الهائلة رفرفت أعلام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

“حسناً، لننسَ بيان الاعتذار”، قلت له بهدوء بذلت جهداً كبيراً لأستجمعه. “لكن من فضلك، ارفع سماعة الهاتف وتحدث إلى من تعرفهم في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض أو المخابرات واحصل منهم على وعد بألا يتكرر هذا أبداً. مثلما توقفوا عن استعمال الصحافيين في عملياتهم يجب أن يتوقفوا عن استعمال موظفي الإغاثة وأطباء وممرضات التطعيم، لدينا ما يكفي من حمقى متطرفين على الجانب الآخر يرفضون تطعيم أولادهم بحجة أن الطعوم تحوي دهن الخنزير!”.

ابتسم ولم يفتح فمه ولكن بدا أنه يفقد صبره.

خرجت شاعراً باليأس وبعض الخجل من منصبي المهم وراتبي المرتفع ومكتبي الواسع المطل على النهر في قلب مانهاتن. لم يكن هذا هو السبب في أنني تركت الأمم المتحدة بعدها بأقل من عامين ولكن الحادث نبهني إلى أنه على رغم انتقاداتي المتزايدة للمنظمات الأممية وعملها وكفاءتها فقد صرت أرى أنه يجب العمل على حمايتها بشتى السبل، لأنها حائط صد – حتى لو كان ضعيفاً – ضد رغبات الدول الجامحة ونزواتها. كان حائط الصد يتآكل تحت ضغط دول مختلفة (غنية وفقيرة) وتواطؤ موظفين كبار مثل مديري آنذاك.

وفي خلال العامين الأخيرين لي في الأمم المتحدة تضاعف عدد المصابين بفايروس شلل الأطفال في ولاية باختون خوا حيث قُتل بن لادن.

حصل هذا بعدما هدأت أفراح وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض وتجمع بعض الغبار على جائزة نوبل التي حصل عليها الرجل قبل أن يمارس الحكم فعلياً. كانت سياسات أوباما تظهر عجز الإدارة الاميركية والعالم الغربي والنخب الرأسمالية المهيمنة في العالم، وربما رغبتها في تقويض نظام التعاون الدولي الذي وضعته هذه الدول بعد الحرب العالمية الثانية. كانت المؤسسات والمعايير المعنية بحقوق الانسان والتنمية والمساعدات تتآكل وتصير تروساً في ماكينة سياسة دولية رأسمالية بينما تنتعش مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي ومجلس الأمن تسعى إلى تأمين استقرار نظام دولي معوج وظالم، بل ومضر للجميع في نهاية المطاف. كان التعاون الدولي يقتصر شيئاً فشيئاً على حماية حرية انتقال السلع والأموال والأغنياء وتقييد حرية البشر واحتجازهم خلف حدود منيعة أو حتى أسوار سجون يتزايد عددها في أنحاء العالم.

أن تقوم كل دولة بمفردها بفعل ما تريده بخاصة إذا كانت دولة قوية صار أمراً مقبولاً شيئاً فشيئاً، وبخاصة في عصر الحرب على الإرهاب وكان أول تجلٍ له حرب بوش على العراق عام 2003. وتدريجاً انتقلنا من عالم كان حلم قليلاً في التسعينات بأن التعاون الدولي من أجل حماية حقوق الإنسان وكرامته يعلو على مبدأ السيادة والدولة، إلى عالم مثل الكابوس يفعل فيه الأقوياء ما يشاؤون. ومع تزايد الفقر وتفشي العنف في أنحاء متفرقة من العالم بات الملايين يسعون إلى الفرار نحو أمان موعود في أوروبا والغرب أو أي بلد أفضل من الجحيم الذي يعيشون فيه. وبدلاً من أن يكون العنف (الإرهاب) والهجرة شبه القسرية من أعراض مرض يحتاج مزيداً من الفهم والتعاون الدولي من للتعامل معه، صارا هما ذاتهما المرض الذي يتعين القضاء عليه حتى لو تطلب الأمر قتل المصابين به او عزلهم تماماً.

المعضلة أن التعامل مع المشكلات الكونية عابرة الحدود بهذا المنطق المعوج، من طريق حصار المشتبه فيهم من حاملي الفايروسات أو من الفقراء أو من الشعوب التي لا نحب أن نراها ونتمنى أن تختفي (مثل الفلسطينيين من وجهة نظر اليمين الصهيوني!) تفشل معظم الوقت، وفشلها أكيد في مواجهة الفايروسات، إلا إذا حولنا نصف العالم أو أكثر إلى قطاع غزة مسوّر، وحتى ساعتها قد يفلت فايروس على جناح طائر. 

لذا لست مندهشاً بأن فايروساً آخر، “كورونا”، كشف لنا مدى ازدراء هذه النخب المسيطرة على كوكبنا لمبادئ التعاون الدولي وأفكاره، حتى في شكلها النفعي البسيط، ناهيك بالأخلاق والإنسانية المشتركة وهذه كلها المبررات التي لم تعد تقنع الكثيرين.

وأعني بشكلها النفعي البسيط أن لا طريقة لمنع انتشار الفايروس عبر أصعب الحدود وأكثرها مناعة، وبالتالي فإن حماية النفس تقتضي حماية الآخرين. كان هذا واضحاً لي منذ العامين التاليين لمقتل بن لادن، إذ تنقل “جهاديون” باكستانيون وأفغان عبر دول عدة، حتى دخلوا سوريا والعراق ومعهم نوع الفايروس الذي ظهر لدى طفلين في دير الزور في نهاية 2012. وضرب الفيروس 36 طفلاً في العامين التاليين في سوريا والعراق، وفقاً لـ”منظمة الصحة العالمية”. الميزانية المطلوبة للحملة الدولية للقضاء على شلل الأطفال هذا العام مليار دولار وستظل عند المستوى ذاته سنوياً حتى عام 2023. وسينفق العالم مئات المليارات لمواجهة “كورونا” وآثاره الاقتصادية المدمرة وربما أكثر إذا لم يصل إلى صيغ فعالة ومفيدة للتعاون الدولي.

في عالم كابوسي كهذا تختفي تماماً مؤسسات التعاون الدولي ومعاييره وأخلاقياته، ويموت الملايين من ضحايا التهديدات الكونية التي إما أن نواجهها سوياً أو تقضي علينا فرادى

في الأغلب، لن يهدد “كورونا” الذي قتل أكثر من 3 آلاف شخص حتى منتصف آذار/ مارس البشرية كما هددتها فايروسات الانفلونزا التي قتلت ملايين البشر في بدايات القرن العشرين. ولكن كورونا يعري يوماً بعد يوم قرار نخب وحكومات وزعماء نافذين ومؤثرين التخلي عن التعاون الدولي وتفضيلهم أن تعصمهم الأسوار العالية التي يشيدونها على حدودهم من الوباء، مثلما تمنى كنعان ابن نوح أن يعصمه جبل عال من الطوفان.

ومن قلب هذا التفكير الأناني الضحل خرج علينا رئيس أقوى دولة في العالم، باقتصادها وعسكرها وأسلحتها وإجمالي ناتجها المحلي وثقافتها المهيمنة، ليقول لنا إن كورونا فايروس “أجنبي”، وإنه سيغلق الحدود ويخصص مليارات الدولارات لحماية شعبه من هذا التهديد الخارجي. قرر الرئيس دونالد ترامب بوجه برتقالي متورد في ثاني خطبة يلقيها للشعب الأميركي منذ تولى السلطة أنه سيوقف طيران أي أجنبي إلى الولايات المتحدة من أوروبا مستثنياً بريطانيا ولمدة 30 يوماً، لأن أوروبا فشلت في حماية نفسها من الفايروس. وبعد إعلانه الذي استغله لاستعراض إنجازاته وإظهار احتقاره الاتحاد الأوروبي، سارع مسؤولون أميركيون إلى تهدئة خواطر الأسواق التي انهارت بورصاتها بنسب مئوية مرتفعة ولتوضيح كيفية استثناء السلع والبضائع، والأميركيين طبعاً، من هذا الحظر. 

خصص ترامب 50 مليار دولار لتوفير قروض للأعمال الصغيرة في بلاده لتتمكن من مواجهة تأثيرات كورونا السلبية، وحصل على موافقة شركات التأمين الصحي التي تغل مليارات الدولارات من الأرباح لتغطي تكاليف علاج المشتركين في خدماتها بالكامل وطلب مليارات من الكونغرس لخطط مواجهة “كورونا” ستجرى معظمها داخل أميركا.  

ولكن مثله مثل “فايروس” شلل الأطفال، لا يمكن إيقاف تنقل كورونا من دون القضاء عليه في كل مكان في العالم. لن يختفي “كورونا” أو من سيخلفه من الفايروسات بعد أن نتوصل إلى لقاح أو دواء له. لن يختفي “كورونا” من دون تعاون دولي يوفر الرعاية الصحية الأساسية ويطبق نظم وقاية كونية ويحمي البشر من حيث هم بشر. مثلما كان طوفان نوح حدثا كونيا في عرف الديانات السماوية لم ينج منه سوى من التحقوا بالفلك، فكذلك هي التهديدات الكونية مثل التغير المناخي أو الاحتباس الحراري والفايروسات التنفسية المتتالية (من انفلونزا الخنازير للطيور إلى ما تلاها) وأيضاً فايروسات الفقر والعنف المتوارثة لأسباب اجتماعية وسياسية واقتصادية. 

هذه التهديدات لن تتوقف طويلاً عند الحدود الشائكة ولا الأسوار العالية. الأمن حق وحاجة لنا جميعاً، ولكن إجراءات الأمن وحدها ستظل عاجزة بمفردها عن توفير الأمان. إغلاق الأبواب ورفع الأسوار وإقامة العواصم الجديدة المنعزلة وتقييد حركة البشر بشكل هيستيري وعشوائي ومسيس،  يبشرنا بعالم كنا نعتقد أنه مقتصر على روايات كابوسية مثل ما كتبه أحمد خالد توفيق ومارغريت اتوود. وفي عالم كابوسي كهذا تختفي تماماً مؤسسات التعاون الدولي ومعاييره وأخلاقياته، ويموت الملايين من ضحايا التهديدات الكونية التي إما أن نواجهها سوياً أو تقضي علينا فرادى.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني