fbpx

عن الهلع والعالم المرتعب: الفيلم الذي تنبأ بالوباء

"كونتيجون" قادر على جعلك تفكر ألف مرة قبل أن تمسك مقبض الباب، تصافح أحداً، أو تلامس سطح طاولة أو كوباً أعطاك إياه النادل في المطعم.

أفلام الكارثة التي تتناول الفيروسات وانتشار الأمراض غالباً ما تنتمي إلى أنواع الرعب، الخيال العلمي، أو أفلام ما بعد نهاية العالم. هذا النوع من الأفلام يظهر أهمية ما نعيشه اليوم من هلع وخوف مرتبطين بانتشار “كورونا”. فالأفلام وواقعنا يتشاركان خوفاً معاصراً من خلسة هذا الخطر المحدق بنا ومجهريته. 

الخصائص الكورونية هي التي تخيفنا، كون الفيروس وليد دولة بعيدة، وهو خفيٌ لا ظل له، قد يتطور ويفتك بك، يباغتك بعناق، أو على أزرار مصعد، قد يصيب جميع من حولك، ولن تعلم بهذا إلا بعد فوات الأوان. لذلك معظم هذه الأفلام تتمحور حول الحالة النفسية والاجتماعية التي تخلقها الكارثة لدى الأفراد والجماعات. ولسوء حظنا حالياً، نحن نشهد هذه الحالات من خلال الهلع وتفكك اجتماعياتنا من جهة، وظهور أشكال جديدة لها من جهة اخرى، تتمثل بواقع فُرض علينا من مخلوق ضئيل لا يُرى بالعين المجردة. 

يثبت ما نعيشه اليوم، أن هذه الأفلام، أعطتنا تخيلات وسيناريوات شبه واقعية، تشير إلى كيفية تعاطي هذه المجتمعات مع الغريب أو الضعيف، واختلاف ردود فعل أفرادها فور تلقيهم خبر الكارثة، إضافة إلى كيفية تعاطي الحكومات مع المواطنين ومع الوباء عموماً. بعض هذه الأفلام يعطي صورة سوداوية عن هبوط البشرية والحضارة كما نعرفها، والعودة إلى بربرية الطبيعة وعشوائيتها، تحت عنوان “البقاء للأقوى”. وبعضٌ آخر يكون أكثر واقعية، ينجز فروضه العلمية والديموغرافية، ويحاول أن يحاكي واقعاً، يمكن أن يثير الرعب لشدة قربه من الحياة الحقيقية. لذلك نرى فيلماً أو اثنين، بعد كل انتشارٍ لوباء أو فايروس، من الإيبولا، إلى السارس، فانفلونزا الخنازير.

 للخوض أكثر في طريقة تعامل السينما مع الأوبئة، سنأخذ فيلم “كونتيجون” مثالاً للأفلام الأكثر واقعية.

هذا الفيلم للمخرج ستيفن سودربرغ الصادر عام 2010 أثبت أنه الأكثر رعباً لشدة واقعيته. يقول سودربرغ أنه استوحاه من أحداث انتشار فيروس السارس عامي 2002 و2003 الذي أودى بحياة 800 شخص حول العالم. الفيلم تصوير للكارثة، أي أنه يسرد أحداثاً كارثية من شأنها التأثير في حياة البشر وفي شكل الحياة الإنسانية كما نعرفها.

يعطينا الفيلم صورة للعالم في ذروة تشابكه وعولمته. نرى الكثير من المطارات، ومحطات المترو وحشوداً غفيرة من الناس حول العالم. وتبرز التكنولوجيا، فالهواتف الذكية والحواسيب تشغل الشخصيات وتؤثر بها، وتلعب دوراً مهماً في نشر المعلومات. “كونتيجون” يضعنا في سيناريو انتشار وباء سريع الانتقال وشديد الخطورة. هذا الفايروس يخرج من الصين، وينتقل إلى العالم عبر الحيوانات وكل من يتعامل معها، إضافة إلى الطعام، السياح، وسائل النقل المشترك. 

يؤدي هذا المصاب العالمي إلى موت عدد هائل من الناس في جميع أنحاء الكوكب. “كونتيجون” قادر على جعلك تفكر ألف مرة قبل أن تمسك مقبض الباب، تصافح أحداً، أو تلامس سطح طاولة أو كوباً أعطاك إياه النادل في المطعم. إن تركيز “كونتيجون” على تفاصيل من هذا النوع عبر لقطات بطيئة ودقيقة، يبرز كيف أن هذه الشخصية أو تلك نشرت الفايروس حولها من غير قصد، وتماثُلها مع حقيقة دقة انتشار الفايروس وخلسته المخيفة تجعلك تتذكر واقعنا الحالي من انتشار للكورونا وما نتج عنه من أساليب جديدة للحياة. الحجر الصحي ضرورة، تعقيم اليدين واجب، الخروج غير الطارئ ليس محبذاً، أقفلت المدارس، وتأقلم الطلاب مع الدراسة من المنزل. هذا كله يضفي على الفيلم نكهة الواقعية المخيفة. فالجميع يعلم أن هذه التفاصيل بالغة الأهمية باتت من المعارف الأساسية للوقاية من فايروس “كورونا” اليوم. لهذا أي فيلم كارثة يعمد إلى الحديث عن انتشار فايروسي، عليه أن يكون واضحاً بشأن الوسائل التي ينتشر عبرها الوباء. “كونتيجون” منذ بدايته، واضح وواثق بماهية الوباء، فهو فايروس، ولذلك لديه هذه القدرة على الانتقال والانتشار. هذه النقطة مهمة جداً عندما نريد أن نحاكي الواقع، فإذا لم يكن فايروس فما هو؟ وما هي ميكانيزمات انتقاله؟ من المنظور الطبي، الفايروس في “كونتيجون” سريع الانتشار وشديد الخطورة. أفلام أخرى مثل “ورلد وور زي”، ليست صريحة بهذا الشأن، فهي تراوغ بالحديث عندما يأتي دور العلماء في الفيلم. فتعمد إلى استخدام كلمات فارغة تحاول أن تعطي فكرة أن ما يتم تداوله هو كلام ذكي ومعقد ولذلك يرجّح المشاهد أنه صحيحة أو أن الكاتب أو المخرج قام ببحثه وهذه التفاصيل تُعد ثانوية، ما يهمنا فقط هو ما يأتي بعدها من إثارة وتشويق.

بالنسبة إلى الهلع، الفيلم يعطي صورة شبه واقعية لكمية ونوعية الهلع الذي قد يحدث في أوضاع مماثلة. فانتشار الوباء بسرعة وعدم علم الناس به للفترة الأولى يظهر أن الهلع الذي سيأتي لاحقاً هو بمثابة دعوة للناس إلى التصرف بطريقة مختلفة، فإن هلع الناس، خافوا، وإن خافوا، فسيسعون إلى حماية أنفسهم بشكل أفضل. طبعاً هذا جزء من الصورة فقط، فأحياناً يمكن للهلع أن يتسبب بالمزيد من الكوارث. وهذا ما تظهره واقعية محاكاة هذا الفيلم التي أخذت بالحسبان أن الأخبار المزيفة ستنتشر، وأن المدن سوف تعمها الفوضى، وأن الدول قد تختلف في تعاطيها مع الأمور، والأهم أنه سوف يتصدر صفحات التواصل الاجتماعي والمدونات أشخاص وشركات يشغل بالهم جني الأرباح واستغلال الوضع لمصلحتهم. فنرى المعلومات الطبية الخاطئة تصل إلى بيوت الناس عبر هواتفهم وحواسيبهم، والطب البديل أو المخادع في هذه الحالة يحصد الملايين بسبب تسويقه دواء غير حقيقي “فورثسيا” يدعي أنه يعالج المصابين بالمرض. والشخصية التي تلعب هذا الدور هي شخصية مشكِكَة، غير مقتنعة بما يحصل على أنه وباء، بل يعتريها الشك والخوف وتوجه أصابع الاتهام نحو الحكومة والجيش، ولذلك عندما يجهز اللقاح، فهذه الشخصية هي من أول من يحاول أن يقنع الناس بعدم تناوله. طبعاً في هذا محاولة للتقرب من طبيعتنا كبشر، واللعب على مخاوفنا وأملنا بأنه لا بد من وجود تفسير آخر لما يحدث، لعله مؤامرة حكومية، أو لعنة إلهية، وأن فكرة وجود حل أو دواء سريع أفضل بكثير من الاعتراف بثقل الوباء وجديته، خصوصاً أن انتظار الحل العلمي قد يستغرق شهوراً. الفكرة العلمية الطبية والتحذير المنطقي في الفيلم هو أن نعي أن هذا الإهمال والتصرف الشعبوي في حالات كهذه كفيلان فزيادة الأمور صعوبة وتعقيداً، وفي الحالات الأسوأ قد يودي بحياة الكثيرين.

مقابل هذا الهلع هناك هلع حكومي ومؤسساتي، فالممرضون أضربوا عن العمل خوفاً على سلامتهم واعتراضاً على الأوضاع في المستشفيات. على الناس أن يعوا فكرة أنهم ليسوا وحدهم معرضين للخطر، بل هناك ناس آخرون معرضون لهذا الوباء أكثر منهم بكثير، لذلك علينا تأمين حماية الطاقم الطبي الذي يقف في صفوف المعركة الأمامية ضد أي وباء.

 لا يمكن التشديد على أهمية هذه النقطة، لأنه وللأسف، منذ بضعة أيام أوصلنا إهمال الحكومة والجهات المختصة وقلة الوعي إلى إصابة عدد كبير من الطاقم الطبي الذي يتعامل مع المرضى والمصابين. 

أما بالنسبة إلى الحكومات فهي في حالة تأهب، ولكنها لا تزال بيروقراطية في تعاطيها مع الأمور، تهمها محاسبة من شارك معلومات سرية مع عائلته للهرب من المدينة قبل حجرها، تتعاطى مع موظفي مكافحة الأوبئة باستهتار وبلا مسؤولية، غير آبهة لنصائح من ليس له تصريح أمني كافي، حتى ولو كان أعلم ولديه من المعلومات قد يساعد في إنقاذ الملايين. 

وأخيراً، صفعة الفيلم تكمن في أنه لا يسايرنا من جهة الفترة التي يحتاجها الطاقم الطبي والعلماء لصناعة اللقاح. فهذه الفترة لا تقل عن أربعة أشهر إلى سنة، وتحتاج جهداً مكثفاً وعملاً جماعياً، والأمر لا يتعلق ببساطة بانتظار “البطل” ليكتشف الحل في أحد المختبرات السرية أو يصنعه عبقري مجهول.

في هذه الفترة، فترة العمل على إنتاج اللقاح، تتغير طبيعة الحياة والعلاقات الإنسانية، ويغدو العالم مكاناً جديداً ويستدعي التأقلم مع ما حصل من تحولات بسبب الوباء. “كونتيجون” ليس الفيلم الأفضل، والأروع إخراجاً وتصويراً، أو حتى تمثيلاً، ولكنه محاكاة ناجحة ودقيقة لما حدث سابقاً مع فايروس السارس، وما يحدث حالياً مع “كورونا”.


لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هبة أبوطه – صحافية أردنية
“كل شي عنا عيب. عيب تطلقي في المجتمعي القروي، عيب تشتكي على زوجك بالذات إذا كان ابن عمك وعيب ما بعرف إيش. لازم الوحدة تاخد قرارها قبل ما تضيع حياتها وحياة أطفالها. أنا مش بس حياتي ضاعت كمان حياة أطفالي ضاعت…”.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني