أصحاب الجوازات “المصفرة” في غزة: محرومون من السفر والتوظيف

"مواطن بلا هوية" تعريف لا ينال من انتماء صاحبه بل من حقوقه المدنية التي سقطت من سجلات المواطنة بسبب عدم حصوله على رقم وطني...هذا هو حال النازحين واللاجئين الفلسطينيين، الذين عادوا إلى قطاع غزة بلا تصاريح رسمية، بعدما تقطعت بهم السبل في الخارج.

ويطلق على تلك الفئة “البدون” أو “أصحاب الجوازات المصفرة”، وذلك لأنهم ولدوا خارج حدود غزة، ولم يتم تسجليهم في السجلات المدنية، وبعد عودتهم إلى غزة وجدوا أنفسهم غرباء في وطنهم، فهم لا يستطيعون الحصول على جواز سفر كبقية الفلسطينيين، ولا يمكنهم السفر والتنقل، والحصول على وظائف.

وحصل عدد من “البدون” في غزة على بطاقات تعريفية يطلق عليها “الهوية الزرقاء”، للتعريف بأنفسهم في المؤسسات داخل القطاع، من دون التسجيل في السجلات المدنية الخاصة بالفلسطينيين، وهي غير معترف بها من قِبل السلطة الفلسطينية، إذ إن سلطات اسرائيل، تمنع إصدار هويات معترف بها لتلك الفئة، إضافة إلى الانقسام الفلسطيني الذي بسببه توقف ملفهم.

نتائج غير متوقعة

عبدالله خميس مصطفى (24 سنة)، لاجئ فلسطيني من سوريا، دخل قطاع غزة مع عائلته بعد احتدام الحرب السورية عام 2012، كان يظن أن الحياة هناك أفضل من الحياة في سوريا، ولكن الواقع صدمه وتمنى لو أنه ذهب إلى أي دولة أخرى.

الهوية الزرقاء

يقول لـ”درج”: “لم أتوقع أن أكون غريباً في وطني، فأنا لاجئ فلسطيني، كاللاجئين الذين يعيشون في قطاع غزة، ومن حقي الحصول على فرصة عمل، وهوية فلسطينية والتنقل بحرية، ولكنني محروم من تلك الحقوق، بذريعة أنني دخلت القطاع من دون تصريح رسمي، ولا اسم لي ضمن السجلات المدنية. إننا نعيش حياة مأساوية”. 

ويتابع: “جواز السفر المصفر الذي حصلنا عليه يختلف عن الجواز الذي يحمله الفلسطينيون، إذ يبدأ بصفرين ولا تعترف به الدول كافة، وهو فقط للمغادرة، ولا يسمح لنا بالعودة مرة أخرى إلى قطاع غزة، وعندما نريد السفر يجب أن ندفع مبلغاً مالياً لا يقل عن 4000 دولار، للتنسيق مع الجانب المصري، وهذا المبلغ كبير جداً، لا نستطيع توفيره في ظل الظروف التي نعيشها”.

وقضية حرمان مئات الفلسطينيين من جوازات سفر تضاعف من معاناة أهل القطاع الذي يعيش حصاراً اسرائيلياً خانقاً يطبق على حياة نحو مليوني شخص يعيشون حياة قاسية اقتصاديا وبيئيا واجتماعيا وسياسياً. فقد شددت اسرائيل على حركة تنقل الفلسطينيين وعزلت القطاع عزلاً شبه تام عن الضفة الغربية وصعبت على عموم سكان القطاع السفر الى دول أخرى وقد منع كثيرون من السفر منعاً تاماً.

مصيرهم بيد “الاحتلال”

يؤكد مصطفى أن الاحتلال الإسرائيلي هو من يتحكم بمصيره ومصير من مثله، من خلال عرقلة إصدار بطاقة تعريف فلسطينية، إضافة إلى السلطة الفلسطينية التي تتنصل من تفعيل قضيتهم، بذريعة الانقسام الفلسطيني، وسيطرة حركة حماس على قطاع غزة.

مثنى النجار

الصحافي مثنى النجار (35 سنة)، لا تقل معاناته عن معاناة سابقه، لعدم حصوله على الهوية الفلسطينية، فهو نازح فلسطيني ولد في العراق، وجاء إلى قطاع غزة برفقة عائلته عام 1994، مع وصول السلطة الفلسطينية.

ويعمل النجار في مجال الإعلام منذ أكثر من 10 سنوات، ولم يتمكن من مغادرة القطاع، والمشاركة في دورات ومؤتمرات في دول عربية وأجنبية، وذلك لأنه يمتلك “هوية زرقاء”، لا تمكنه من السفر، أو حتى الحصول على وظيفة في غزة.

قضية سياسية

يقول النجار لـ”درج”: “قضيتنا سياسية تتعلق بموافقة إسرائيل على إصدار هوية إذ تم تعليق إصدار البطاقات الشخصية منذ عام 2006، والسلطات المصرية ترفض سفر أصحاب الجوازات “المصفرة” من دون أي أسباب، فنحن غرباء في وطننا، لا نملك سوى بطاقة تعريف، لا تغني ولا تسمن من جوع”.

جواز سفر مثنى النجار

ويردف: “تمكنت من السفر مرة واحدة فقط، عام 2016 ضمن وفد إعلامي فلسطيني إلى جمهورية مصر العربية، وبعد ذلك لم أتمكن من السفر، لاحتجاز الوثيقة المصرية، لدى الجانب المصري، ومنذ ذلك الحين لا أستطيع السفر لأي غرض كان، ولا حتى لأداء مناسك العمرة، فنحن نعيش في سجن، ومحرومون من أدنى حقوقنا”.

إيمان خضر قدمت إلى قطاع غزة عام 2000، لتتزوج من أحد أقاربها في القطاع، وبقي أهلها في المملكة الأردنية، وبعد سنوات من زواجها انفصلت عن زوجها، وتعيش في بيت مع أبنائها الخمسة، وبالكاد تستطيع توفير قيمة الإيجار، لعدم حصولها على وظيفة لأنها تحمل جوازاً مصفراً.

لم الشمل

تقول إيمان (40 سنة) لـ”درج”، “بعد انفصالي عن زوجي حاولت الحصول على لم الشمل مع عائلتي، لكي أعود إلى الأردن، ولكن لم أتمكن من ذلك، وعام 2012، بعد معاناة تمكنت من السفر إلى مصر، والتقيت والدتي بعد غياب 12 سنة، ولكن لم أستطع العودة إلى الأردن، وذلك لانتهاء الجواز الأردني، ورفض السفارة الأردنية تجديده، وبقيت عالقة في مصر”.

“لم أتوقع أن أكون غريباً في وطني، فأنا لاجئ فلسطيني، كاللاجئين الذين يعيشون في قطاع غزة، ومن حقي الحصول على فرصة عمل، وهوية فلسطينية والتنقل بحرية…”

ولم يتم السماح لصاحبة “الجواز المصفر” بالعودة إلى قطاع غزة مرة أخرى، لأن الجواز الذي تحمله يسمح لها بمغادرة القطاع مرة واحدة فقط، الأمر الذي دفعها إلى دخول غزة عبر الأنفاق الأرضية، والتي كانت تنشط تلك الفترة، وهي الآن ممنوعة من السفر نهائياً.

في هذا السياق، يقول مدير عام هيئة الشؤون المدنية في قطاع غزة صالح الزق، “بموجب اتفاقية أوسلو تم منح الفلسطينيين في قطاع غزة، والضفة الغربية الهوية الفلسطينية ووضع عليها الاسم بالعربية والعبرية، وتم منحها أيضاً للعائدين من الخارج، ولكن الذين دخلوا القطاع للزيارة لم يُمنحوا تلك الهويات”.

رفض إسرائيلي

يكمل الزق: “يرفض الاحتلال الإسرائيلي إصدار هوية فلسطينية لما يقارب 5000 مواطن، في قطاع غزة بذراع أمنية، أو منحهم تصاريح زيارة للخارج من خلال معبر “إيرز”، الذي يسيطر عليه، والبطاقة الزرقاء التي حصلوا عليها من قبل حكومة غزة، لا تفيدهم سوى للمعاملات الداخلية”.

ويبين أنه لا يمكن في الوقت الحالي إيجاد حل لتلك الفئة، إلا في حال إتمام المصالحة الفلسطينية، وتوحيد الصف الفلسطيني، لأن هذا الملف أصبح عالقاً، بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة بالكامل.

“جواز السفر المصفر الذي حصلنا عليه يختلف عن الجواز الذي يحمله الفلسطينيون، إذ يبدأ بصفرين ولا تعترف به الدول كافة”.

من جانب آخر، يرى الحقوقي الفلسطيني محمد هاشم أن حرمان ما يقارب 5000 مواطن فلسطيني من حقوق المواطنة والتوظيف والتنقل من بلد إلى آخر، يعد انتهاكاً للقوانيين والأعراف الدولية.

ويقول لـ”درج”، “هؤلاء الأشخاص مواطنون فلسطينيون ومن حقهم الحصول على ما يحصل عليه سكان قطاع غزة، فهم يعتبرون أنفسهم غرباء في وطنهم، ويجب إنهاء معاناتهم”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
مناهل السهوي وميزر كمال
حين فكرنا بمادة تجمع العراق وسوريا معاً بدا أن الجوع هو البوابة، العراقُ من الماضي وسوريا الآن، كيف يبدو شكل المجاعةِ الآتية إلى سوريا اعتماداً على الزمن الماضي الذي عاشه العراق في حصار قاس؟
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني