لبنان: طبل الثورة الصفيحيّ يوقِظ الذاكرة…

الطبل والحناجر لم توجد من أجل التخريب والهدم بل للدفاع عن الذات والتحريض على الثورة والبِناء لغدٍ أفضل ووطن أصح.

وفي اليوم الثالث للانتفاضة الشعبية اللبنانية توجّهت إلى ساحتي الشهداء والصلح، أو كما يحلو لوالدي أن يُطْلِق عليهما “البلد”… أي المنطقة المسماة حالياً “الدوان تاون”. 

3 تسميات أو أكثر لمنطقة وسط بيروت، ولكن والدي ما زال مُصِراً على تسمِيَتها “البلد” ويُفضِّلها على غيرها من التسميات مُبرراً ذلك، بأنها كانت المساحة الجغرافية الوحيدة التي يجتمع فيها أهل هذا البلد على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والطبقية وتنوع مشاربهم السياسية والثقافية. يروي لي والدي مستعيداً شريط ذكريات شبابه التي عاشها متنقلاً بين أحياء وسط بيروت في ستينات القرن المنصرم. يروي بشغف وحسرة الكثير خاتماً الذكرى بشيء من التشديد على أن البلد لم يكن مركزاً تجارياً وسوقاً شعبياً لتبادل السلع والخدمات وحسب، بل كان أيضاً الدياسبورا الأساسية لانطلاقة الانتفاضات الشعبية ضد السلطة الخارجية منها والمحلية.

ساحة المدينة في الذاكرات المُتقطعة:

سمحت انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، المُنطلقة شرارتها الأولى في المساحة الجغرافية الممتدة بين ساحتي تمثال رياض الصلح وتمثال الشهداء، بإعادة إحياء ذاكرة جَمعية اختزنتها وكثفتها هذه البقعة الجغرافية التي لطالما سعت الطبقة السياسية الحاكمة منذ التسعينات إلى طمسها ومحوها. ذاكرة شهدت على حركات التمرد والانتفاض ضد أي سُلطة كانت.

وبعودة الذاكرة تعود الساحة إلى المدينة كفضاء عام ومساحة لقاء بين سكانها المُختلفين أصلاً والمُنقسمين على أنفسهم شرَّ انقسام. يعود سكان المدينة إلى الساحة من أجل التحاور والاختلاف في الرأيّ والرقص والغناء والصراخ، ومن أجل الاحتجاج بالثورة على من أوْصَل حياتهم ومعيشتهم إلى هذا الانهيار الفظيع.

تدفق سكان المدينة والضواحي ومدن اُخرى إلى الساحات، من الأعمار كلها ومن مُختلف المهن والشرائح الاجتماعية، نازعين من نفوسهم طبقات الخوف وعن جلودهم ادران الطائفية، هاجرين انتماءاتهم الحزبية ليُعيدوا اكتشاف معنى الساحة ويلتقوا فيها مع ذاكرتهم وذاكرة الآخر المُختلِف. وهو المعنى المناقض تماماً لمفهوم الطبقة السياسية اللبنانية واحزابها التي تصرفت على أساس ان البلد برمته هو ساحة إقليمية ودولية مباحة للاقتتال الدموي والانقسام الأهلي، فيما السكان هُمْ رعايا خاضعون تابعون لتلك السلطة.

شكّلت الشتيمة التي أتت في شكل اُهزوجة “الهيلا هيلا هو…” في صيغتها الأصلية الأولى معبراً ضرورياً  للمنتفضين وسبيلاً للتطهُّر الجَماعي من منظومة فساد أخلاقي عممته الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان

لقاء الساحات أحيا من جديد الذاكرة الجَماعية للمدينة، وهي لسيت بذاكرة واحدة بل ذاكرات متراكمة، مُتقابلة ومؤلمة في آن. ذاكرة التمرد والثورة على المحتل العثماني ونظام المقاطعجية. ذاكرة الاستقلال الأول عن الانتداب الفرنسي والانتفاضة ضد وجوده، ذاكرة الاغتيالات السياسية التي افتتحت مع اغتيال الرئيس رياض الصلح، ذاكرة الانقسام والحرب الأهلية اللبنانية، وذاكرة لبنان في عِزِّ ازدهاره الاقتصادي والثقافي قبيل تلك الحرب، ذاكرة تاريخ مدينة بيروت وعائلاتها بحسب الراحل سمير قصير، ذاكرة الاستقلال الثاني عن الوصاية السورية الأسدية. ذاكرة سكان مدينة “بيريتوس” القابعة في الطبقات التحتية لمدينة بيروت، كما قال الكاتب اللبناني ربيع جابر في روايته الخيالية. وذاكرة والدي كما يحب دائماً روايتها لي.

الجسد ينتفض

استفاق سكان مدينة بيروت والمدن المجاورة من كبوتهم الطويلة واستفاقت معهم ذاكراتهم المُتقطِّعة. فأتجهت الحشود فرادى ومجموعات إلى الساحة لاستعادة وطن سليب ومخطوف مُبتدئين من علمٍ ونشيدٍ وطنيين تصالح الجميع معهما.

 تجمَّعوا بملء إرادتهم الحُرة ولم يكونوا قطعاناً رهن إرادة الزعيم والقائد المُفدّى، بل قرروا أن يكون كل فرد منهم قائداً مُمَوّلاً للثورة، فتداعوا إلى تمويل ذاتي لإقامتهم الطويلة في الساحة من حُرِّ مالهم.

حملوا معهم شكواهم ومطالبهم وكتبوا على الحيطان شعارات الغضب الجارح والسخرية السوداء. هتفوا وشتموا ورقصوا وغنوا وضحكوا وبكوا… فكانوا جسداً واحداً ينتفض. وانتفاض الجسد ليس سوى مؤشر على شفائه، وطور من أطوار التحول والتطور. 

دروس الساحات

في ساحات المُنتفضين تفاوتت التعبيرات الفنية لدرجة التناقض أحياناً كثيرة، ولكن المدهش أن الساحة كفضاء مدينيّ، أتاحت للجميع التدرب على موضوعة الديموقراطية وقبول الآخر المُختلف ليس فقط في رأيه السياسي والثقافي بل وحتى في ذوقه الفني وميولِه الجندرية.

لافتة ومُدْهِشة كانت الشعارات المكتوبة على حيطان الأبنية في الساحات. شعارات متنوعة في كل شيء، في السياسة والثقافة والفن والاقتصاد. بعضها كُتِب بعامية بدائية تنم عن غضب وسخرية لاذعة، وشعارات اُخرى كُتبت بعربية فصيحة تُذكّر بشعارات اليسار في عز شبابه. ولكن أغرب ما لفتني شعار ” فليسقط الفن المعاصر”! 

شعار ثقافويّ بامتياز فيه من الغرابة ما جعلني أضحك كثيراً، لا سخريةً من الشعار أو من كاتبهِ، بل لشدة المفارقة الحاصلة في مكان طرحه وزمانه. وحفّزني هذا الشعار على ممارسة بعض التأمل في حالي والآخرين، لأستنتج أن اكتمال نصاب حضوري أو حضور أي فرد لا يعتمد إطلاقاً على المنطلقات الفكرية والنفسية التي يمتلكها ولا على الرأي السياسي الذي يؤيده، في مَيْلٍ إلى ليبيرالية فاقعة أو إلى راديكالية ثورية. بل يكتمل نصاب الحضور في المشاركة التفاعلية المرنة والقدرة القُصوى على الانفتاح وتقَبُّل الاختلاف. 

التعبير الفني في ساحات الانتفاضة

الشعار/ الهتاف الأقوى والأفعل الذي كُتب ورُدِّد الآف المرات كان شعار: “كُلن يعني كُلن وكذا واحد منن…”. شعارٌ كان ابتُكر في مراحل سابقة لهذه الانتفاضة ومع المجموعات الأولى التي تصدرت الحركات الاحتجاجية في موضوع النفايات في صيف 2015.

والجدير ذكره وقتذاك انّ الشعار هذا تحول بعد فترة وجيزة الى اغنية انتقادية من تأليف وأداء فرقة “الراحل الكبير”. اغنية تهجو كلماتها بقسوة الطبقة السياسية الحاكمة في فسادها وإفسادها، وتستلهم لحنها وايقاعها من الموروث الشعبي. أغنية بسيطة في التركيب ولكنها تختزن وضوحاً وقوة في التعبير الفني. هي أغنية تستحق أن تكون أغنية الانتفاضة بامتياز، ومثالاً يُحتذى في أسلوب معالجتها الأغنية الشعبية ذات الموضوع الهجائي والانتقادي المُوجَّه من دون استجداء الضحك على طريقة الكوميديا الفارغة.

في ساحة المدينة تصدح الأصوات بالتهاف والاغاني الشعبية والفلكلورية. الجميع يغني من دون أن يهتم أحد بإذا كان صاحب الصوت مغنياً بارعاً أو عازفاً محترفاً، فالمكان ليس دار أوبرا او معهداً موسيقياً. في ساحة الانتفاضة من الأفضل أن يكون الصوت ناشزاً وليس فيه ايِّ توافق هارموني إلاّ بما يسمح للصوت أن يكون عالياً قاسياً ونافراً ليصل إلى مسامع الزعيم والقائد المُفدّى هجاءً فيه وشتيمة مُقذعة بِحقِّهِ. 

وبهذا شكّلت الشتيمة التي أتت في شكل اُهزوجة “الهيلا هيلا هو…” في صيغتها الأصلية الأولى معبراً ضرورياً  للمنتفضين وسبيلاً للتطهُّر الجَماعي من منظومة فساد أخلاقي عممته الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان على مدى ثلاثة عقود في تسلّطها عن البلاد والعباد.

لا مجازفة في القول إن الفعل الوحيد في هذه الانتفاضة الذي قارب أن يكون ثورياً هو فعل الشتيمة المُقذعة الذي قذفه المنتفضون بحق حكّامهم وزعمائهم.

فالشتيمةُ والحال هذه تحولت من عنف كلامي غير أخلاقي إلى فعل تطهُريّ يمتلك مسوغاته الأخلاقية لتحطيم عبادة الفرد/ الزعيم والبَيْك، وتدنيس قُدسية القائد المعصوم المُفدّى بالروح وبالدم.

الطبلُ نبض المنتفضين

لصوت قرع الطبول في الفن الموسيقي دلالات بلاغية في التعبير وعميقة الأثر في السماع. كأن يأذن بافتتاح مشهدية “القدر يقرع الباب” في افتتاحية السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، أو يختتم فصلاً ليُطلق رقصة مجنونة كما في مؤلَّف سترافينسكي “طقوس الربيع”. الإيقاع هو أول فن موسيقي مارسته البشرية. وهو بدائي النشأة والتعبير وحاضر في أبسط الاحياء وأكثرها تعقيداً.

الإيقاع حضر بقوة الى ساحات الانتفاضة فحرّر الذاكرة من غياهب الماضي وصيَّرها فعلاً وتعبيراً فنياً حاضراً. آلتا الطبل والدربكة ترجمتا هذا الحضور بفعالية ممتازة. فصوت الطبل أتى مدوياً، كارنفالياً، شعبياً ليحرض على انتفاض الجسد.

عازف الطبل جسَّدَ، مع جوقة اصوات المُنتفضين، شخصية “أوسكار” بطل رواية “الطبل الصفيح” للكاتب الألماني غونتر غراس. وتروي القصة، التي تسير احداثها في زمن النازية الهلترية في ألمانيا، حكاية اُوسكار وهو صبيٌ حاد الذكاء في الثالثة من عمره، ومُتفَوِّق حتى على البالغين بطريقة تفكيره العقلانية. لذا فهو يشعر بوحدة وعزلة كبيرتين في مُحيطِه، فيقرر ان يوقِف نموه الجسدي ليظل قزماً، لكي لا يُصبح رجلاً بالغاً طويل القامة وخاضعاً لنفوذ رجل آخر يُطْلَقُ عليه : الأب او الحاكم او رجل الدين. بحوزة اوسكار آلتين: طبلٌ من الصفيح، هدية من أمهِ، وصوتُ حُنجرته الحاد، يستعملهما معاً للصراخ والتعبير عن غضبه وخيبته من تصرفات البالغين غير العادلة واللامعقولة في البيت والمدرسة والشارع.

لِطبلِ اوسكار وقع سحري على سامعيه، ولصوتِ حنجرتِهِ القدرة على تكسير الزجاج. 

طبل اوسكار وحنجرته تماماً كطبلِ المُنتفضين اللبنانيين وحناجرهم في ساحات المدينة وشوارعها وأزقتها، والطبل والحناجر لم توجد من أجل التخريب والهدم بل للدفاع عن الذات والتحريض على الثورة والبِناء لغدٍ أفضل ووطن أصح.

لعَمْري أن ايقاع الطبل الصفيحي للثورة هو البيان الأفصح والأجمل في مُجمل التعبيرات الفنية لانتفاضة 17 تشرين.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عبدالله حسن – صحافي سوري
ما فعلهُ بيرنيز حين أقنع نساء الولايات المتحدة بالتدخين بدعوى أنه “يجعلهنّ مستقلّات” سَحَر الشركات الأمريكية التي ازدادت ثروتها وقوّتها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى.
علاء رشيدي – كاتب سوري
بعد استقرارها في مونتريال تقرر ياسمينا العودة إلى دمشق، تقرر أن تتصالح مع رعب المدينة وآلامها وعذاباتها، وحين تعود إلى منزل العائلة الذي يضم مقبرة أجدادها، يظهر لها الموتى ويلاحقونها …
ريد مطر – صحافية مصرية
بسبب الوشايات بدأت الدولة المصرية فتح” ملفي السياسي الذي أفتخر به- فأنا مشاركة في ثورة يناير وعضوة في حركة “كفاية” ونشيطة مثلي مثل المصريين، لأنني أعتبر مصر بلدي وبلد أجدادي ولست فلسطينية وحسب”.
ندى أحمد – باحثة
السلطوية في خوف لأنها تعي في قرارة نفسها أن الظلم لا يولد نتائج إيجابية وأن القمع تظل فعاليته محدودة، وخصوصاً على المدى الطويل.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
بمجرّد النظر إلى دمار سوريا والصور الأرشيفية التي تحكي دمار اليابان، يظهر الشبه الكبير ويُحلُّ لغز هذا التشبيه.
فرح شقير – مدونة لبنانية متخصصة في الاقتصاد
أعرف أن جاين لي وإصرارها على العمل جعلاني أمارس تمييزاً إيجابياً لا طوعياً كلما التقيت بصيني أو صينية. لا يمكنني إلا أن أتخيّلهم يهمّون في القفز إلى الأمام. وعندما انتشر فايروس “كورونا”، لم أستطع منع نفسي من انتظار قفزتهم الأمامية المقبلة.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني