“اعتقلونا وجردونا من ثيابنا”.. شهادات لاجئين عادوا من اليونان إلى تركيا 

تختلف جنسيات اللاجئين هنا في تركيا، لكن تتشابه رحلة لجوئهم في كونها حلماً تحول إلى كابوس.

بالرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، تمنع الشرطة اليونانية اللاجئين العالقين على حدودها مع تركيا من العبور إلى داخل اليونان.

 وبعد ليلة الجمعة (6-3-2020) القاسية على معبر بازار كولي (كاستانييس) قررت السلطات التركية إيقاف توافد آلاف المهاجرين القادمين من مدينة إسطنبول إلى المعبر، واحتجازهم هناك ومن ثم نقلهم إلى الشريط الحدودي غير الخاضع للرقابة من الجهة التركية والمتمثل بنهر مريج (إفروس) الفاصل بين تركيا واليونان، وتركهم هناك، أو نقلهم في باصات خاصة إلى مدينة إسطنبول.

بوابات الحالمين بالعبور

حديقة (مراد باشا) في منطقة أكسراي في مدينة إسطنبول تعد إحدى التجمعات الرئيسية للاجئين الذين يريدون الذهاب إلى الحدود التركية اليونانية. هناك يتجمع يومياً المئات منهم للانطلاق في باصات خاصة تقف بالقرب من الحديقة، لنقل الراغبين بالذهاب إلى ولاية أدرنة، حيث بوابات الوصول إلى أوروبا المغلقة.

اللاجئون هناك من جنسيات كثيرة، القليل منهم كانوا من السوريين، والغالبية للجنسيات الأفريقية من الصومال والمغرب والجزائر، وآخرون من إفريقيا لكننا لم نستطع التعرف على جنسياتهم، وكذلك رأينا عراقيين وإيرانيين وأتراك يركبون في الباصات إلى الحدود، وأيضاً لاجئون من بنغلادش.

بالنسبة إلى عدد من هؤلاء اللاجئين، لم تكن الرحلة المنتظرة إلى الحدود التركية اليونانية هي رحلتهم الأولى، فبعضهم جرب العبور خلال هذا الأسبوع مرتين أو ثلاثة، لكنه عاد بعد أن فقد كل ممتلكاته (حقائبه وجهاز هاتفه وجواز سفره وبقية أوراقه الثبوتية). ومن استطاع العبور إلى اليونان، ألقت القبض عليه الشرطة اليونانية وجردته حتى من ثيابه واعتدت عليه بالضرب وأعادته قسراً إلى تركيا.

لاجئون ينتظرون في حديقة مراد باشا بإسطنبول للذهاب إلى الحدود اليونانية

كابوس العبور إلى اليونان

قابلنا عبد الفتاح ملقي (17 سنة) وهو لاجئٌ من مدينة حلب، نزح من سوريا عام 2015، وهو أحد الذين عبروا إلى الجانب اليوناني وتعرض للحجز والضرب وأُعيد قسراً إلى تركيا. 

يروي ملقي تجربته، “أوقفتنا الشرطة اليونانية، بعد أن مشينا في العمق اليونانية مسافة 10 كيلومترات، هنالك اعتقلنا العناصر في إحدى القرى اليونانية، وبدأوا بضربنا، وانا تعرضت للإصابة في قدمي، وكذلك جردونا من ثيابنا ونقودنا، وأنا أخذوا مني 200 دولار كانت معي، وكذلك أخذوا تليفوني”. يضيف ملقي: “بعد أن اعتقلتنا الشرطة اليونانية أخذتنا إلى النهر، وألقتنا في النهر، كان معنا طفل صغير أسمه مصطفى، مات غرقاً، لا نعرف كيف حدث هذا، ألقوا علينا قنابل غاز مسيل للدموع، والناس بدأت بالهروب إلى النهر، كان معنا أحد الأشخاص لم يكن يعرف السباحة، وعندما بدأ بالغرق حاولنا إنقاذه، وعندما سحبناه إلى الأرض، أعادت الشرطة اليونانية إلقاء قنابل الغاز علينا، لم نكن حينها نرتدي الثياب”.

ويكمل عبد الفتاح ملقي سرد ماحصل معه، “عندما وصلنا إلى إحدى القرى التركية أعطونا ثياباً”، إلا أن المحنة لم تتوقف عند هذا الحد، فقد تعرض عبد الفتاح ومن معه للسرقة،  “سائقو الباصات الكبيرة جميعهم كذبوا علينا، لقد استغلونا وطلبوا منا مبالغ كبيرة لإيصالنا سواء عندما ذهبنا إلى أدرنة أو عند عودتنا إلى إسطنبول، لقد طلبوا مني 150 ليرة، ليس أنا فقط، بل فعلوا ذلك مع 9 أشخاص كانوا معي”.


يتحدث ملقي عن أربعة أتراك كانوا مع مجموعته في رحلة اللجوء، وأيضاً أشخاص من الجزائر وفلسطين، وحدثنا أيضاً عن نيته بالرجوع مرة أخرى، فهو سيحاول دخول أوروبا مجدداً، وعندما سألناه عن السبب قال: “هنا في تركيا الوضع صعب جداً، لا أستطيع احتمال الطريقة التي أعيش فيها هنا، أعمل منذ أن نزحت من حلب إلى إسطنبول في مطعم شاورما، وصاحب المطعم يعاملني بطريقة جيدة، لكنني لا أفعل أي شيء غير العمل، أعمل من الصباح الباكر حتى ساعات متأخرة من الليل، وهذا متعب جداً، أريد حياة أفضل من هذه”.

الباصات التي تنقل اللاجئين من اسطنبول إلى أدرنة

تختلف الجنسيات وتتشابه المأساة

تختلف جنسيات اللاجئين هنا في تركيا، لكن تتشابه رحلة لجوئهم في كونها حلماً تحول إلى كابوس. يونس محي الدين عبد القادر (32 سنة) لاجئ عراقي من مدينة الموصل، غادر البلاد عام 2016 وتنقل في رحلة نزوحه إلى أماكن كثيرة حتى استقر به الحال في مدينة إسطنبول، ومنها بدأ يجرب حظه في العبور إلى أوروبا.
يونس الآن بلا أوراق ثبوتية، كحال الكثيرين ممن عبروا إلى اليونان وعادوا بعد تجربتهم القاسية: “عندما عبرت اعتقلني الجيش اليوناني، وأخذوا أوراق ثبوت جنسيتي العراقية، وتليفوني ونقودي، لم يتركوا معي شيئاً، حتى ملابسي أخذوها، لقد اعتقلوني على الحدود وضربوني وأعادوني إلى تركيا، هذا ما حدث، لا يسمحون لأحد بالعبور”.
يؤكد يونس أن الأمن اليوناني يتعامل بعنف مع اللاجئين: “يضربون النساء والأطفال، ضربونا بقنابل الغاز المسيل للدموع، والرصاص، من أجل منعنا من المرور، بقينا هناك لعدة أيام بلا طعام، لقد عاملونا بطريقة سيئة، لقد رمونا في النهر”.

جاء يونس محي الدين من ولاية جوروم الواقعة بالقرب من البحر الأسود في الشمال التركي: “عندما سمعت أن الحدود فُتحت للهجرة إلى أوروبا جئت إلى إسطنبول، وبالنسبة للأتراك فقد ساعدونا للعبور إلى اليونان، لكن في اليونان ضربونا وأخذوا ممتلكاتنا وأعادونا مرة أخرى إلى تركيا”.

سألنا يونس عن سبب هجرته من العراق فقال: “الجميع يعرف أوضاع العراق، نتخلص من وضع ندخل في وضع أسوأ، حادثة غرق العبارة في الموصل ذهب ضحيتها 500 إنسان، والآن التظاهرات، ماذا أفعل بالعراق؟ لقد هُجرت إلى عدة مناطق قبل الوصول إلى تركيا”.

أطفال ينتظرون مع عائلاتهم للذهاب من اسطنبول إلى الحدود اليونانية

عشرات العوائل تنتظر حالياً في حديقة (مراد باشا) من أجل الذهاب إلى الحدود، وتصر على البقاء رغم التحذيرات من العائدين، لكن لا خيار أمامها سواء أمل العبور إلى أوروبا، عبر البوابة اليونانية، وهذا الحال ينطبق على بقية التجمعات في مناطق إسطنبول الأخرى.

الوضع الإنساني في تلك التجمعات مأساوي للغاية، فاللاجئون هنا ينامون في العراء، ويتوسدون حقائبهم الصغيرة التي يحملون فيها أمتعتهم البسيطة، التي تمثل كل ما يملكونه في رحلة لجوئهم الطويلة من بلدانهم التي فروا منها بسبب الحرب والفقر، لكن الأمل بالعبور إلى حياة أفضل يتضاءل مع تصاعد الأزمة بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

اليونان من جهتها أعلنت على لسان  رئيس وزرائها كيرياكوس ميتسوتاكيس موت الاتفاق الذي أُبرم عام 2016  بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وأوقف مد موجات الهجرة من تركيا إلى أوروبا، واتهم ميتسوتاكيس أنقرة بتسهيل التدفّق المستمرّ لآلاف المهاجرين على الحدود.


لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

خالد سليمان – صحافي وكاتب كردي عراقي
الأمراض الناشئة هي نتيجة طبيعية للتغيرات البيئية الناتجة عن النشاط البشري، وما فايروس “كورونا” سوى وجه من وجوه هذه التغيرات التي لا تتوقف ما لم يتوقف البشر عن إجهاد الأرض.
مصطفى إبراهيم – صحافي فلسطيني
أزمة حكومة حماس في غزة أنها لا تملك الإمكانات المطلوبة لمواجهة الكوارث والأزمات، إضافة إلى المبالغة والحرص على إثبات أن غزة خالية من “كورونا”، وما يهمهما إظهار أن غزة المدينة الفاضلة.
محمد خلف – صحافي عراقي
لا أحد ممن يمتلك قدراً ولو محدوداً من التفكير السليم في روسيا سيصدق تأكيدات الرئيس فلاديمير بوتين عن أن جائحة “كورونا” تحت السيطرة في البلاد.
عبدالله أمين الحلاق – صحافي سوري مقيم في إيطاليا
ما يميز شارع بادوفا أو “شارع العرب” كما تحلو للإيطاليين تَسْميتُه، هو أنه شارع يضم خليطاً من مهاجرين ولاجئين من جنسيات وبلدان مختلفة، من مصر والعراق والمغرب وتونس ومن دول آسيا الوسطى…
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
لا يمكن أن نتحدث عن رقم حقيقي لأعداد المصابين بكورونا في إيران ولا لأعداد الوفيات أيضاً، وكل ما يخرج إلى الإعلام، إذا كان صادراً عن جهة رسمية فهو “كاذب”، أما إذا كان صادراً عن جهة غير رسمية فهو “غير دقيق”.
أحمد عيساوي – كاتب لبناني
دخلت شركة سانوفي الفرنسية ومعهد باستور في سباق مع ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل للتوصّل إلى لقاح ضدّ الكورونا. المسألة لن تكون سهلة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني