خواطر معتقل: “خلي الثورة تشيل ما تخلي”…

لا شك في أننا نشهد مرحلة جديدة، يبرز فيها عصيان للأسس الضابطة والمنظمة لتصرفاتنا. أسس شيدتها الأنظمة القمعية الحديثة بمؤسساتها الإعلامية والمعرفية والعسكرية.

إن ما لدينا هو امتداد واتساع لرقعة السيطرة المباشرة وغير المباشرة للرأسمالية النيوليبرالية. لا شك في أن نسختنا من هذا النظام لا تزال في طفولتها، وهي تتجه نحو واقعية رأسمالية كما سماها مارك فيشر. طبعاً هذه التسمية قد تكون عبارة عن توصيف طبيعي لعلاقات البيع والشراء التي تحصل في حياتنا اليومية، ولكنها تحمل معنى أكثر خبثاً. 

بكل بساطة، الواقعية الرأسمالية هي أن النظام القائم حالياً هو واقعنا وماضينا ومستقبلنا. ربما من الصعب جداً أن نتخيل عالماً من دون العلاقات والهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي شيدها هذا النظام. فالآن المعركة بين المصارف والاوليغارشيا مع بعضهم بعضاً ومع الشعب قائمة، وليس غريباً أن يكون القضاء قد أمن الحماية اللازمة لبقاء النظام الحالي. فالأوليغارشيون جميعاً أعلنوا استنفارهم عند سماعهم فكرة المساس بالمصارف، وكما تحتم طبيعتهم الرأسمالية الواقعية، فاعتبروا أن هذه الخطوة هي بمثابة كارثة وطنية، ومن شأنها زلزلة لبنان والنظام المصرفي الذي يميزه عن غيره في المنطقة. عطفاً على هذا، وبعد ليلة الغضب على المصارف مطلع السنة الحالية، ومع ازدياد احتمال أن تحصل مجدداً، أود أن أشارك بعض الأفكار التي أنتجتها تجربتي الأولى مع الاعتقال الذي تعرضت له في بداية التحرك الاحتجاجي المباشر ضد المصارف في كانون الثاني/ يناير 2020. 

لا شك في أننا نشهد مرحلة جديدة، يبرز فيها عصيان للأسس الضابطة والمنظمة لتصرفاتنا. أسس شيدتها الأنظمة القمعية الحديثة بمؤسساتها الإعلامية والمعرفية والعسكرية. انفصالنا عنها هو انفصال مؤلم، كانفصال الطفل عن أمه. أن نعي أننا كمواطنين، تقبع داخلنا، سنوات وسنوات من الأعراف والتعليمات، الأفكار والوقائع التي جعلتنا خاضعين، غير متسائلين، ومسلّمين بأن كل ما هو “دولة” أو “سلطة”، بعيد المنال، مقدس، أو لا يخطئ، وأن لا بديل منطقياً لما هو موجود، إنه أمر مربك قليلاً، لكنه عظيم. لقد غرّتنا فكرة أننا نعلم. ولكن ماذا نعلم؟ نعلم ما تنقله لنا وسائل الإعلام المتواطئة، التي لا تخدم سوى مصالح أصحابها الأثرياء، أصدقاء السلطة الفاسدة وأعوانهم. نعلم ما نقرأه في كتاب التربية الوطنية اليوتوبي، كتاب الخيال المتفائل، الذي لوهلة بعد قراءته تظن أنك في دولة قانون. نعلم بعد قراءة “كتب” التاريخ التي لا أصل لمراجعها، وغير متفق على معظمها. نعلم، أو ربما لا علم في هذه الحالة، بل شعور فقط. نشعر بهيبة الدولة وسيادتها، من خلال صفعات رجالاتها، هراوتهم وشتائمهم، لوحات سيارات ضباطهم المفيمة، المسدسات على جوانب المدنيين الذين من حقهم توقيفك 

“إذا ما عجبه شكلك”.

تعلم من تخويفك وتجويعك، وإحراق أعصاب أهلك واحبائك، بزجك مع خانة المجرمين، لخلق حالة ندم، وشك بكل ما تفعله، بكل ما تؤمن به. فأنت الآن، خارج عن العرف، أنت لست ملائماً للمجتمع السوي، لست محيَداً وطبيعياً، تعمل وتدفع الضرائب، تشاهد “النيتفليكس”، وتتمنى التغيير لكن ضمناً. 

على العكس، لقد اخترت أن تظهر عدم رضاك عن الوضع، اخترت الصراخ والتكسير، ولهذا ستُنبذ وتُبعد. وبما أنك ستتعامل مع رجال الأمن، فسوف ترى الصورة المثالية التي وُضِعت في رؤوسهم، وتسللت إلى لا وعيهم، عن رجل الأمن الذي يحاسب الأشرار، حافظ الأمن، كالعمدة في أفلام كلينت ايستوود المسؤول عن مكافحة “الرجال السيئين” بكل فئاتهم، ولكن حذار أن تكون رجل أعمال، او مديراً عاماً لدائرة أو شركة ما. كن على يقين بأن هؤلاء، الذين اختلسوا عشرات آلاف الدولارات لن يُرَوا داخل زنزانة، بل من حطم بارك ميتير أو اقتلع شجرة، فقد هدد أمن الدولة وسيادتها، والزنزانة واقع ومصير محتم عليه، حتى لو أعاد زرع الشجرة وأصلح البارك ميتير برموش عينيه.

تعلم من تخويفك وتجويعك، وإحراق أعصاب أهلك واحبائك، بزجك مع خانة المجرمين، لخلق حالة ندم، وشك بكل ما تفعله، بكل ما تؤمن به.

هذا هو الوضع الحالي، حيث تتجلى المعرفة كقوة، معرفة السلطة نقاط ضعفنا المادية والعاطفية، واستخدام ما عرفه فوكو بـ”نظرة السلطة” التي تجعلنا نهاب تأثير الاستبعاد والنبذ، كأشخاص أسوياء نعيش في مجتمع. استدعاء ناشطين أو أشخاص شاركوا في الثورة يكاد يصبح أمراً يومياً، في حين أن القضاء كرس نفسه لخدمة الشركات الخاصة والمصارف. وفي المقابل لدينا وسائل الإعلام والمدارس وغيرها من المؤسسات التي ساعدت على خلق صورة معينة للنظام الأمثل وللرعية الصالحة الطبيعية. من هنا، فإن المواطن أو رجل الأمن لم يعد شخصه الحر، بل هو مجرد صور وأفكار يتداولها المجتمع، بقايا معرفة محرفة مؤدلجة. والسلطة بأشكالها كافة هي المشرف على عملية قمع الأفكار ونشرها، تحديد المسار والمعيار، لكل إنسان سوي أو غير سوي.

أخيراً، لا بد من معرفة أن التجمعات ترهب النظام الحالي، الغضب والفرح الجماعيان مخيفان، الفن المتمرد أيضاً، من الموسيقى المبدعة والنابعة من الفكر المتجدد وروح الجماعة إلى المسرح فالسنيما. نحن بأمس الحاجة إلى هذه الأشياء، خصوصاً في وقتنا إذ تحاول المؤسسات تفريدنا، وجعل منا أفراداً، لكل شخصيته وأفكاره التي يتلقاها، والتي يسهل قمعها بطرائق مبطنة وممنهجة. وما العمل، المدرسة، الإعلام والاعتقالات، إن تحوّلت إلى مجرد أدوات لتأديبنا على التصرف والتفكير بشكل سليم، بما يتناسب مع المنظومة السائدة؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
جهاد بزّي – كاتب لبناني
حالة الهستيريا العامة التي رافقت الفيلم تقول إن رجولة الرجل العربي اهتزت: فالمرأة في الفيلم ندٌ للرجل، تشرب النبيذ مثله، تتفوه بألفاظ نابية (للأسف!) مثله، تخون مثله، ذات وجهين، مثله أيضاً، ويمكنها أن تقرر رميه وراء ظهرها وتذهب. المرأة هنا موجودة. المرأة هنا تواجه. المرأة التي في ذهن الذكوري لا تفعل.
Play Video
الجدل الذي خلقه فيلم “أصحاب ولا أعز” لم يُرافق أعمال درامية جريئة عُرضت من الخمسينات إلى التسعينات في السينما المصرية، وتناولت بشكل صريح قضايا مجتمعية كالمثلية الجنسية والخيانة الزوجية والعلاقات الجنسية، فما سرّ الهجوم على العمل الأخير؟ المخرج السينمائي روي ديب يُناقش

3:10

Play Video
كما باقي المؤسسات الرسمية، تمر المؤسسة العسكرية اللبنانية بأزمات عدة فرضها واقع الاستقطاب والانقسام السياسي. ويخوض الجيش تحدي استخدامه من قبل السلطة أو أطراف فيها كوسيلة ضغط أمني وسياسي أو وسيلة ملاحقة لناشطين وقمع للمتظاهرين كما تكرر في السنتين الأخيرتين. ما يضاعف من من مأزق المؤسسة العسكرية ضغوط الأزمة الاقتصادية الحالية التي انعكست تدنياً هائلا في دخل العسكريين من جنود وضباط ورتباء . هذا الفيديو يعرض للضغوط الاقتصادية على المؤسسة العسكرية استنادا الى ورقة بحثية أعدها مركز “تراينغل” للأبحاث والسياسات والإعلام

3:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني