fbpx

“قبة البرلمان” غاية تبرر وسائل الوصول إليها في العراق

مسبوق كلما نقترب من موعد الانتخابات المحدد بـالـ12 من مايو/ آيار، من أجل ضمان تذكرة العبور من قبل نحو 7 آلاف مشرح إلى قبة البرلمان الموزعة على 329 مقعداً أي بمعدّل 21 مشرحاً لكل مقعد...

الموازنة الاتحادية لعام 2018 للعراق خفضت مخصصات رواتب أعضاء مجلس النواب بنسبة 45 في المئة،‏ بسبب الأزمة المالية التي يعاني منها البلد منذ 2014، لكن بخلاف ذلك تأخذ الحيل الدعائية منحى تصاعدياً غير مسبوق كلما نقترب من موعد الانتخابات المحدد بـالـ12 من مايو/ آيار، من أجل ضمان تذكرة العبور من قبل نحو 7 آلاف مشرح إلى قبة البرلمان الموزعة على 329 مقعداً أي بمعدّل 21 مشرحاً لكل مقعد.

فبعد استهلاك أساليب توزيع البطانيات والهدايا التي كانت تتكون عادة من سلات غذائية ومقتنيات كالساعات اليدوية والقرطاسيات، لجأ كثرٌ من المرشحين إلى أساليب غير معهودة لضمان الفوز والوصول إلى البرلمان الذي يدرّ الخيرات والمنافع لهم ولكتلهم وعوائلهم على ضوء تجارب الدورات الثلاث السابقة (2005- 2018)، وذلك عبر أخذ الرشاوى واستلام مبالغ ضخمة تصل إلى مليون دولار، مقابل إغلاق ملفات فساد أو أخذ موافقات مشاريع لجهات نافذة، وفق شهادة عضو لجنة النزاهة البرلمانية مشعان الجبوري في أكثر من مناسبة.

وتزامناً مع اقتراب العد العكسي للانتخابات، كثرت الولائم القبلية الدسمة في بعض المحافظات، والتي تهدف إلى جمع الأهل والأقرباء على مائدة المرشحين وإثارة الحمية العشائرية في نفوسهم، من أجل نصرة أبناء القبيلة في معركة الانتخابات التي يخوضها المرشحون، مثل قتال مناطقهم على الكلأ وحصص المياه من دجلة والفرات. وقابلت ذلك، تحذيرات من تداعيات الإقبال المكثف على ذبح الخرفان غير الخاضع للرقابة الصحية، على الثروة الحيوانية من جانب، وعلى صحة المُستهلكين في أطراف المدن من جانبٍ آخر.

لكن يبدو أن الولائم لم تطمئن المشككين بحظوظهم في الفوز، ما دفعهم إلى اتخاذ اجراءات أخرى مثل شراء بطاقات الناخبين بمبالغ تتراوح بين 100 و200 دولار بحسب تصريحات نواب ومرشحين واقرار حكومي بوجود محاولات لذلك وفتح تحقيقات فيها. وبعد انكشاف الأمر وتهديد المفوضية بمقاضاة بائعي البطاقات الانتخابية وإبعاد مشتريها من السباق الانتخابي، يتحايل مرشحون نافذون على المزاد الانتخابي عبر توظيف آلاف الشباب كمراقبين عنهم  في محطات الاقتراع، بخاصة في الدوائر الكبيرة مثل العاصمة بغداد التي تضم 12 ألف و400 محطة اقتراع، وذلك لضمان تصويت المراقبين عبر منحهم مبلغ من المال وبطاقات رصيد للهاتف النقال وتأمين أكل وشرب لائق لهم يوم الاقتراع.

وشملت الحملات الانتخابية التي تشتد وتيرتها كلما اقترب موعد الاقتراب تفاخر مرشحات في ملصقاتهم الانتخابية بالأنساب و بـ “علويتهن” وانتماء أزواجهن أيضاً إلى شجرة “السادة”، في محاولة لإثارة المشاعر الدينية في الأوساط المحافظة، فيما لجأت بعض أقرانهن المدنيات إلى البكاء والصراخ في الشارع على الملأ حسرة على حال فقراء العراق، وما يواجهون من متاعب العيش، في محاولة منهن لإظهار صدقية التعاطف بعد حملة شكوك كبيرة طاولت صدقية الشعارات والخطابات المكررة في كل انتخابات.

وبعيداً من البكاء والأنساب فضلت مرشحات أخريات نشر صورهن بعد وضع أجمل أنواع “الميك اب” وأبهاها، و”ستايلات” التجميل التي تحفز الشباب والفضوليين على المتابعة، بعد موجة سخرية واستياء من اناقة النائبات اللواتي صعدن إلى البرلمان في الدورات السابقة، فيما لم تتمالك بعض المرشحات اللواتي يشغلن مناصب تنفيذية، أنفسهن ودخلن في شجار وعراك مع مدراء المدارس والمدرّسات أثناء محاولة اقتحام الأوساط التعليمية للوصول الى الشباب والشابات، مما تحولت إلى وبال، بعد تنظيم تظاهرات ضدهن في وسط بغداد، وصدور أوامر من وزارة التربية بفتح تحقيق في الحادثة، ما يمكن أن يتسبب بخفض حظوظ وصولهن إلى البرلمان.

ومن لم يرَ من المرشحين جدوى في الولائم وشراء البطاقات وتوظيف المراقبين لجأ إلى فرش مادة السُبّيس (الحصى والرمل) في الطرق المتهالكة للقرى والأرياف، حيث شهدت هذه المادة الإنشائية ارتفاعاً حاداً في الطلب لتزاحم مرشحي الكتل السياسية على أبواب المقالع للحصول عليها، لأن الحكمة العراقية الشعبية الجديدة تشدد على أن طريق الوصول إلى البرلمان تستدعي فرش السبيس من قبل المرشحين، نظراً إلى وعورة الطرق من جانب وصعوبة اجتيازها لكثرة المتنافسين عليه من جانب آخر.

تُقدر تكلفة حمولة ونقل الشاحنة الواحدة من “السبيس” بنحو 100 دولار، ويقدر إنشائيون، نفقات السبيس الموزع منذ مطلع العام الحالي بمئات الملايين من الدولارات، في حين تفشل الكتل السياسية ذاتها التي تمول الحملات بتقديم الخدمات أثناء تولي المسؤوليات بدعوى الأزمة المالية وعدم وجود تخصيصات.

وفضلاً عن مادة “السبيس” التي تحولت إلى نكتة وتهكم في عالم “السوشيال ميديا”، لجأ مرشحون آخرون إلى وعود التوظيف في القطاع العام تحت عناوين الحشود العشائرية أو المتطوعة، ودفع بعضهم بالفعل أموالاً لأناس كرواتب من المبالغ المخصصة لحملاتهم الانتخابية وأوهموا المستلمين بأنها ثابتة ومن الدولة، فيما يخلو قانون الموازنة لعام 2018 من الدرجات الوظيفية وينص على منع التعيين، كما وصفه مستشارو رئيس الجمهورية في مؤتمر صحفي بـ “موازنة الممنوعات”.

وعلى رغم انهماك بعض المرشحين في الصرف على مشاريع انتخابية، ينشغل بعض النواب الذين ترشحوا لدورة مقبلة بتمويل منشورات فيسبوكية بمئات من الدولارات ولأوقات طويلة، وسط احتدام الحرب المستعرة بين “الجيوش الإلكترونية” الممولة من نواب وزعامات تنشط في بث الدعاية وتلميع صور مرشحين وتشويه صورة آخرين، وتزوير الوثائق والمستندات إذا لزم الأمر. ومن لم يشف “فيسبوك” غليله، علق صوره على أشجار النخيل لأن البسطاء لا يملكون خطوط النت والهواتف الذكية، في مشهد ذكّر العراقيين بالأغنية القديمة “فوق النخل، فوق….”، واقتحم البعض الآخر أرصفة المارة على قارعة الطرق من أجل حجز مكان صوره ودعاياته الانتخابية قبل حلول موعد انطلاق الحملات.

ويتبنى نواب المخضرمون على “السوشيال ميديا” توزيع المساعدات الدورية لوزارة الهجرة أو منظمات إنسانية على النازحين بإضافة عبارة بجهود “فلان الفلاني”، وكذلك تسليط الضوء على دورهم في صدور القرارات الحكومية حتى إن لم يكن النائب المرشح طرفاً فيها.

 ولا غرابة في الحيل الانتخابية بالعراق لأن كل شيء حلال في الحرب الانتخابية المستعرة وغاية البرلمان تبرر كل الطرق والوسائل المؤدية إلى القبة التي تؤمن الحصانة وطابور من الحمايات والايفادات للخارج والشهرة فضلاً عن السُلف وتكاليف العلاج وراتباً تقاعدياً مجزياً فضلاً عن مبالغ طائلة من الرواتب والأموال.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
فيكين شيتريان – صحافي وكاتب أرمني
لماذا لم يتمّ العثور على حلٍّ للصراع بعد مضيّ ثلاثة عقود من اندلاعه؟ لماذا فشلت الدولتان الجارتان في إيجاد حلّ من خلال الحوار؟

3:05

3:05

2:57

2:57
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني