حليمة أول محجّبة في مسابقة جمال أميركية: من اللجوء إلى “فوغ”

حليمة هي أول امرأة محجبة تطلّ بالبوركيني (ملابس السباحة الإسلامية) في عدد ملابس السباحة السنوي الخاص بمجلة "سبورتس إلستريتد".

أصبحت حليمة عدن، (19 سنة)، أول امرأة ترتدي الحجاب والبوركيني (ملابس السباحة الإسلامية) في مسابقة ملكة جمال الولايات المتحدة عام 2016، لتصبح محل اهتمام أسطورة الأزياء الفرنسية كارين رويتفيلد. وأصبحت في السنة التالية أول عارضة أزياء محجبة توقع عقداً مع وكالة عارضات أزياء عالمية، إذ وقعت عقداً مع وكالة “آي إم جي مودلز”، ثم أول محجبة تشارك في أسبوع نيويورك للموضة، لمصلحة العلامة المسجلة “ييزي” المملوكة لكاني ويست. وفي ما بعد، أصبحت أول عارضة أزياء محجبة تظهر على غلاف مجلة “فوغ” مرتين، أولاً على غلاف مجلة فوغ العربية ثم على غلاف النسخة البريطانية من المجلة. ثم سرعان ما أطلت في عدد ملابس السباحة السنوي الخاص بمجلة “سبورتس إلستريتد”. في تلك المرحلة كانت أصبحت بالفعل سفيرة اليونيسيف، وأقوى صوت يمثل التنوع في قطاع الأزياء. وعام 2017 ألقت محاضرة في أول مؤتمر لـ”تيد” يُعقد في مخيمٍ للاجئين في مدينة كاكوما بكينيا. ورافقتها مجلة “فوغ” للمراهقين في تلك الرحلة.

عندما تقابلنا في فندق بالقرب من مركز “كينغز كروس”، سألتها هل من المرهق أن تحمل عبء تمثيل مجتمعها، كونها الأولى في مجالات عدة بشتى الوسائل؟ ردت عدن، “على شخص ما أن يؤدي هذا الدور. أرغب في أن ترى شقيقتي وبنات أخوتي الصغيرات، بل وحتى أبناؤهم، أنهم مُمثلون من قبل نساءٍ يرتدين حجاباً عصرياً، بشكلٍ يمكنهم تفهمه والإحساس بأنه يشبههم”. نجلس جنباً إلى جنب على مقعد بجوار النافذة، ويجتذب حديث عدن جمهوراً صغيراً من ممثلي العلاقات العامة والإداريين وصديقتها المقربة ليزت، التي جاءت معها من الولايات المتحدة. على رغم أن ملابسها كانت تشبه كثيراً نمط الأزياء الراقية، فقد كان ما ترتديه كله أسود -الدانتيل المطرز والمزين بالترتر، والحذاء طويل الرقبة ذو الكعب العالي- بدت أصغر من سنها، وتثرثر بما يدور بخلدها من خلال سيل من الألفاظ العامية والتعليقات الجانبية التي تبرز جانب المراهقة، التي لا تزال منبهرة بالتحولات التي حدثت في حياتها.

لكن عندما يدور الكلام حول بعض المواضيع مثل التنوع وتمثيل مجتمعها والاستمرارية، فإنها تتحدث بحماسة واقتناع. قالت في الماضي إنه، خلال نشأتها في الولايات المتحدة، “كانت المرة الوحيدة التي رأيت فيها أشخاصاً يرتدون ملابس تشبه ملابسي على محطة “سي أن أن”، ولم أكن موافقة مطلقاً على ما يفعلونه”.

والآن، تقول عدن، “أشعر بأننا جميعاً نستحق أن يكون لدينا من يمثلنا. لكن لم يكن لدي من يمثلني. لم يسبق أن تصفحت مجلة ورأيت فيها شخصاً يشبهني”. في هذه اللحظة أخرجت ليزت العدد الأخير من مجلة “أيسنس”، حيث تطل عدن باعتزاز على غلافها مرتديةً فستاناً ورديّاً. أخذت عدن المجلة منها، وهي تبدو مندهشةً بعض الشيء. وقالت، “يبدو هذا جامحاً أحياناً بالنسبة إلي. لا أزال غير قادرة على استيعاب الأمر… عندما ذهب أصدقائي واشتروا المجلة من كشك الجرائد، كان لسان حالي يقول: يا إلهي!”.

تبرهن حقيقة أنها تمكنت من الحصول على وظيفة عالمية في مجال الأزياء من الأساس، أن القطاع أصبح منفتحاً باطرادٍ على التنوع. يبلغ طول عدن 1.65 متر -تعتبر قصيرة بالنسبة إلى عارضات الأزياء-  وتقيم في مينيسوتا، وهي أبعد ما تكون من عواصم القطاع نيويورك ولندن وباريس أو حتى ميلانو. 

تمتلك عدن الآن تشكيلتها الخاصة المكونة من 47 حجاباً، والتي تحمل اسم “حليمة عدن x  مودانيسا” (Halima Aden x Modanisa)، وينص عقدها مع وكالة “آي إم جي” على أن حجابها غير قابل للتفاوض. تقول عدن “إن الحجاب جزء كبير من هويتي”. وأضافت أن الأمر “لا يتعلق بتصوري أن الناس لن يستجيبوا لِرغبتي، وإنما يتعلق أكثر برغبتي في أن يعرفوا ما ينتظرهم. أحضر معي دائماً قطعاً إضافية من الملابس -مجموعتي الخاصة من التوربان والكنزات ذات الأكمام الطويلة والجوارب السميكة الطويلة- لأن الأمر مبني على التعاون. أدرك أيضاً أنه بالنسبة إلى كثيرين، بخاصة في سنتي الأولى، كنت الفتاة المحجبة الوحيدة التي عملوا معها، لذا فهم لا يعرفون بالضرورة ما هم مقبلون عليه كلياً، مثلي تماماً، فقد كنت لا أعرف ما أنا مقبلة عليه في عالم الأزياء، لأنه لا يشبه العالم الذي نشأت فيه”.

هي أول عارضة أزياء محجبة تظهر على غلاف مجلة “فوغ” مرتين.

لديها أيضاً متطلبات معينة، مثل تجهيز غرفة موقتة خلف الممشى لتغيير ملابسها خلال عروض الأزياء، لكنها تقول إنها لم تُفصل أو تُعزل عن زميلاتها يوماً بطريقة غير مريحة، ولم يشعرها أحد بأنها منبوذة. 

تصف عدن تجربتها في عرض الأزياء مع ييزي خلال أسبوع نيويورك للموضة عام 2017 -العام الذي لمع نجمها فيه- بأنها لحظة فاصلة. تقول ويداها فوق ركبتها، إن أول إطلالة قُدمت لها “كانت ببساطة غير مناسبة”، فقد كانت قصيرة للغاية. مضيفة، “حتى في ذلك الوقت كنت أعلم أن: الرحيل عندما يكون الأمر غير ملائم لك، أفضل دائماً من الشعور بأن عليك أن تقبل شيئاً رغماً عنك”.

عادت إلى فندقها، محبطة لكنها مُصممة على النجاح. “وبعد ذلك، دون الحاجة إلى قول أي شيء، اتصلوا مجدداً، وقالوا (لدينا خيار ثان)، ارتديته وكان رائعاً. كنت أعلم أنها لحظة محورية في حياتي. فالأشخاص الذين تريد العمل معهم، هم أيضاً على استعداد للعمل معك كما أنتِ”.

في العام ذاته، تتذكر عدن العمل مع دار أزياء “ماكس مارا” خلال أسبوع الموضة في ميلانو. أطلت بإطلالة صُممت خصيصاً لها. وعندما نشرت صور ذلك الحدث على حسابها في تطبيق “إنستغرام” علقت امرأة قائلةً “لقد وضعك نصب عينيه، يدل هذا على أنه وضعنا جميعاً نصب عينيه. والآن هذه المسلمة، ستضع “ماكس مارا” نصب عينيها وهي تتسوق”. شاركت عدن هذا التعليق مع أصحاب العلامة التجارية. لتظهر لهم مدى تفاعل الجمهور المُسلم ونجاح هذا النهج.

أثمر ذلك عن طرح مجموعة ملابس حصرية في الشرق الأوسط، كانت عدن هي الوجه الذي يمثلها. تحدثت عدن عن ذلك قائلةً “عندما تتسم أعمال المصممين بالتنوع، يكون ذلك بمثابة فوز لهم كما يكون فوزاً للعلامة التجارية، لقد كان ذلك فوزاً للجميع- إذ إننا جميعاً نريد أن نرى جزءاً صغيراً من هويتنا يظهر في العلن”، وهذا من شأنه أن يُحدث فرقاً. بعد مضي عام، أصبحت عدن أول متسابقة ترتدي الحجاب في مسابقة ملكة جمال الولايات المتحدة الأميركية، من بين 7 متسابقات أخريات. وفي العام الماضي، كانت واحدة من بين عارضتي أزياء محجبتين خلال عرض أزياء دار “ماكس مارا” في ميلانو، وواحدة من بين 3 عارضات ارتدين الحجاب خلال ظهورها للمرة الثانية على غلاف مجلة “ڤوغ” العربيّة.

لاجئة

ولدت عدن لاجئة في مخيم كاكوما التابع للأمم المتحدة في شمال غربي كينيا، حيث فرت والدتها من الحرب الأهلية الصومالية عام 1994. كان منزل العائلة مصنوعاً من الطين والمخلفات والعصي – وأي شيء يمكن أن تجده والدتها. تقول “كان من الطبيعي أن أذهب إلى روضة الأطفال، ثم أعود لأجد أن المنزل قد انجرف بعيداً”. وعلى رغم ذلك كان المجتمع يتكاتف سوياً لإعادة بنائه، وكان هذا هو الوقت المفضل لدى الأطفال للعب”.

تتذكر عارضة الأزياء طفولتها في المخيم بأنها كانت سعيدة ومشجعة. “لم تكن هناك جدران تفصل بينك وبين جارك”. أما في منزلها الجديد في ولاية ميزوري، إلى حيث انتقلت مع عائلتها عام 2004، قبل أن تنتقل بعد ذلك إلى ولاية مينيسوتا، حيث تعيش عائلتها إلى الآن هناك، كانت الحواجز قوّيّة.

تُترجم كلمة “كاكوما” في اللغة السواحيلية بمعنى “وسط المجهول”. ولذا توضح عدن، “في بعض الأحيان، عندما أقول إنني ولِدت في وسط المجهول، يعتقد الناس أنني أمزح”. وتضيف “في الواقع إذا نظرنا إلى خرائط غوغل… عادةً ما يُفكر الناس في مخيمات اللاجئين على أنها أماكن للإقامة الموقتة، ولكن كاكوما كانت مدينة متكاملة في حد ذاتها، سواء من حيث القدرة على العيش فيها بشكل دائم أو حجمها”. أسست الأمم المتحدة مخيم كاكوما عام 1992 ليستوعب 70 ألف شخص، ومنذ ذلك الحين شهد المخيم تضخماً هائلاً، وصار يستوعب نحو 192 ألف من اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين، الذين لم يحصل معظمهم على التوطين، (الإحصاءات الإجمالية تُشير إلى أقل من 1 في المئة).

عندما كانت طفلة، تتذكر عدن أنها نشأت وترعرعت في كنف الرعاية الجماعية التي قدمها المجتمع بأسره، الذي تألف ثُلثيه من النساء والأطفال. فقد كانت طفلة ذكية – تحدثت اللغتين الصومالية والسواحلية، وكانت تُترجم في بعض الأحيان إلى الكبار – كما كانت محبوبة، واعتادت أن تتجول في المخيم بصحبة ما يصل إلى 30 من رفاقها من مختلف الأعمار والأعراق.

تدرك عدن تمام الإدراك أن قصصها السعيدة حول طفولتها تتحدى الصورة النمطية “للاجئ التعيس”، على رغم أنها تُرجع الفضل لوالدتها لعملها الدؤوب لحماية أسرتها من المصاعب والشدائد. لم تعرف عدن والدها قط. فقد فُقد أثناء الحرب الأهلية الصومالية، وافترضت والدتها أنه مات، بيد أنه تواصل مع العائلة بعد انتقالها إلى الولايات المتحدة، إلا أنه توفي قبل أن تتمكن عدن من توطيد علاقتها به. تتحدث عدن عن طفولتها قائلةً، “لقد كانت مزيجاً من الآلام والابتسامات. فعلى رغم أنها كانت طفولة سعيدة، فقد عشنا أيضاً في حالة من اللايقين”.

تمتلك عدن الآن تشكيلتها الخاصة المكونة من 47 حجاباً، والتي تحمل اسم “حليمة عدن x  مودانيسا”

وفي دلالة رمزية وسط عالم النسيان هذا، وجدت نشرة جدارية ظهرت عليها بانتظام أسماء ووجهات أولئك القلة المحظوظين الذين قُدر لهم أن يُعاد توطينهم. تتذكر عدن تلك النشرة وكأنها أكبر من الحياة، وكأنها أحد أسباب النجاة كما في فيلم “مباريات الجوع” (The Hunger games)، “إذ يسيطر هذا الأمر على مستقبلك بالكامل، لقد كان ذلك حرفياً مثل الفرق بين الحياة والموت. فبالنسبة إلى الآباء كان ذلك يعني حياة جديدة تماماً، وبداية جديدة، كمن فاز بجائزة الحظ الكبرى. ولكن بالنسبة إلى الأطفال فإن هذا يعني أنني لن أرى أصدقائي مرة أخرى أبداً”.

ثمة تصور خاطئ شائع آخر عن كونك لاجئاً، كما تقول عدن، وهو، “أنك تملك رأياً بخصوص وجهتك”، لقد انتقلت عائلتها إلى أحد الأحياء التي تعاني من انتشار الفقر والجريمة في مدينة سانت لويس الواقعة في ولاية ميسوري، وكان ذلك بمثابة الصدمة مقارنةً بالمجتمع “المتضامن” في كاكوما، عندها شعرت عدن بأنها أكثر عزلة وتمنّت لو أن المياه تجرف منزلها بعيداً. لقد كانت أول مرة تسمع فيها دوي طلقات نارية، لكنّها تستدرك بقولها، “على رغم ذلك، هل انتابني الخوف من الإصابة بالملاريا؟ لا، ولذلك بدا الأمر كما لو أنك تستبدل إحدى العقبات لتحل محلها واحدة أخرى”.

كان العائق الأكبر هو تعلم الإنكليزية، ذلك أنه لم تكن هناك برنامج لتعليم الإنكليزية في مدرسة عدن في سانت لويس. عقب أسبوعين من الحضور غير المثمر، تتذكّر عدن أن والدتها طلبت منها قراءة بعض الكلمات الإنكليزية المكتوبة بصوت عال، مضيفة، “عندها بدأت حرفياً أتمتم بكلمات من أغنية (Dilemma، المعضلة)” التي غنّاها ثنائي الراب نيلي وكيلي رولاند، والتي تعلمتها من خلال الإذاعة، تقلّد عدن غناءها المتعثر لكلمات الأغنية عندئذ، “(لا يه-مني ما أفعله، كل ما أفكر فيه هو أنت)، لم أستطع أن أتحمل فكرة  شعورها بخيبة الأمل”.

الانتقال إلى مينيسوتا

لاحقاً قررت والدة عدن الانتقال بالأسرة إلى مدينة سانت كلاود بولاية مينيسوتا، حيث عثروا على مجتمع مشابه للذي تركوه في المخيم، لقد اعتمدوا على ذلك المجتمع اعتماداً كبيراً في بادئ الأمر، إذ عاشوا لستة أشهر في مأوى للنساء معتمدين على قسائم المساعدات الغذائية. تتذكر عدن مدى لطف الجيران الذين كانوا يصطحبون الأسرة إلى متجر البقالة في أوقات الشتاء القارس أو كانوا يوصلون والدتها حين لم تكن تستطيع القيادة، وتردف، “ولذلك أدين بالولاء التام لهم، أنا أحب ولايتي”. تعيش عدن في سانت بول بالقرب من المطار في الوقت الحالي، على نحو 40 دقيقة من والدتها التي لا تزال تعيش في سانت كلاود. تشتهر ولاية مينيسوتا بضرائبها المرتفعة، بيد أن عدن تقول إنها تدفعها بكل سرور وتعلل بقولها، “لقد اعتمدت على الرعاية الاجتماعية عندما كنت صغيرة، أفكر في الأمر باعتباره وسيلتي لرد الجميل”.

أصرّ فريق عدن قبيل لقائنا على ألا أسألها عن دونالد ترامب أو سياسات الولايات المتحدة، ولذا عوضاً عن ذلك قمت بسؤالها عن كيف يتواءم التنوع الظاهري في الموضة مع ذلك العالم الأكثر انقساماً وانفعالاً. تقول عدن، “أنا لا أتجنب الحديث عن السياسة حقاً، لكنها ليست بالأمر الذي احتاج إليه للتواصل مع الناس. فبمجرد أن أشارك قصتي أجد دائماً بعض القواسم المشتركة. ليس من الضروري أن يسير الأمر على النهج التالي: لقد نشأت في مخيم للاجئين، فأنا أتلقى الكثير من الرسائل -وصدق ذلك أو لا تصدقه- من آباء ليسوا من المسلمين ولا السود، ويقولون لي، شكراً لك على تقديمك للإطلالة المحتشمة بشكل رائع وأكثر شباباً”.

حين شاركت عدن في مسابقة ملكة جمال مينيسوتا عام 2016، باعتبارها طالبة مبتدئة في جامعة سانت كلاود، أخبرت وسائل الإعلام المحلية بأنها تريد تمثيل النساء المسلمات وتحدي الصورة النمطية التي يُقدمن من خلالها باعتبارهن مضطهدات. وأضافت، “الحجاب هو رمز نرتديه على رؤوسنا، لكنني أرغب في أن يعلم الناس أن ذلك هو اختياري”. اليوم تقول عدن إن دوافعها للمشاركة كانت أقل نبلاً، وتتابع بقولها، “رسوم الدراسة الجامعية في الولايات المتحدة باهظة، باهظة للغاية!”، وكان من المقرر مكافأة أول 15 فتاة ممن شاركن في المسابقة بمنح دراسية، عند سؤالها هل كانت تتوقع أن تفوز، أجابت عدن ضاحكة، “لا لا، أبداً، لكن أن أكون ضمن أول 15؟ أعتقد أنني أستطيع فعل ذلك”.

عارضت والدة عدن بشدة مشاركتها في المسابقة، معللة الأمر بأنه قد يصرف انتباهها عن الدراسة إلى جانب قولها بأن البوركيني المكون من قطعتين كان ضيقاً للغاية. على رغم ذلك، فقد باتتا قادرتين على إيجاد أرضية مشتركة بينهما منذ ذلك الحين. ربما يبدو الأمر أحياناً وكأنهما تنحدران من ثقافتين مختلفتين، لم تخبر عدن والدتها بشأن تصويرها مع مجلة “سبورتس اليستريد” حتى “ظهرت المجلة لدى الباعة”.

“لقد اعتمدت على الرعاية الاجتماعية عندما كنت صغيرة، أفكر في الأمر باعتباره وسيلتي لرد الجميل”.

واجهت عدن الكثير من الانتقادات من أفراد المجتمع المسلم الذين يعتبرون عملها في عرض الأزياء محرماً ومحظوراً في الشريعة الإسلامي. تقول، “لقد كان مخيفاً أن أمضي قُدماً في هذا الطريق، ذلك أنني لم أكن أعلم ما هو احتمال مواجهتي رد فعل عنيف أو مدى السوء الذي قد يكون عليه الأمر”. 

انتهى بها المطاف بالوصول إلى التصفيات نصف النهائية، وفي ذلك تقول عدن بنبرة مازحة بينما تسند ظهرها إلى الخلف بزهوة المنتصر، “حصلت على مقوم الأسنان وما إلى ذلك، وتلقيت دعوة من شركة “آي إم جي” (IMG)، وفكرت بالأمر هكذا، حسناً… ربما لا أحتاج للذهاب إلى المدرسة بعد الآن”. تضيف بينما تنتابها قشعريرة من الهواء الآتي من المحيط الأطلسي، “آسفة يا أمي، أنا أمزح!”.

جذبت الأضواء العالمية الموجهة إلى عدن انتباه كارين رويتفيلد، التي سافرت بها إلى نيويورك لتصوير غلاف كتاب “سي آر فاشون بوك” (CR Fashion Book) مع جيجي حديد وباريس جاكسون والمصور الأسطوري ماريو سورينتي. وشُغل ذهن عدن بإمكان طلبها الحصول على صورة سيلفي مع جيجي، وهو ما تصفه الآن بقولها “كان الأمر محرجاً للغاية”. أما في ما يتعلق بسورينتي، فقد اضطرت للبحث عن صورة على غوغل لاحقاً.

كان يوجهها قائلاً “أعطيني وضعاً مثيراً”، خجلت من أن تقول له “أجهل لغة الموضة، ولم أعرف مصورين من قبل. أنا فتاة من مينيسوتا، البلدة الصغيرة” حتى أنها بعد توقيعها عقد عمل مع شركة “آي إم جي” (IMG)، شاهدت مسلسلات تايرا بانكس الواقعية عارضة أزياء أميركا الآتية (America’s Next Top Model) للتمرن. وكانت لا تزال تعمل مدبرة منزل بدوام جزئي في سانت كلاود حتى بعد 7 أشهر من بدء مسيرتها في مجال عرض الأزياء.

ولكن بدلاً من مطالبة عدن بالتغيير، أتاحت لها نخبة عالم الأزياء الفرصة لتظهر على طبيعتها. عادت إلى كينيا راهناً من أجل جلسة تصوير، وعبرت عن هذه التجربة قائلة: “كنت أفكر؛ ما أشد هذا الجنون! لقد جربت طرفي النقيض في حياة واحدة”. تقول عدن إنها لا تشعر بالغضب إزاء عدم المساواة التي تعرضت لها- لأنها لا تجد الأمر مجدياً. “مثلما أقول (لا نريد شفقتك). فلنتحدث عن الحلول، ولندع اللاجئين إلى طاولة المفاوضات. إنهم جزء من الحوار، ولا يجب سن سياسات من دون استشارتهم”.

على رغم من ترفض العمل في السياسة “في الوقت الحالي”، تأمل عدن بالعودة مستقبلاً إلى كاكوما مع اليونيسف لبث الأمل داخل المخيم، بوجود حياة جديدة خارجه. “لا أستطيع أن أخبركم بما كان يمكن أن يعنيه ذلك لي عندما كنت في السادسة أو السابعة؛ (انتظر، هناك حياة خارج هذه الجدران؟)، أتمنى ألا تكون رؤية أطفال المخيمات يكبرون ويصبحون أساتذة ومشرعين ورؤساء ومديرين تنفيذيين لشركات تدخل ضمن قائمة فورتشن 500 شيئاً نادراً. هناك مواهب في كل مكان”.

التغيير من خلال الموضة

في الوقت الحالي، تبحث عدن عن فرص في مجال السعي للتغيير الاجتماعي من خلال صناعة الموضة والأزياء أو ما يُعرف بـ”النشاط المرتبط بالموضة”. وأصبحت عدن راهناً وجه شركة الإكسسوارات البريطانية بوتل توب (Bottletop)، والتي سبقت الجميع في مضمار “الفخامة المستدامة” منذ عام 2002. فمنتجاتها المصنوعة من الجلود المستدامة والحلقات المعدنية المعاد تدويرها، تساعد على تخفيف وطأة الفقر في البرازيل، ونيبال وكينيا. عدن متفائلة، وتزداد تفاؤلاً تجاه قدرة خيار المستهلكين على أن يكون دافعاً للتغيير الإيجابي. وتقول “أعتقد أننا في مرحلة نجد فيها الناس مستعدون لدعم المنظمات والعلامات التجارية التي يعلمون أنها سترد الجميل”. وهي أيضاً سفيرة لحملة “توغيذر باند” #Togetherband الخاصة بشركة “بوتل توب” (Bottletop)، والتي تسعى إلى زيادة الوعي بأهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة. لعل عدن واحدة من قلة من المشاهير الذين “يمتلكون ارتباطاً شخصياً” بكل الأهداف السبعة عشر، وقد كلفت بالهدف الثامن “العمل الكريم والنمو الاقتصادي”. ولعل مساهمة البنك السويسري متعدد الجنسيات، خير مؤشر على الاتجاه الذي تهب فيه رياح التغيير. 

كما تضيف ملوحة بحذائها طويل العنق حاد المقدمة، المصنوع من الجلد الأسود اللامع “لا تتمحور مسيرتي المهنية في مجال الموضة حول رغبتي في العمل مع هذه العلامة التجارية أو تلك، أو الرغبة في السير على منصة عرض الأزياء، ولا الدعوة لشراء هذا الحذاء لأنه سيجعلك تشعرين بأنك مثيرة. أنا فخورة بقدرتي على القول بأنني جمعت ما بين الموضة والنشاط المتعلق بها بهدف تغيير المجتمع. ليس بوسعي القيام بأحدهما دون الآخر”.  

ترى عدن أن رحلتها من مخيم اللاجئين إلى غلاف مجلة “فوغ”، ليست رحلة عادية. لكن كان عليها خوضها بمفردها، وصولاً إلى قولها في أول اجتماع لها مع شركة “آي إم جي” (IMG) حين كانت مراهقة في نيويورك، إنها تود العمل مع اليونيسيف. وأضافت “كان علي أن أدرك، خصوصاً في البداية، أنني قد لا أجد رابطاً واضحاً بيني وبين أي عارضة أخرى. لكنني صنعت طريقي الخاص، وهو ملائم للغاية”. 

هذا المقال مترجم عن theguardian.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط هنا 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

International Media Support
تتفاوت الوسائل التي ستتأثر بها المرأة من بلد إلى آخر لكن هنا خوف حقيقي من أن استقلالية النساء ستصبح ضحية خفية للوباء، في جميع أنحاء العالم”.
عبير شبارو – خبيرة في الشؤون الجنسانية
بينما تمنحك كروموزومات XX جهازاً مناعياً أقوى وتوقعاً لعمرٍ أطول بحسب ما ذكرته إحصاءات، فإن كونك أنثى يعرضك للتمييز ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، ويؤدي إلى تهميشك وتهميش صحتك، وذلك في سياق استجابة دول عدة لوباء “كوفيد 19”.
خولة بو كريم – صحافية تونسية
ُمنذ إعلان الإصابة الأولى في تونس بدأت تطبيق الإجراءات الوقائية من الفايروس، على رأسها غسل اليدين، والامتناع عن التقبيل. وكنت أحسب أن الأمر هين، وأن دائرتي المجتمعية ستتفهم الأمر، لكن الحكاية لم تسِر على ما يرام
وردة بوضاهر – أخصائية نفسية لبنانية
في زمن الوباء، كيف تحاول مواقع جنسية مضاعفة أرباحها تحت ذريعة العمل الخيري؟
لينا أبو حبيب – باحثة وحقوقية نسوية لبنانية
هناك الكثير من المبررين للنظام الحاكم. لقد ضُللنا كثيراً ونُصحنا بأن نقبل القيمة الظاهرية لنيات السلطة، وأن نمنح السلطة فرصة أخرى لكن الواقع الفعلي لأحوال المرأة وتعرضها للظلم والإقصاء والتمييز لم يتغير، بل ازداد سوءاً.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
في حين تُمنع النساء في عدد من البلدان الإسلامية من الذهاب إلى المسجد، تعمد نساء مسلمات في دول غربية إلى نشر فكرة انخراط المرأة في الصفوف الدينية الأمامية، باعتباره ذلك جزءاً من حركة تحرر المرأة المسلمة للتعبير عن نفسها.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني