fbpx

روسيا تنافس أوروبا من البوابة الليبية

تكتسب روسيا مواقع نفوذ قوية في ليبيا بعد تعمق النزاع الأهلي المسلح خلال السنوات الأخيرة، فيما يغيب تقريباً التأثيران الأوروبي والأميركي بشكل واضح.

يتحول التدخل الروسي في ليبيا إلى ما يشبه القفزة طويلة إلى أعلى بعد اجتياح أردوغان الجهادي والعسكري في طرابلس لإنقاذ حكومتها التي يديرها رفاقه في حركة الإخوان المسلمين، بتحالف مع زعيم “الجماعة الليبية المقاتلة”. هذه المنظمة تمثل الفرع الليبي لتنظيم “القاعدة” في ليبيا ويتزعمها عبد الحكيم بلحاج المقيم في اسطنبول، ومنها يدير شركة الخطوط الجوية التي يمتلكها والتي تنقل المقاتلين والمتطوعين من سوريا وبالتحديد من إدلب إلى ليبيا.

تكتسب روسيا مواقع نفوذ قوية في ليبيا بعد تعمق النزاع الأهلي المسلح خلال السنوات الأخيرة، فيما يغيب تقريباً التأثيران الأوروبي والأميركي بشكل واضح. وكما يقول المدير السابق لشمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي بن فيشمان (Ben Fishman) فإن “بوتين يعلن مرة أخرى أنه يريد أن يكون صاحب نفوذ في ليبيا”. 

التدخل الروسي في ليبيا سيساهم بالتأكيد في ترجيح كفة ميزان القوى لمصلحة الكرملين، ويوسع من نطاق نفوذ روسيا على الحدود الجنوبية لحلف الناتو. ويرى بن فيشمان أن “توسع نفوذ روسيا في هذه المنطقة يتعارض مع كل من استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب، واستراتيجية الدفاع الوطني، واستراتيجية مجلس الأمن القومي الأميركية لأفريقيا، التي تركز جميعها على التنافس بين القوى العظمى ومواجهة النفوذ الروسي والصيني، لا سيما أن ليبيا تحولت إلى حقل تجارب لصراع النفوذ الدولي والإقليمي”.

ليبيا بالنسبة إلى الرئيس بوتين “نقطة مركزية أخرى في استراتيجيته لإعادة النفوذ الروسي إلى الشرق الأوسط، الذي كانت خسرته بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. ولم يعد سراً أن ليبيا أصبحت ساحة حرب بالوكالة، روسيا هي أحد لاعبيها الفاعلين، وذلك لأن بوتين يتنافس بلهفة ليصبح صانع القرار الرئيسي، على رغم أنه فشل في إقناع الجنرال حفتر بتوقيع اتفاق مع السراج في المؤتمر الذي نظمه ورعاه الكرملين في موسكو. وبحسب صحيفة “الإندبندنت” البريطانية، فإن “موسكو تلعب لعبة مزدوجة على طرفي الحكم في ليبيا، وتخوض فيها بعناية وانتباه، ترقباً للطرف المنتصر في نهاية الأمر لتتحالف معه”. ويرى مراقبون أن هذا النهج المزدوج يتماشى مع سياسة بوتين الإقليمية التي تستند إلى إقامة اتصالات مع جميع الأطراف الفاعلة لتقديم نفسه كصانع قرار”. ورأت المحللة في معهد واشنطن آنا بورشفسكايا (Anna Borshchevskaya) وهي مؤلفة كتاب “الدور العسكري الروسي في الشرق الاوسط هو أحد أسباب هذه السياسية المزدوجة أن “رفض حفتر التخلي عن جنسيته الأميركية، وكونه شريكاً صعباً في مقاربة موسكو المزدوجة يثير عدم الثقة لدى بوتين”. ولكن مواقف حفتر ونهجه حتى الآن وعلاقاته الخارجية تبين أن قدرة موسكو على التأثير فيه تبقى موضع شك، ولكنها مع ذلك يمكن أن تستفيد من العملية الدبلوماسية من دون تحقيق تقدم حقيقي، فمشاركتها في محادثات السلام تعزز صورة بوتين، لا سيما في ظل غياب دور أميركي، إضافة إلى أن روسيا معتادة على التخبط في النزاعات التي يصعب حلها لتأمين دور ملموس لها في إطار استراتيجية تشمل استخدام موجات اللاجئين من ليبيا، كوسيلة ضغط على أوروبا كما حصل قبل سنوات مع اللاجئين من سوريا.

لعبة روسية مزدوجة

ما تسعى إليه موسكو كما هو منعكس على حركتها السياسية ومبادراتها يتمثل في رهانها على الصعيد الإقليمي على نجاحها في جمع مختلف الجماعات الليبية المتنازعة على السلطة، بما يتيح لها تجاوز الإطار الليبي لتجسيد نفوذها وتأثيرها بشكل أكبر في منطقة شمال أفريقيا والساحل الأفريقي ككل، لإضعاف الدور الأوروبي والغربي الذي يواجه انحساراً ملحوظا مع الانسحاب الأميركي من المنطقة. إضافة إلى أن التنافس الحاصل الآن هو مع تركيا الساعية هي الأخرى إلى إشغال هذا الفراغ ومحاصرة أوروبا من خاصرتها الجنوبية وفرض الشروط عليها في سياساتها وعلاقاتها مع الدولة التركية. يتفق المحللون الروس على أن بوتين وجد في حفتر الشريك الذي يمكن التعويل عليه في ليبيا، والذي كانت تفتقده في المرحلة ما بعد القذافي.

التدخل الروسي في ليبيا سيساهم بالتأكيد في ترجيح كفة ميزان القوى لمصلحة الكرملين، ويوسع من نطاق نفوذ روسيا على الحدود الجنوبية لحلف الناتو.

سمح التردد الأميركي في الدخول إلى حلبة الصراع في سوريا وليبيا، للروس باكتساب النفوذ في الخاصرة الجنوبية لحلف الاطلسي، وأثار نقطة احتكاك مع تركيا، ونتيجة لذلك يبدو اليوم أن واشنطن لم تعد قادرة على منع وقوع المزيد من اعمال العنف في البلدين. وما يؤكد ذلك تصريح للمتحدث باسم القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (افريكوم) قال فيه، “إن ليبيا لم تحظَ بأي اهتمام لا من إدارة أوباما ولا من ترامب، ما دفع خبراء مكافحة الإرهاب إلى التحذير من خطر استعادة “داعش” لقوته، على خلفية فشل روسيا في إنهاء “داعش” في سوريا”.

 إلا أن الشراكة بين موسكو وحفتر لا تقتصر على التعاون العسكري وتقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي، وإرسال مقاتلي شركة (فاغنر) الأمنية الخاصة للقتال إلى جانب الجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر بمساعدة ضباط كبار من حقبة القذافي، بل هدفها المستقبلي إبرام عقود واتفاقيات اقتصادية وفي مجال الطاقة وتوفير فرصة لوصول روسيا إلى الموانئ الليبية. وكانت صحيفة “موسكو تايمز” ذكرت أن “الجرحى من المقاتلين الروس من (فاغنر) الذين يقاتلون في ليبيا وسوريا يتلقون العلاج في مستشفى في موسكو يملكه مقربون من بوتين وابنته”. وأبرمت موسكو صفقة مع ليبيا للنفط والغاز في بنغازي. 

نجحت روسيا في تغيير قواعد اللعبة السياسية في ليبيا من خلال تعزيز دعمها العسكري لحفتر وتزويده بالمواد الأساسية (على سبيل المثال، اجهزة القتال الليلية)، والمزيد من المرتزقة المدربين جيداً من “جيش فاغنر” والدراية الفنية لإسقاط طائرات من دون طيار والتي وفرتها تركيا لحكومة طرابلس، وبهذا فقد حوّل بوتين القائد حفتر إلى تهديد مدمر في وجه حلفاء أنقرة المحليين” هذا عدا أنه تاريخياً كان الوصول إلى موانئ المياه الدافئة في شرق البحر المتوسط ذا أهمية كبرى للحكام الروس، فخلال مؤتمر بوتسدام عام 1945 حاول ستالين من دون أن ينجح أخذ الوصاية على إقليم طرابلس في ليبيا.

فاغنر الدعامة الأساسية للتدخل الروسي

في السنوات الأخيرة، اعتاد الكرملين على استخدام الشركات الامنية الروسية الخاصة مثل (فاغنر) كأداة للسياسة الخارجية، وهذا أصبح سمة مميزة لاستراتيجية بوتين في مجالات عدة. ونقلت صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية عن موقع “السويداء 24” السوري، أن روسيا أناطت بأحد الأحزاب السورية المرخصة مهمة تجنيد متطوعين سوريين للقتال في صفوف (فاغنر) في ليبيا مقابل رواتب مغرية تتراوح بين 1000- 1500 دولار، إضافة إلى تعويضات تحصل عليها عائلاتهم في حال مقتلهم أو فقدانهم. وفي هذا السياق، يجب التذكير بأن الولايات المتحدة ظلت تعتمد هي الأخرى على الشركات الأمنية الخاصة في حروبها في أفغانستان والعراق وغيرهما من النزاعات المسلحة في العالم، وعلى سبيل المثال لا يمكن تجاهل شركة “بلاك ووتر” التي اشتهرت بما ارتكبته من أعمال ونشاطات غير قانونية في العراق وأفغانستان خلال فترة الحرب.

إن قرار الرئيس بوتين الذي اتخذه في نهاية عام 2015، والذي تزامن مع تدخل روسيا في النزاع السوري بتسليم الملف الليبي إلى نائب وزير الخارجية الروسي لشؤون الشرق الاوسط ميخائيل بوغدانوف عكس الاهمية التي يوليها الكرملين لمنطقة شمال أفريقيا”. وتجدر الإشارة إلى أن روسيا تقوم منذ أيار/ مايو 2017 بطبع العملة الليبية المحلية (4 مليارات دينار، أي ما يعادل ثلاثة مليارات دولار) لمصلحة حكومة طبرق في الشرق التي تدعم حفتر. أدى ذلك إلى احتجاج البنك المركزي الليبي في طرابلس التابع لحكومة السراج. وفي ليبيا الآن مصرفان مركزيان وحكومتان ومجلسان نيابيان.

إذا نجحت موسكو في تعزيز دورها في ليبيا على المدى الطويل، فسوف تكسب نفوذاً ملحوظاً على أوروبا، فضلاً عن أن هذا يفتح لها أبواباً أكثر فأكثر للدخول إلى الشرق الاوسط وأفريقيا، وستكون موانئ ليبيا وبالتحديد في طبرق ودرنة العميقان مفيدة للقوة البحرية الروسية من الناحيتين اللوجستية والجيوستراتيجية، لأنهما سيقترنان مع ميناء طرطوس في سوريا. وكانت النشرة الروسية المستقلة “ميدوزا”، أشارت إلى أن علاقة بوتين مع حفتر بدأت عام 2015 بزيارة الأخير إلى موسكو وحصوله على الدعم الروسي مقابل وعود بمنح روسيا صفقات للطاقة وإمكان دخولها إلى الموانئ الليبية. وليس هذا فقط إذ إن الخطة الروسية تتضمن أيضاً النزول إلى منطقة الساحل، للنيجر ومالي وحتى بوركينا فاسو. وبحسب الخبير الفرنسي في الشؤون الروسية (Igor Delanoe)، فإن ليبيا تمد روسيا بأسباب القوة في عملية الشد والجذب التي تدور بينها وبين المجموعة الأوروبية الأطلسية بخصوص ملفي سوريا وأوكرانيا”. هذا إضافة إلى أن ليبيا توفر لروسيا دور الطرف الذي يغذي الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بما يتعلق بمسألة اللاجئين”. وكان بوتين اعتبر أن تطوير روابط وعلاقات متينة مع أفريقيا يشكل أحد أولويات السياسة الخارجية الروسية، مشدداً خلال القمة الروسية– الأفريقية في سوجي على أن “الدول الأفريقية أصبحت أحد الأعمدة في عالم متعدد الأقطاب. وشهد حجم التبادل التجاري بين روسيا والبلدان الأفريقية خلال السنوات الخمس الأخيرة ارتفاعاً ملموساً، بحيث تجاوز العشرين مليار دولار. وتعد روسيا من أكبر الدول التي تصدر الأسلحة والتقنيات الحربية إلى أفريقيا. وقال بوتين إن “روسيا عقدت صفقات أسلحة مع 30 دولة أفريقية خلال السنوات الأخيرة. وتسعى موسكو إلى إقامة قاعدة عسكرية في جمهورية أفريقيا الوسطى، وهي تواصل محادثات لهذا الغرض مع حكومتها كما ذكرت وكالة “ريا نوفوستي” الروسية. ولعل ما يساعد بوتين على تحقيق أحلامه في استعادة نفوذ روسيا في أفريقيا هو الخطط الأميركية بسحب الكثير من قواتها العسكرية والاستخباراتية في تحول يهدف إلى تقليص النفقات وتحويلها إلى برامج أخرى ذات أهمية أكبر للأمن القومي الأميركي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني